الفصل الخامس عشر
"المواجهة المنتظرة"
كان الفجر قد بدأ يرسم خيوطه الذهبية فوق الحقول حين خرج سليمان من القصر متخفيًا، متجاوزًا أعين الحراس الذين اعتادوا مراقبته بتعليمات الملك فهد. سار بخطوات سريعة إلى الطريق الذي يعرف أنه سيؤدي إلى بيت غفران. كان قلبه مضطربًا، يمزج بين شوقٍ جارف وحيرةٍ لم يجد لها جوابًا منذ أيام.
وحين وصل، لمحها تقف أمام بيتها، تحمل جرة ماء فارغة متجهة إلى البئر القريب. توقفت قدماه، وأخذ يتأملها في صمت؛ شعرها المتناثر على كتفيها، وقسمات وجهها البسيطة المضيئة بالجد والاجتهاد، وعينيها اللتين تحملان صدقًا يزلزل قلبه في كل مرة ينظر فيهما.
اقترب منها بخطوات حازمة، حتى شعرت بوجوده فالتفتت، لترى "نصر الدين" كما تعرفه. ابتسمت بخجل خفيف، لكن ابتسامتها ما لبثت أن تلاشت حين لاحظت الجدية في ملامحه.
غفران (بتردد):
– صباح الخير أيها القائد… تبدو متعبًا.
سليمان (بصوت مبحوح، كمن يخوض معركة داخل نفسه):
– صباح الخير يا غفران. لكنني جئت اليوم لا كقائد، بل كرجل يريد أن يعرف الحقيقة… كلها.
ارتبكت، وأخفضت عينيها إلى الأرض. حاولت أن تتجاوز الموقف بخفة، لكنها لم تستطع.
غفران:
– أي حقيقة تعني؟ حياتي بسيطة، تراها أمامك… فلا أسرار لدي.
سليمان (يقترب خطوة بخطوة، وصوته يزداد عمقًا):
– لا، ليست بسيطة كما تقولين. منذ لقائنا الأول شعرت أن في داخلك شيئًا تخفينه… حتي طريقه انقاذك لحياتي ونشانك الصائب كل هذا يقول انه يوجد شيئًا أقوى من الفقر وأكبر من البساطه و من كل ما تحاولين إظهاره. رأيت الشجاعة في عينيك، ورأيت كيف يتحدث الناس عنك في البلدة، كأنك تحملين تاريخًا ليس كباقي النساء.
رفعت غفران نظرها إليه، وقد لمعت الدموع في عينيها، لكنها تماسكت.
غفران:
– وما الذي يدفعك لمعرفة ذلك؟ لماذا تفتش في حياتي كما لو كنتَ تبحث عن كنز؟
سليمان (وقد ارتجف صوته قليلًا):
– لأن قلبي لم يعد يعرف السكينة من دونك. ولأنني كلما اقتربتُ منك، وجدت أنني أضيع أكثر بين أسئلتي. بالأمس سألتُ فهد عنك، فتحدث بغموضٍ زاد ناري اشتعالًا. وقبل أيام جلستُ مع العرّافة، فأخبرتني أن الحقيقة عندك أنت… وليس عند أحد غيرك.
شهقت غفران بخوف، إذ لم تتوقع أن يذهب إلى العرافة أو أن يسأل عنها أحدًا.
غفران (بقلق):
– العرافة…؟ وماذا قالت لك؟
سليمان (يمسك بيدها برفق، لكن بإصرار):
– قالت إنني لن أجد السكينة إلا إذا سمعت منك… وإنك تحملين ماضيًا لا بد أن يُكشف يا غفران… من أنتِ حقًا؟ ما الذي تخفينه عني؟
انسحبت يدها من بين يديه بسرعة، وكأنها تحاول حماية نفسها من الانكشاف. أخذت نفسًا عميقًا، ثم أدارت وجهها بعيدًا عنه.
غفران (بصوت متهدج):
– أنت لا تعرف ما تسأل عنه يا نصر الدين… بعض الحقائق ليست سهلة، وبعض الجراح إذا فُتحت نزفت من جديد.
