2المرأة التي تهمس
دخل سليم أول منزل بدا له أقل خوفًا من البقية، رغم أن بابه كان مفتوحًا كما لو أن أحدًا خرج منه على عجل. كانت الرائحة في الداخل مزيجًا من تراب رطب ورائحة دخان قديم لم يُطفأ بالكامل. تقدم بخطوات محسوبة، متجنبًا الألواح الخشبية المتشققة التي تصدر صريرًا خفيفًا. لاحظ أن الغرفة الرئيسية خالية تقريبًا إلا من طاولة مقلوبة وكرسي مكسور، وكأن المكان شهد شجارًا صامتًا. وعلى الجدار المقابل رأى مرآة كبيرة محطمة من المنتصف، كسرتها تشكل شقوقًا تشبه عروقًا سوداء تنتشر على سطحها. اقترب بحذر وهو يشعر بأن شيئًا غير مرئي يدفعه للنظر داخل الزجاج.
عندما انعكس وجهه في الشظايا، لاحظ حركة خلفه، لم تكن واضحة ولكنها بدت كظل يمر بسرعة، رغم خلو الغرفة. حاول تجاهل الأمر، لكنه سمع صوت همس خافت، كأنه يخرج من داخل الزجاج نفسه، لا من المكان حوله. لم يفهم الكلمات، لكنها كانت بنبرة توسل باردة. ثم ارتعش سطح إحدى الشظايا الصغيرة، كأنها تتنفس. تراجع خطوتين وهو يشعر ببرودة تزحف من أطراف أصابعه إلى كتفيه. وللحظة خاطفة، رأى في المرآة انعكاس وجه آخر يقف بجانبه، بلا ملامح، قبل أن يتلاشى بشكل مفاجئ. أدرك سليم أن هذا المنزل لا يُخفي أسرارًا فقط، بل يبتلعها أيضًا.