الفصل السادس: الانكسار
لم يغادر آدم الشقة فورا.
بقي واقفا قرب الجدار، يحدق في الساعة المنكسرة على الأرض، كأن سقوط العقارب لم يكن نتيجة، بل دعوة. لم يحاول جمعها، لم يلمس الزجاج، فقط شعر أن شيئا ما بدأ يتحرك داخله، ببطء، دون إذنه.
عندما خرج، كان الشارع هادئا على نحو غير مريح. الضوء باهت، لا هو فجر ولا هو ليل، والناس يمرون دون أن يتركوا أثرا في ذاكرته. قاد سيارته بلا وجهة واضحة، واكتشف متأخرا أنه لا يتذكر الطريق الذي سلكه، فقط اللحظة التي وصل فيها.
توقف أمام مبنى قديم.
لم يتذكر أن جاء إلى هنا من قبل، لكن جسده عرف المكان. خطا نحو المدخل، فتح الباب، وصعد الدرج دون تردد. في الطابق الثاني، توقف. قلبه تسارع، لا خوفًا، بل استجابة.
الشقة كانت فارغة.
لا أثاث، لا صور، لا حياة. ومع ذلك، شعر بأنها ليست مهجورة. الهواء ثقيل، مألوف، كأن أحدا غادر لتوه. اقترب من النافذة، نظر إلى الخارج، ثم رأى انعكاسه على الزجاج. هذه المرة، لم يتأخر.
لكن خلفه…
كان هناك طفل.
لم يستدر فورا. عرف، بطريقة لا يمكن تفسيرها، أن الحركة ستكسر شيئا. أغلق عينيه، تنفس بعمق، ثم فتحهما ببطء. لم يكن الطفل قد اختفى، لكنه لم يكن واضحا أيضا، مجرد شكل، ظل واقف في مكان لا يصل إليه الضوء.
فهم آدم حينها ما يحدث.
لم يكن الزمن يعرض عليه ذكرى.
كان يستدعيه.
تراجع خطوة، فشعر بدوار خفيف، كأن الأرض فقدت توازنها. رأى صورا متقطعة، يدا تمسكه، صوتا ينادي باسمه، لحظة سقوط، ثم فراغ. لم تكن ذكريات كاملة، بل شقوقا، مثل زجاج بدأ يتصدع.
همس بصوت بالكاد سمعه:
— هذه ليست ذكريتي…
لكن الطفل تحرك خطوة للأمام.
وعندها أدرك آدم الحقيقة التي حاول عقله تأجيلها. بعض الذكريات لا نعيشها لنفهمها، بل نبعدها كي ننجو.
عندما فتح عينيه مرة أخرى، كان وحده.
الشقة عادت فارغة.
لكن الزمن… لم يعد بعيدًا.