اقترب أكثر حتى صار يقف أمامها مباشرة، وصوته هذه المرة كان حاسمًا، يحمل قوة ملكٍ يصر على الإجابة، لا مجرد رجلٍ عاشق:
سليمان:
– حتى لو نُزفت، دعيني أنُزف معك. لن أتركك وحدك في هذا الطريق. أريد أن أعرف… كل شيء قولي لي لنحمل معا ما تحملينه وحدك
تجمدت الكلمات على شفتي غفران، وتاهت نظراتها بين عينيه الصارمتين والسماء المشرقة فوقهما. شعرت أنها محاصرة بين رغبتها في البوح وخوفها من انكشاف ماضٍ قد يغيّر كل شيء بينهما.
وبينما ظلت صامتة، ظل هو يحدق فيها بعزم لا يتراجع، ينتظر منها أن تفتح الباب المغلق على سرّها الدفين.
"أعتراف غفران"
وقفت غفران صامتة للحظات أمام إصرار سليمان، كأن أنفاسها انحبست في صدرها. عيناه تلاحقانها بلا مفر، ونبرته التي جمعت بين الحب والصلابة أزالت آخر حصون صمتها. زفرت طويلًا، ثم جلست على حجر قرب بيتها، وأشارت إليه أن يجلس قربها.
غفران (بصوت منخفض متردد):
– أردتُ أن أبقيك بعيدًا عن كل هذا… لكنك لم تتركني. حسنًا، سأفتح لك الباب إلى الماضي الذي لا أفتخر به، وربما بعد أن تسمعني… لن تنظر إليَّ كما كنت تفعل.
جلس سليمان إلى جوارها، عينيه لا تفارق ملامحها المرهَقة، ينتظر كل كلمة بشغف وقلق.
غفران (تسند كفيها إلى ركبتيها، وصوتها يرتجف):
– كنت صغيرة، في العاشرة ربما، حين جاءت قافلة من الغرباء إلى بلدتنا. دخلوا ليلًا، وأشعلوا النار في البيوت… بيتنا كان أول ما التهمته النيران. حاولت إنقاذ أمي وأبي… لكن الله لم يكتب لي ذلك. لم أستطع سوى أن أخرج شقيقتي الرضيعة، "سهام"، من بين الدخان والنار. كان صراخها آخر ما سمعته من تلك الليلة السوداء.
اغرورقت عيناها بالدموع، لكنها قاومت، ومسحت خديها بيدها الخشنة.
سليمان (بصوت يفيض بالحنان):
– رحمة الله عليهما… لقد كنتِ مجرد طفلة.
غفران (تتنهد بمرارة):
– طفلة، نعم… لكن طفلة اضطرت أن تكون أمًا وأبًا وشقيقه في آن واحد. أخذت شقيقتي ورحلنا إلى بلدة أخرى، وهناك… لم يكن الناس ارحم. تعرضت للسخرية والمضايقات، لكنني كنت أبتلعها كلها، لأنني لم أملك رفاهية الاستسلام. كنت أعمل ليلًا ونهارًا، أبيع، أخدم، أحمل… كل ما يكفي فقط لأشتري اللبن والخبز لها.
توقفت لحظة، وأغمضت عينيها كأنها تستجمع قوة أخرى، ثم أردفت:
غفران:
– لكن البلدة كانت تحت حكم رجل ظالم، حاكم لم يعرف للرحمة معنى. رأى فيَّ شجاعة لا تليق بفتاة في سني، فاستغلني… أجبرني على حمل السلاح. علّمني كيف أكون قاتلة مأجورة في خدمته، يرسلني في مهام قذرة، يملأ يدي بالمال، مقابل أن أقتل هذا وتلك. كنت أعود بالدماء على يدي، لكنني… لم أكن أحتمل رؤية الظلم صامتًا. كنت أستغل ما علّمني لأصطاد القوافل الشريرة في الخفاء، أهاجم اللصوص وأقتلهم بالسهام والخناجر. كنت أعيش ليلين… ليل يراه الناس، وليل آخر لم يعرفه أحد.
