الفصل التاسع: اللحظة
لم يعد هناك مكتب.
ولا جدران.
كان آدم واقفا في ممر ضيق يعرفه دون أن يتذكر متى دخله أول مرة. الضوء أصفر باهت، يتقطع كأن الزمن يتنفس بصعوبة، كل ظل يتحرك مع أنفاس المكان.
سمع خطوات.
ليست قادمة… ولا مبتعدة، كأن الأرض نفسها تمشي معه دون أن يلمسها.
قال بصوت هادئ ومتهالك:
— هذه لحظتي… أليس كذلك؟
لم يجب الصوت فورًا.
تقدّم آدم خطوة واحدة. شعر بالأرض تهتز تحته، لا كزلزال، بل كتردد خافت، كأن الزمن يناقشه قبل أن يسمح له بالمضي قدمًا.
ثم رآها.
الذكرى.
سيارة متوقفة في شارع مظلم.
ليل ثقيل، ومطر خفيف يتساقط بلا رحمة.
شاب يقف أمامه… وجهه شاحب، عيناه تترقبان شيئا واحدا: قرار.
كان آدم أصغر سنا، صامتا، مترددا. حادث لم يقع بعد، وإنقاذ لم يحدث.
تذكر الآن لماذا نسي.
لم يكن خوفا… بل اختيارا.
قال بصوت مكسور:
— كنت أستطيع…
قاطعه الصوت بلا تحفظ:
— لكنك لم تفعل.
انهارت الذكرى حوله، ثم عادت أكثر وضوحا، أقوى، حادة، الصرخة التي لم يسمعها، اليد التي لم يمدها، الفرصة التي فاتته.
سقط آدم على ركبتيه، يشعر بثقل اللحظة بالكامل، وكأن كل ثانية لم تعش تضعف الأرض تحته.
— هل هذا العقاب؟
— أجاب الصوت، لا هذا تذكر.
رفع آدم رأسه. لم يكن خائفًا بعد الآن.
قال بثبات:
— إذن دعني أعيشها.
ساد صمت طويل، صمت ممتلئ بالاحتمالات، ثم بدأ الزمن… يتحرك.