عيونك قصيدة اذوب فيها صمتاً - الفصل الرابع - بقلم نهال | روايتك

اسم الرواية: عيونك قصيدة اذوب فيها صمتاً
المؤلف / الكاتب: نهال
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الرابع

الفصل الرابع

تمرّ السنين، ولا تزال الذكرى عالقة في البال… قد تكون ذكرى مؤلمة وقد تكون جميلة، لكنها – مهما كان ثقلها – تظل جزءًا من الروح نحملها معنا بصمت، توقظ فينا ما ظنناه نائمًا وتهمس بأحداثٍ عبرت لكن أثرها لم يعبر. وربما في يومٍ ما تبهت تلك الذكرى، لا لأنها زالت بل لأن القلب تعلّم كيف يعيش دون أن يؤلمه الماضي. ـــــــــــــــــــــــــــــــالبدايةـــــــــــــــــــــــــــــــ جلس أبو عنود في المجلس، كوب الشاي قدّامه لكن ما ذاقه. كان يبرد مثل قلبه. صوت بكاء أم عنود واصل له من آخر البيت كل شهقة كانت تضربه بصدره، لكنه ما تحرّك. كان يدري يدري إن اليوم هذا بيجي. همس لنفسه بصوت واطي: "كنت أحسبها بتموت ويريحنا كلنا" سكت فجأة كأن الكلمات خنقته في قصر آل سلطان..... منذ أن تبنّت عبير طفلة، تغيّرت حياتها بالكامل. صارت أكثر سعادة… أكثر حنانًا… وكأن قلبها خُلق ليكون أمًّا فقط. أصبحت الطفلة عالمها، نبضها، وخوفها الدائم. كانت تحبها حبًا يفوق الوصف، تخاف عليها من كل شيء، وتخشى فقدانها في أي لحظة. سمّتها «ريوف»، ومنذ تلك اللحظة أصبحت ريوف ابنتها قبل أن تكون طفلة متبنّاة. لكن العائلة لم تتقبّل الأمر. رفضٌ صامت… ونظرات قاسية… وكلمات لم تُقال الجميع كان رافضًا وجودها في قصر آل سلطان… إلا عبير، التي لم تهتم لأي شيء سوى صغيرتها المدلّلة. في أحد الأيام، رنّ هاتف أبو مشاري. أبو فيصل: "السلام عليكم." أبو مشاري: "وعليكم السلام وش بغيت؟ مب من عوايدك تتصل." أبو فيصل (بسخرية): "أبشّرك أخوك خليل تبنّى طفلة." سكت أبو مشاري لحظة، ثم قال بغضب: أبو مشاري: "وش تقول أنت؟!" أبو فيصل: "الهرجة وما فيها إن خليل وحرمته كانوا مع أبوي بديرة ثانية، وهناك شافوا طفلة يتيمة حرمة خوك تعلّقت فيها وتبنّتها رسميًا وصارت بنتهم قانونيًا اسمها الآن ريوف خليل سلطان وبالمستقبل؟ ممكن تاخذ ورث ويصير لها مكان بالقصر." انتهت المكالمة، لكن الغضب اشتعل في صدر أبو مشاري. دخل أبو مشاري على الجد سلطان، وملامح الغضب واضحة على وجهه. الجد سلطان: "السلام عليكم يا ولدي." أبو مشاري (بعصبية): "كيف تخلي خليل يتبنّى طفلة غريبة؟ ومن ديرة بعيدة بعد!" الجد سلطان (يحاول يهدّي الجو): "أول شيء سلّم وبعدين نفهم بعض بهدوء." جلس أبو مشاري، ورد السلام، ثم قال: أبو مشاري: "الحين فهمنا الهرجة وش تفسيرك؟" الجد سلطان: "اسمعني يا ولدي حرمة أخوك شافت الطفلة وتعلّقت فيها، وانت تعرف إنها تتمنى تصير أم ما حبيت أكسر خاطرها وخليل بعد تعلّق فيها تبنوها وربّوها، وهذا شي يرجع لهم." ابو مشاري ثم أضاف بهدوء: "ولا تنسىأ حفاد آل سلطان هم عيالنا مو الطفلة غريبه" زفر أبو مشاري بقوة. أبو مشاري: طيب… والورث؟ الجد سلطان (مستغرب): وش تقصد؟ كان خليل واقفًا خلف الباب، يسمع كل كلمة كل حرف كان يوجع قلبه خصوصًا لما سمع أحدهم يتكلم عن ريوف كأنها لا شيء دخل فجأة، والغضب يشتعل في عينيه. أبو مشاري (بسخرية): أنا مب فاهم كيف تتبنّى بنت غريبة وتدخلها بيتنا! لم يتمالك خليل نفسه: تقدّم بسرعة، مسك أبو مشاري من عنقه، وأسنانُه تصطك من الغضب. خليل (بعصبية): تعرف هالبنت اللي تتكلم عنها؟ هذي بنتي أنا! أبو مشاري (ساخرًا): بنتك؟ لا تضحك على نفسك. نهض الجد سلطان مفزوعًا. الجد سلطان: وش تسوي يا مجنون؟ اترك أخوك! خليل: والله ما أتركه يا يبه… والله! احتدم الجدال، فاضطر الجد سلطان يضرب خليل بعصاه ليبعده. سقط أبو مشاري على الأرض يلهث، ينظر لخليل بحقد بينما خليل كان واقفًا، يمسح أثر العصا عن ذراعه. الجد سلطان (غاضبًا): مب معقول يا خليل تضرب أخوك عشان طفلة مب بنتك! تجمّد خليل كلمة واحدة كسرت قلبه. نظر لأبوه نظرة موجوعة، ثم استدار وخرج دون كلمة. في اليوم التالي، لم يأتِ خليل كعادته لزيارة والده ولا اتصال ولا حتى رسالة. حزن الجد سلطان، فهو يعرف أن غياب خليل ليس أمرًا عاديًا. جلس يفكّر، يلوم نفسه على الكلمة الجارحة التي خرجت منه دون قصد. الجد سلطان: مريييم! الخادمة: نعم بابا؟ الجد سلطان: اتصلي بولدي خليل. رن الهاتف… مرة… مرتين… بلا رد. أُغلق الخط، وبقي الجد سلطان ينظر للهاتف بحزن. في المساء، وبينما كان الجد جالسًا، سمع صوت فتح الباب. نهض بسرعة… وإذا بـ خليل أمامه. فرح الجد كثيرًا، تقدّم وحضنه بقوة، مما أربك خليل. خليل (مستغرب): وش فيك يبه؟ الجد سلطان (بصوت دافئ): ولا عليك… ما صار إلا الخير. لكن في قلب الجد سلطان، كان يعرف… أن بعض الكلمات، وإن قيلت بلا قصد، تترك جرحًا لا يُنسى. في مجلس الحريم، كانت عبير جالسة تهدهد ريوف. الرضيعة ملفوفة بقطعة قماش بيضا، صوت أنفاسها خفيف كأنها تخاف تزعج المكان الكل يناظر الطفلة ام مشاري(بابتسامة باردة): عبير الله يتمّم عليك، بس حنا أهل، ولازم نكون واضحين. هزّت عبير رأسها. تفضّلي. ام فيصل: البنت ما لها ذنب بس وجودها بالقصر صعب. ارتجفت يد عبير، لكنها تماسكت. وش تقصدين ام فيصل: نقصد يمكن تعيش عند ناس يناسبون وضعها أكثر. سكت المجلس. ضغطت عبير شفايفها، ثم قالت بهدوء: ووضعي أنا؟ تبادلت الحريم نظرات. ام فيصل: إنتِ زوجة خليل مكانك محفوظ. عبير:(بحزن) وبنتي؟ ام مشاري(ببرود): هي مب بنتك هي أمانة، وتنتهي الأمانة يوم ترجع لأهلها. نزل صوت عبير، لكنه صار أقوى: الأمانة ما تنام على صدري ولا تصحى على نبضي ولا تبكي إذا ابتعدت عنها. بكت ريوف فجأة ارتبك المجلس. ضمّتها عبير وهزّتها بلطف. تشوفون هي ما تعرفكم تعرفني أنا يمكن أنا مو منكم دمًا بس أنا أم. ام مشاري: فكّري بعقلك يا عبير لا تخسرين العائلة عشان طفلة. رفعت عبير رأسها، عيونها مليانة دموع، إذا العائلة تطلب مني أترك بنتي… فأنا أختار بنتي خرجت عبير من المجلس وهي تضمّ ريوف إلى صدرها، كأنها تهرب بها من عالمٍ كامل… من نظراتٍ ثقيلة وكلمات لم تُقال، لكنها كانت أقسى من أي حديث. انغلقت باب غرفتها خلفها، وما إن استقرت حتى انهارت. جلست على السرير، تشدّ ريوف بقوة، كأن هناك من سيخطفها منها في أي لحظة. بكاؤها كان مكتومًا، موجعًا، يخرج من قلبٍ متعب. دخل خليل فجأة، وتجمّد مكانه حين رآها بتلك الحالة… دموع، ارتجاف، وذراعان تحيطان بريوف كآخر ملجأ. خليل (بصوت قلق): "وش صاير يا عبير؟" رفعت رأسها، وعيناها محمرتان من البكاء. عبير (بصوت مكسور): "ما أقدر أتحمّل… نظرات العايلة لريوف. يحسّسونها إنها غريبة، كأنها ما تنتمي لهم. أخاف… أخاف لما تكبر تواجه مشاكل بسببهم." كانت كلماتها كشرارة أشعلت نارًا في صدر خليل. اشتدّ فكه، وغامت عينيه بغضبٍ مكتوم. لم يقل شيئًا، فقط استدار وخرج بخطوات سريعة وحازمة. توجّه مباشرة إلى غرفة والده، وطرق الباب طرقًا ثابتًا. الجد سلطان (مستغرب): "تفضّل." دخل خليل، سلّم وجلس للحظة، ثم وقف من جديد، وكأن القرار أثقل من الجلوس. الجد سلطان: عسى ما شر يا ولدي؟ خليل: "يبه… أنا اتخذت قرار." الجد سلطان:(رفع الجد حاجبيه.) "قرار وشهو؟" خليل (بحزم): "إذا ما اعترفتوا بريوف، وما وقّفت عيالك عند حدّهم… فاعرف إنك بتخسرنا." الجد سلطان: تغيّر وجه الجد، وقال بهدوء حازم: استعوذ بالله، وصلِّ على النبي. خليل: اللهم صلِّ وسلم عليه. الجد سلطان: وش تبي بالضبط؟ خليل: "أبي حق بنتي. ما أبي أحد يجيب طاري إنها متبنّاة… ريوف بنتي، وبس." سكت الجد لحظة، ثم نهض ببطء. تم… وأنا أبوك. في مجلس الرجال، كان الجميع مجتمعين. وقف الجد سلطان في صدر المجلس، وصوته هذه المرة كان واضحًا، حاسمًا، لا يقبل الجدال. الجد سلطان (بصوت عالٍ): 'أنا بعترف قدّامكم كلكم، وبصوت واضح ريوف بنت ولدي خليل. اسمها ريوف خليل سلطان وأي واحد أسمعه يقول إنها مب من آل سلطان ما يلوم إلا نفسه وبالذات أنت يا أبو مشاري، وأنت يا أبو فيصل." ساد الصمت المجلس، وثقلت الأنفاس. انخفضت رؤوس، واشتعل الغضب في عيونٍ أُخرى… خصوصًا أبو مشاري وأبو فيصل، اللذين تبادلا النظرات وهمس الحقد. أبو فيصل (بغضب مكتوم): "وش ذا يا أبوي من جدّه؟" أبو مشاري (بحنق): "كنت أدري إن هالحركة من خليل بس يا أنا، يا هو." أبو فيصل: "وش ناوي تسوي يعني؟" ابتسم أبو مشاري ابتسامة ساخرة، وقال: أنت خلّك بعيد… الموضوع ذا عليّ. ــــــــــــــــــــــــــــالنهايةــــــــــــــــــــــــــــــــــ