اتسعت عينا سليمان بدهشة وحزن، وصمت وهو يراقبها تتحدث كأنها تنزف.
غفران (تبتلع غصتها):
– لكن الطاغية نفسه… أراد في النهاية أن يستعبدني أكثر. في ليلة حاول أن يمد يده عليَّ، حينها لم أجد أمامي إلا أن أضع حدًا له. قاتلته بسلاحي… وانتهى الأمر بأن غرزت خنجري في قلبه. لم أشعر بالذنب، لأنني كنت أعرف أنني أخلّص الأرض من شيطان. لكن بعد ذلك، لم أعد أستطع البقاء… فهربت.
انحنت قليلًا، تلتقط أنفاسها الثقيلة، ثم تابعت بصوت أهدأ، لكن مشوب بالمرارة:
غفران:
– جئت إلى مملكة النور، لأضع نهاية لكل ما سبق. الملك فهد استقبلني… وحماني. لكنه لم يسألني عما مضى لكني انا ما قصيت عليّ حكايتي كاملة، ولم يسمح لأحد أن يقترب من هذا الماضي، لأنه أقسم أن يبقيه سرًا. حتى حين سألتَه أنت… لم يرد. لم يخنك، بل وفى بوعدٍ قطعَه لي.
توقف الكلام، وكأن الكلمات نفدت من فمها. جلست غفران ساكنة، ودموعها تلمع على وجنتيها. أما سليمان، فظل مشدوهًا، يحدق فيها بعمق، قلبه يتأرجح بين الألم مما سمع، والإعجاب بقوة هذه المرأة التي كسرت كل القيود وظلت واقفة
مدّ يده أخيرًا، وأمسك يدها برفق.
سليمان (بصوت متهدج):
– ما فعلتِه لم يكن عارًا يا غفران، بل كان قدرًا ثقيلًا حملتِه وحدك. أنتِ لم تختاري أن تكوني قاتلة… لقد فُرض عليكِ ذلك. وما اخترتِه حقًا هو أن تحمي أختك، أن تقفي ضد الظلم. وهذا… يجعلني أراكِ أعظم مما كنت أراكِ من قبل.
رفعت نظرها إليه بخجل وارتباك، وكأنها لا تصدق ما تسمعه. لكنه أكمل بإصرار:
سليمان:
– غفران… ماضيكِ لن يبعدني عنك. بل هو ما يجعلني أريد أن أكون أقرب… لأحمل عنكِ بعضًا من هذا الثقل.
ارتجفت شفتاها، لكن لم يخرج منهما صوت. بينما في قلبها كان هناك مزيج من الخوف والطمأنينة، وكأنها وجدت أخيرًا من يقدر على أن يرى حقيقتها دون أن ينفر منها.
"الأعتراف الثاني"
كانت غفران ما تزال تشعر بارتجاف في قلبها بعد ما باحت بكل شيء لسليمان. لكنها، وهي تراه ينظر إليها بهذا العمق المربك، أحست أن الوقت قد حان لتردّ بالسؤال على السؤال، ولتضعه هو الآخر في موضع الاعتراف.
رفعت رأسها بثبات، وصوتها هذه المرة لم يرتجف، بل خرج قويًا، كمن وجد الشجاعة لمواجهة ما يختبئ خلف ستار.
غفران (بحدة ممزوجة بالقلق):
– الآن… حان دورك، يا نصر الدين. أنا من فتحت لك أبواب قلبي كلها، أخبرتك بما لا يعرفه أحد. لكنك… ما زلتَ تحيط نفسك بالأسرار. من أنت حقًا؟ ما الذي تخفيه ورائُك؟
تجمد سليمان في مكانه. عيناه اتسعتا للحظة، قبل أن يحاول استعادة رباطة جأشه. ابتسم ابتسامة باهتة، وأدار وجهه عنها قليلًا، كمن يبحث عن مخرج من هذا المأزق.
سليمان (يحاول التهرب):
– أنا قائد جنود يا غفران، كما تعرفين. رجل عاش حياته بين السيوف والرماح… هذا كل ما في الأمر.
