الفصل الثامن: الصوت
لم تعد الجرائم تحتاج إلى مكان.
كانت تحدث حيثما توقف الزمن عن الجريان، حيث تتجمد اللحظة ولا تجد طريقها إلى الأمام.
جلس آدم وحده في مكتبه المظلم. الملفات مفتوحة أمامه، الصفحات مكدسة، لكن الكلمات فقدت معناها. لم يعد يقرأ، لم يعد يبحث، كل الخيوط كانت تقوده إلى النقطة نفسها، إلى تلك المساحة الضيقة بين ما كان يجب أن يحدث وما لم يحدث أبدا، إلى اللحظة التي لم تعش.
أغلق عينيه.
ولم ينتظر.
جاء الصوت.
لم يكن عاليا، ولم يكن واضحا، لكنه كان حاضرًا بطريقة لا تقبل الشك، كأنه لم يسمع بل استدعي.
— أنت تفهم الآن.
لم يتحرك آدم. لم يفتح عينيه.
— أنت لست قاتلا.
ضحك الصوت ضحكة خافتة، بلا فرح، بلا سخرية.
— القتل يفترض نهاية… وأنا أعيد البداية.
انفتحت الصور حوله. لم تكن أشباحا، ولا هلوسات، بل ذكريات حية، نابضة، كل ضحية في لحظتها المنسية، القرار الذي لم يتخذ، الكلمة التي اختنقت في الصدر، الخطوة التي لم تخط، اللحظة التي أدار فيها الزمن ظهره ومضى.
قال آدم بصوت ثابت، كأنه يزن كل حرف:
— ولماذا يموتون؟
تأخر الجواب لحظة واحدة فقط.
— لأن الجسد لا يحتمل الحقيقة عندما تأتي متأخرة.
ساد صمت ثقيل. لم يكن انتظارا، بل فهما. ثم سأل آدم، وهو يعرف الجواب قبل أن يسمعه:
— ومتى تأتي لحظتي؟
اقترب الصوت. لم يعل، لم يهمس، لكنه أصبح أقرب مما ينبغي.
— عندما تتوقف عن الهرب.
في تلك اللحظة، انكسرت الساعة في مكتبه. الزجاج تشقق، والعقارب سقطت بلا اتجاه. لم يعد هناك وقت يقاس، ولا لحظة تؤجل.
ولأول مرة، شعر آدم أن الزمن لا يمر بجانبه…
بل ينظر إليه مباشرة.