ضربت غفران الأرض بقدمها واقتربت منه خطوة جعلت المسافة بينهما تختفي تقريبًا. نظراتها اخترقت عينيه مباشرة
غفران (بغضب متصاعد):
– كفى يا نصر الدين! لا تقلها لي ثانية… أنا أرى فيك شيئًا عظيما أكبر من مجرد قائد. كلماتك، نظراتك، حتى حين تضحك… لا تشبه رجال السيوف فقط. هناك ظلّ خلفك، هناك سرّ يطاردك. تحمل هيبه وكأنك ملك لماذا جئت حقًا إلى مملكة النور؟ لماذا تختبئ وراء زي الجنود هذه؟
تردد صوتها داخله، وكأن كلماتها أصابت أضعف مواضع قلبه. مدّ يده ليمسك بيدها، لكنّها سحبتها سريعًا بعناد.
سليمان (يتنفس بعمق):
– ليتني أستطيع أن أقول لكِ كل شيء الآن… لكن هناك أشياء، لو خرجت من لساني قبل أوانها، ستضعك أنتِ في خطر قبل أن تضعني أنا ولن اسمح بهذا مطلقا
أغمضت غفران عينيها، وارتسمت على ملامحها خيبة أمل، لكنها لم تستسلم. رفعت وجهها إليه من جديد، هذه المرة بعينين تلمعان دموعًا مكبوتة.
غفران (بصوت منكسر لكن قوي):
– خطر؟ وهل تظن أني لم أعش الخطر من قبل؟ لقد عبرت النار والدماء، ونجوت من الموت مرات. أنا لا أخاف الموت يا نصر الدين، أنا اعرف جيدا انك لسُت مجرد قائد وان ورائك شيئا عظيما. أريد الحقيقة… أريد أن أعرف الرجل الذي وضعتُ قلبي بين يديه.
ساد صمت طويل بينهما. سليمان ظلّ يحدق فيها، وكأن كل كلمة خرجت منها كانت سهامًا تصيب صدره. لم يعد يستطيع أن يخفي ارتباكه، ولا اضطراب أنفاسه.لكنه لم يستطع اخفاء فرحته عندما اعترفت بما في قلبها وتكنه له.
اقترب منها قليلًا، حتى كاد صوته يخرج همسًا:
سليمان:
– سأخبرك… لكن ليس الآن. أقسم لكِ، يا غفران، أن يأتي اليوم الذي تسمعين فيه كل شيء مني، دون غموض ولا ستار. حينها فقط ستفهمين من أكون… ولماذا اخترت أن أكون هنا، قريبًا منكِ.
ابتعد خطوة للخلف، كأنه يخشى أن ينهار أكثر إن بقي قربها. أما غفران، فظلت واقفة في مكانها، عينيها تلاحقانه بقلق ممزوج بلهيب الشوق والغضب.
غفران (بحزم أخير):
– إذًا تذكر، يا نصر الدين… أنا سأنتظر. لكن لا تختبر صبري طويلًا، لأن الانتظار قد يطفئ ما بداخلي أو يشعله نارًا عليك.
ثم استدارت عنه، تاركة إيّاه في حيرته، وقلبه يشتعل بين الرغبة في البوح، والخوف من كشف سره قبل أن يحين الوقت.
"حديث الاختان"
كانت غفران تدخل البيت بخطوات متثاقلة، عيناها شاردتان في الفراغ، وقلبها يعصف بالأسئلة والاضطراب. منذ أن تركت سليمان خلفها وهي تشعر أن كل شيء ينهار داخلها. كلماته الغامضة، رفضه أن يبوح، تلك الوعود المؤجلة… كلها علقت في صدرها كسكاكين تجرح ولا تندمل.
داخل البيت كانت تسير وهي تجر أنفاسها ببطء، حاولت أن تتماسك أمام أختها، لكن سهام التقطت الارتباك من أول نظرة. كانت سهام تجلس قرب النافذة، تمشط شعرها الطويل، وما إن رأت وجه شقيقتها حتى وضعت المشط جانبًا، ونهضت متجهة إليها بخفة.
سهام (بقلق واضح):
– ما بكِ يا غفران؟ وجهك شاحب، وعيناكِ كأنهما تحملان أسرارًا أثقل من الجبال.
جلست غفران على حافة السرير، ووضعت كفيها على وجهها للحظة، ثم رفعت رأسها مبتسمة ابتسامة واهنة، محاولة إخفاء ما بداخلها.
غفران (بصوت متردد):
– لا شيء يا سهام… لا تشغلي بالكِ. ربما هو التعب، لا أكثر.
لكن سهام لم تقتنع، جلست بجانبها وأمسكت بيدها بقوة، نظرت في عينيها كما اعتادت حين تريد أن تنتزع الحقيقة منها.
سهام (بحزم ممزوج بالحنان):
– لا تخدعيني يا غفران. أنا أعرفكِ أكثر مما تعرفين نفسك. هناك شيء يشغل بالك، يربككِ. من هو؟ هل هو ذلك الرجل نفسه نصر الدين… قائد الجنود؟
ارتجفت غفران عند سماعها الاسم الذي تخفيه في قلبها. حاولت أن ترد، لكن الكلمات علقت في حلقها. ظلت صامتة لحظات، حتى تنهدت بعمق وقالت بصوت خافت:
غفران:
– نعم … هو
ابتسمت سهام، لكن ابتسامة حذرة، وكأنها تخشى أن تجرحها بكلمة.
سهام:
– وما الذي يفعله بكِ؟ أهو يعذبكِ؟ أم يسعدكِ؟
انخفض بصر غفران نحو الأرض، وأجابت بنبرة تجمع بين الحب والحيرة:
غفران:
– كلاهما معًا. حين أكون معه أشعر أنني لستُ وحيدة، أن هناك رجلًا يرى حقيقتي، يشدّ على يدي، يجعلني أنسى كل ما مررتُ به. لكنه في الوقت نفسه… يخفي عني الكثير. كل كلمة يقولها تحمل ظلًا، كل نظرة تلمح خلفها سرًّا. أريد أن أعرفه كما عرفني… لكنّه يرفض أن يكشف نفسه.
ضغطت سهام على يدها أكثر، عينيها امتلأتا بالجدية والقلق.
سهام (بحزم):
– اسمعيني جيدًا يا غفران… لا تثقي برجل لا يكشف لكِ وجهه الحقيقي. لا تبني قلبكِ على نصف حكاية. الرجل الذي يخاف أن يبوح لكِ بحقيقته… قد يترككِ يومًا في العراء
ارتجفت غفران، لكنها سرعان ما رفعت رأسها، وعيناها فيهما إصرار لم يخفَ على سهام.
غفران (بصوت قوي):
– لكنه ليس مثل باقي الرجال يا سهام. هناك شيء فيه… لا أستطيع شرحه. هو لا يرفضني، ولا يحتقرني كما فعل غيره. حين ينظر إليّ… أشعر أنني أثمن من كل شيء. لا أعلم لماذا، لكن قلبي يخبرني أن وراء غموضه شيئًا عظيمًا… أكبر مما أتصور.
تنهدت سهام، ثم ضمت أختها إلى صدرها، وهمست في أذنها:
سهام:
– إذًا انتظري يا غفران… لكن لا تضيّعي نفسكِ في انتظاره. كوني قوية كما عهدتكِ دومًا.
أغمضت غفران عينيها، والدموع تترقرق على وجنتيها، لم تكن دموع ضعف، بل دموع قلب تائه بين الحب والخوف والفضول الذي يكاد يحرقها.
"العرّافة كارمن وحديث مع الذات"
كان الليل قد أرخى سدوله على مملكة النور، والقمر يتدلى بين السحب كعينٍ تراقب الأرض في صمت. داخل الكوخ العتيق، حيث تتصاعد رائحة الأعشاب المحترقة وتتناثر على الجدران تعاويذ قديمة ورموز غامضة، جلست كارمن، العرافة، وحدها أمام موقد صغير.
ألقت بيدها قليلًا من أوراق المريمية في النار، فتصاعد دخانها الأبيض كخيوط رفيعة، راقبتها وهي تلتف وتتشابك، كأنها تحمل رسائل لا يقرأها أحد سواها.
أغمضت عينيها لحظة، ثم تمتمت بصوت خافت:
كارمن (بهمس):
– آه يا سليمان… أنت رجل يطارده قدره، تظن أنك تُخفي نفسك خلف أسماء وأقنعة… لكن عينيّ رأت ما في قلبك قبل أن تنطق بكلمة. تبحث عن الحقيقة وتخشى في الوقت نفسه أن تبتلعك.
توقفت، وابتسمت ابتسامة باهتة، ثم مدت يدها إلى وعاء صغير مملوء بالماء، ألقت فيه حجرًا أملس، لتبدأ الدوائر بالاتساع. ظلت تحدّق فيه كأنها ترى ما وراءه.
كارمن (بصوت غامض):
– غفران… آه يا ابنة الأرض والسماء قلبك لم يهدأ منذ أن طُعنتِ بفقدان الأهل، ومنذ أن صرتِ تقتاتين على قوتكِ لا على حنان الآخرين. تحاولين أن تخفي جراحكِ وراء شجاعة وبأس، لكن عينيّ ترى ذلك الانكسار العميق… وترى أيضًا شعلة لا تنطفئ.
تنهدت ثم رفعت رأسها، نظرتها صارت أثقل، كأنها ترى مستقبلًا بعيدًا يقترب بخطوات بطيئة.
كارمن (بصوت منخفض):
– أنتما الاثنان… القدر جمعكما لا عبثًا. لكن لا تدري يا غفران أن الرجل الذي تسكنينه قلبكِ الآن… هو من تخشاه الممالك وتترصده العيون. ويغدر به الخائنين ولا تدري يا سليمان أن هذه الفتاة الضعيفة في مظهرها… هي نار ستكوي كل من يقترب منها بسوء
سكتت لحظة، ثم نهضت، تمشي ببطء في أرجاء الكوخ، تتحسس الكتب القديمة، وتلمس بقايا التعاويذ المعلقة.
كارمن (بصوتٍ أكثر جدية):
– راجح وبلال… تحالف أشرّ من ظلام الليل، يتربص بكما وبالملك فهد. لكن… لا عدوّ أشد خطورة من قلب لا يعرف ما يريد.
توقفت فجأة، وكأنها سمعت صوتًا في داخلها، ابتسمت ابتسامة غامضة وقالت:
كارمن:
– سيأتيان إليّ ثانيا… كلٌ منهما يسعى لجواب يريح قلبه. لكن… لن أبوح بكل شيء. فبعض الحقائق يجب أن تُكتشف بالدموع والاختبارات، لا بالكلمات.
ثم جلست مجددا أمام النار، همست وهي تحدق في ألسنتها المتراقصة:
كارمن:
– يا غفران… يا سليمان… لا تظنان أنكما وحدكما من يحمل أسرارًا. أنا أيضًا… لي سرّ سيكشف في حينه.
واستسلمت لصمت الكوخ، بينما النار تواصل رقصتها، وكأنها تحفظ ما لا يُقال.
"بعد العودة للقصر"
كان الليل قد أرخى سدوله على قصر النور، والسكون يغمر الممرات العريقة إلا من خطوات الحرس المتناثرة على الأبواب. عاد سليمان بخطواتٍ بطيئة إلى القصر، وملامحه تحمل مزيجًا غريبًا بين الرضا والفوضى الداخلية. لقد بَاحت له غفران عن ماضيها، حكت له عن طفولتها الممزقة بين النار والدم، عن الظلم الذي لاحقها، عن شجاعتها التي جعلتها تنجو وتصمد.
كان قلبه يموج بالفخر بها، لكنه في اللحظة ذاتها يشعر باضطراب لم يستطع أن يفسره؛ فقد وقفت أمامه بكل صدقها، بينما هو ما زال يخفي عنها حقيقته… ما زال يعيش خلف اسمٍ ليس باسمه.
دخل غرفة نزار حيث اعتاد أن يجد الأذان التي تصغي له، فاستقبله الأخير بنظرة فاحصة، وكأنه قرأ كل ما يدور بداخله دون أن ينطق بكلمة.
نزار (مبتسمًا بخفة):
– ملامحك يا مولاي تقول إنك عدت من معركة… لكنها ليست معركة سيوف، بل معركة قلب
جلس سليمان على المقعد، ومرر يده على جبينه كمن يحاول أن يزيح ما يثقل رأسه.
سليمان (بصوت متردد):
– تحدثت… حدثتني يا نزار. بَاحت لي بأسرارها، عن النار التي أحرقت بيتها، عن طفولتها التي لم تعيشها كأي طفلة في عمرها عن الظلم الذي تعرضت له… لقد أدهشتني قوتها، شجاعتها… جعلتني أشعر بالفخر.
(يصمت لحظة، ثم يتنهد)
لكنها… سألتني عن نفسي. سألتني من أكون حقًا. وكدت أن ينكشف كل ما أخفيه.
نزار (يميل نحوه بجدية):
– وهل أخبرتها؟
سليمان (يهز رأسه):
– لا… لم أستطع. شيء داخلي يمنعني، ليس خوفًا منها، بل خوفًا عليها. لكنها لم تدرك أني من الداخل أعيش صراعًا
وقف نزار أمامه، يداه خلف ظهره، وهو يتأمله بعين القائد والصديق:
نزار:
– صدقني يا مولاي… سيأتي اليوم الذي تبوح فيه بحقيقتك كاملة. لكنها الآن ليست اللحظة المناسبة. ما زالت أنت وهي في بداية الطريق، وصدقها معك علامة على أن قلبها بدأ يثق بك. فلا تفسد ذلك بالعجلة
ابتسم سليمان ابتسامة باهتة، ثم رفع نظره لنزار:
سليمان:
– ربما معك حق. لكنني بحاجة لشيء يثبت لي أن هذا القدر يسير في صالحي… أن الطريق أمامي ليس كله غموضًا سئمت من كل هذا الغموض الذي يحاوطني
ضحك نزار بخفة، وكأنه ادخر خبرًا لذلك الوقت:
نزار:
– إذن أبشرك… لقد وصلني للتو خبرٌ سيغير بعضًا من هذا الثقل الذي تحمله على عاتقك
(ينحني قليلًا نحوه)
الملك هاشم بن حماد ملك مملكة الفيروز أرسل دعوة رسمية لإقامة حفل كبير في قصره، دعوة احتفاء وتحالف جديد مع الملك فهد. تحالف يربط بين القوتين، ويجعل أي عدو يفكر ألف مرة قبل أن يقترب
رفع سليمان رأسه بسرعة، وكأن الشرارة أضاءت قلبه. كانت عينيه تتسعان مع كل كلمة، وابتسامة عريضة تكسو وجهه الذي أثقلته الهموم.
سليمان (بحماسة وارتياح):
– هاشم بن حماد؟ … والتحالف مع فهد! هذه نعمَة من السماء يا نزار! إن اتحدت المملكتان، فلن يكون لراجح ولا لبلال سبيل علينا... هاشم ملك مراوغ ويعرف كيف يتلاعب مع الاعداء وهذا التحالف سيجلب الكثير من الراحة والطمأنينه
نزار (بثقة):
– بالتأكيد… هذا التحالف ماهو الا خطوة للطمأنينة، ليس فقط لنا، بل لشعوب بأكملها تنتظر الأمان. وهذا سيعود على مملكتنا ايضا.
نهض سليمان، وقد بدت ملامحه أكثر إشراقًا من لحظة دخوله، وصوت ضحكته الخفيفة يملأ الغرفة:
سليمان:
– لم أشعر بهذا القدر من الانشراح منذ وقت طويل يانزار . ربما كانت كلمات غفران قد هزت قلبي، لكنها جعلتني أكثر إصرارًا على مواجهة كل ما هو آت. والآن… جاء هذا الخبر ليمنحني يقينًا أن الطريق الذي اخترته لم يذهب هباءً
اقترب نزار وربت على كتفه بقوة:
نزار:
– إذن، لنستعد للحفل يا صديقي. يبدو أن القادم سيحمل إلينا الكثير… وربما أسرارًا أخرى ستنكشف قريبًا.
ابتسم سليمان ابتسامة واسعة، وأومأ برأسه كمن وجد ما كان يبحث عنه منذ زمن، ثم غادر الغرفة وهو أكثر قوة وعزيمة مما سبق
"غضب في قصر اليمامة"
كان قصر اليمامة في تلك الليلة يضجّ بأصوات الحرس وهم يتجولون في الممرات، والحرّاس الشخصيون مصطفون عند أبواب قاعة الحكم. في الداخل، جلس الملك بلال على عرشٍ مزين بالذهب والعاج، لكنه بدا مشدود الملامح، وكأن شيئًا ثقيلاً يضغط على صدره.
دخل أحد رجاله مسرعًا، انحنى بعمق وقال:
المبعوث:
– مولاي… وصلنا خبر من قلب مملكة النور. خبر عن حفلٍ كبير سيُقام قريبًا في قصر الملك هاشم بن حماد، احتفاءً بتحالفه مع الملك فهد.
ارتفع حاجبا بلال، وانقبض فكه بشدة، ثم مال بجسده للأمام وهو يثبت نظره في المبعوث:
بلال (بغضب مكتوم):
– تحالف؟ بين هاشم وفهد؟! … أأصبح العالَم يسخر مني؟
(ينهض من على عرشه بخطوات سريعة ويضرب بعصاه أرض القاعة)
–كنت أعلم أن فهد لن يقف مكتوف الأيدي، لكن أن يمد يده لهاشم بن حماد… فهذا ما لم أتوقعه!
تقدّم أحد القادة العسكريين، محاولًا التخفيف من ثورة الملك:
القائد:
– مولاي، ربما يكون تحالفًا شكليًا لا أكثر، لإظهار القوة أمام الناس. التحالفات كثيرًا ما تُعقد وتتفكك.
دار بلال حول القاعة بخطواتٍ متوترة، ثم التفت فجأة:
بلال:
– يا لك من غبي ! فهد لم يكن ليتحالف مع هاشم إلا إذا كان يُدرك أنني أتهيأ لضربه. هذا تحالف موجّه ضدي أنا… وضد كل ما بنيته.
(يصمت قليلًا ثم يخفض صوته ببطء غامض)
–وراء هذا التحالف يد خفية… أنا أشم رائحة سليمان في كل ذلك.
ارتبك القائد، وتبادل النظرات مع بقية الحضور.
القائد:
– لكن يا مولاي… سليمان ما زال لغزًا، لا نعرف أين هو الآن ولا ماذا يخطط
اقترب بلال بخطوات بطيئة حتى صار أمام القائد مباشرة، وحدّق في عينيه:
بلال (بصوت حاد):
– سليمان ليس لغزًا انا أعرف إين هو الأن… لكنه اصبح خطر. وخطره يزداد كل يوم إن بقي حيًا سيهدم عرشي على رأسي، وسيتوّج نفسه فوق عروش الملوك مجددا لم اسمح بهذا ان يحدث
(يرفع صوته بغضبٍ عارم)
–أريدكم أن تبحثوا عنه، هو ونزار معه! لا أريد أيّ عذر… اقلبوا الأرض، اجعلوا عيونكم في كل مدينة وقرية، في الأسواق، على الطرقات، حتى داخل القصور وبالأخص قصر فهد في مملكة النور أريد أخبارًا عنهم قبل أن يُعلن الحفل! وارسله طلبا سريع بستدعاء راجح اريده أمامي اليوم قبل غد
انحنى القائد والجند بأجمعهم، أصواتهم ترتجف بالولاء:
الجميع:
– سمعًا وطاعة يا مولاي
جلس بلال من جديد على عرشه، لكن النار لم تهدأ في عينيه. أمسك بيديه مسندي العرش وضغط بقوة، ثم تمتم بصوتٍ غليظ يكاد يخرج من أعماق صدره:
بلال (لنفسه):
– فلتفرحوا بالتحالفات، فلتضحكوا في قصوركم… قريبًا ستدركون أن بلال لا يُهزم، وأن كل من يقف في وجهي سيُدفن تحت أقدامي.