رواية تاج في الظل - الفصل الرابع عشر - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: رواية تاج في الظل
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الرابع عشر

الفصل الرابع عشر

"كوخ العرافة مجددا" دفع سليمان باب الكوخ بهدوء، وقد بات يعرف رائحة البخور التي تعبق في المكان، وأصبح يدرك أن هذه المرأة ترى من خلف الدخان أكثر مما يظهر. لم يبدُ عليه الانبهار كما كان أول او ثاني مرة، بل جلس أمامها بعينين مثقلتين بالأسئلة. رفعت العرّافة بصرها نحوه، ابتسامة غامضة ارتسمت على وجهها، وقالت بصوت رخيم: العرّافة: – كنت أعلم أنك ستعود يا سليمان… لكنك هذه المرة لا تأتي بحثًا عن خطواتك القادمة فقط، بل تحمل في قلبك اكثر من سؤال وسؤالك المؤلح الأن هو عن غفران اليس كذلك؟ لم يندهش سليمان، لكنه أطرق رأسه للحظة، ثم رفع عينيه إليها وقال بجدية: سليمان: –أردت أن أعرف عنها الكثير… سألتُ فهد، لكنه لم يجبني. بل ظل يراوغني وكأن في صمته لغزًا لا يريد كشفه. ابتسمت العرّافة أكثر، ثم أشارت إلى المقعد أمامها: العرّافة: – ولهذا السبب أنت هنا الآن. اجلس يا سليمان… وسأقول لك أشياء، لكن تذكّر... بعض الحقائق يجب أن تعرفها منها هي، لا من لساني. جلس سليمان، يحاول أن يخفي توتره، لكنه لم يفلح. مد يديه أمامه كأنه يستعجلها: سليمان: – تكلمي… أريد أن أعرف. أغمضت العرّافة عينيها لبرهة، ثم قالت ببطء، وصوتها ينساب كأنه نبوءة: العرّافة: – تسأل عن تلك التي تحمل في قلبها نارًا أحرقت الظلم في بلدتها… لم تخف من سلطان جائر ولا من يدٍ باطشة. كثيرة هي القصص التي حُكيت عنها هناك، عن شجاعتها، وعن وقوفها بوجه من لا يجرؤ غيرها على مواجهته تلك الفتاة التي شغلت قلبك ليست عابرة سبيل كما تظن. في بلدتها وقفت وحدها بوجه الظلم، لم تنكسر رغم الفقر، لم ترهبها سطوة الجائرين. كانت سيفًا لغيرها حين صمت الجميع، وصوتًا حين اختنق الصوت في حناجر الخائفين وطعنات في قلوب الخائنين. قصتها ليست حكاية عادية… بل فصل من شجاعة ستلاحقك أينما ذهبت. شعر سليمان برجفة في صدره، صور غفران تمر أمام عينيه: ضحكتها، نظراتها، كلماتها البسيطة الصادقة. ثم همس: سليمان: – وكيف؟ اُريد معرفة المزيد؟ فتحت عينيها ونظرت إليه بثبات، ثم أجابت: العرّافة: – كما قلتُ لك… ليس كل شيء أرويه. بعض ما تبحث عنه ستجده حين تسمعه منها هي. هناك حقائق لا تنكشف إلا حين يبوح بها صاحبها صمت سليمان، لكن القلق والفضول ألهبا داخله، فانحنى بجسده وسألها بحدة: سليمان: – وماذا عن أعدائي؟ أشعر أن الخطر يقترب، ولا أرى وجوه من يتربصون بي. حرّكت العرّافة يدها فوق الجمر، فتصاعد الدخان بشكل غريب كأنه يرسم خطوطًا متشابكة وتغيرت ملامحها قليلا بمزيج من الحذر والقلق ثم قالت: العرّافة: – العدو لا يتحرك وحده. راجح… وبلال، ملك اليمامه او بالاحري ملك الانقلاب كلاهما وجد في الآخر سندًا لحقده. تحالف بينهما خُتم في الظلام، هدفه إسقاطك… وإسقاط فهد معك. شهق سليمان دون أن يقصد، قبضته أطبقت على المقعد بقوة، وقال بصوت يقطر غضبًا: سليمان: – راجح وبلال… ضدنا نحن الاثنين؟ إذن الخيانة تسري في العروق أسرع من الدم. هزت العرّافة رأسها ببطء، ثم أضافت محذرة: العرّافة: – احذر يا سليمان… ليس كل سهم يأتيك من بعيد. هناك طعنات تأتي من أقرب الدروب إليك، من حيث لا تراقب. بقي سليمان صامتًا لبرهة، أنفاسه متلاحقة، ثم تمتم وكأنه يناشدها: سليمان: – لقد كشفتِ الكثير… لكن لم تذكري أسمك بعد. من أنتِ ما هو اُسمُك؟" ابتسمت، وابتسامتها هذه المرة حملت شيئًا من الكبرياء والغموض معًا. مالت قليلًا للأمام، نظرت في عينيه مباشرة، ثم قالت بنبرة واضحة: العرّافة: – اسمي… كارمن. ظل الاسم يتردد داخله، كأنه نقش في قلبه. قام بعدها واقفًا، محملًا بمزيج من الغضب والفضول والقلق. وقبل أن يغادر، جاء صوتها كصدى بعيد: كارمن: – اذهب إليها يا سليمان… فبعض ما تبحث عنه لن تسمعه إلا من شفتيها. خرج من الكوخ وهو يجرّ وراءه أسئلة أثقل من التي دخل بها، لكن كلماتها عن غفران وعن التحالف الأسود بين راجح وبلال، جعلت قلبه يضج بترقب يشبه دقات طبول حرب تقترب. "قلق ينُهش القلوب" كان البيت هادئًا، إلا من همسات الريح التي تتسلل عبر النوافذ. جلست غفران عند النافذة الخشبية القديمة، تحدق في البعيد حيث تمتد الحقول، لكنها لم تكن تراها حقًا؛ كان عقلها مشغولًا وقلبها يخفق بلا سبب ظاهر. وضعت كفها على صدرها كأنها تحاول أن تُسكِت دقات قلبها المتسارعة، ثم همست لنفسها: غفران: – لماذا أشعر بهذا الانقباض؟ كأن شيئًا يقترب… كأن هناك سرًا يلتف حولي ولا أراه. دخلت سهام بهدوء وهي تحمل إناء ماء، نظرت إلى شقيقتها مطولًا ثم قالت بندهاش: سهام: – أراكِ شاردة منذ الصباح يا غفران. عيناكِ معلقتان بالفراغ، وكأنكِ تسمعين أصواتًا لا أسمعها. ابتسمت غفران بخفوت، لكن ابتسامتها سرعان ما انطفأت، وأجابت بصوت مضطرب: غفران: – لا أدري يا سهام… لكن قلبي يخبرني أن شيئًا يحدث الآن في مكان ما. ليس خوفًا تمامًا، بل إحساس غامض يضغط على صدري. وضعت سهام الإناء على الطاولة، وجلست بجانبها تمسك بيدها بحنان، وقالت ممازحة لتخفف عنها: سهام: – ألا يكفيك ما تحملينه من هموم؟ تريدين أن تكوني عرّافة أيضًا؟ ضحكت غفران ضحكة قصيرة، لكن عينيها ظلتا عالقتين في البعيد. ثم قالت بجدية: غفران: – إنه ليس همًا يا سهام… هناك شيء ما… نحو نصر الدين. انتفضت سهام بدهشة: سهام: – قائد الجنود؟ ما دخله بما تشعرين الأن؟ خفضت غفران عينيها، وترددت كلماتها وكأنها تخشى البوح: غفران: – لا أعلم… لكنه لا يغيب عن بالي. كلما تذكرت نظرته… صوته… كلماته… يزداد هذا الشعور في داخلي، كأن قلبي يتصل به من بعيد واليوم احسستُ بشعور مختلف. سكتت لحظة، ثم أكملت بصوت خافت: غفران: – كأن شيئًا يحدث له الآن، أو حوله. شيء لا أستطيع إدراكه… لكنه يخصه. نظرت إليها سهام مليًا، ثم تنهدت وقالت بنبرة تجمع بين المزاح والجدية: سهام: – إذن، إن كان قلبك يخبرك عنه… فربما عليكِ أن تصغي إليه أكثر من عقلك. لكن حذارِ يا غفران، فالعاطفة طريق صعب، لا يرحم من يسلكه بلا سلاح. لم ترد غفران، اكتفت بأن شبكت أصابعها ببعضها وهي تحدق في البعيد، بينما في أعماقها كانت صورة سليمان – أو "نصر الدين" كما تعرفه – تزداد وضوحًا، وصوته يتردد في مسامعها: هذا لم يشغلني… الغنى والفقر لا يحددان مكانة الإنسان في قلبي… حين أجلس معكِ، أشعر أني إنسان بسيط… انهمرت دمعة من عينها دون أن تشعر، مسحتها سريعًا قبل أن تراها سهام، لكنها لم تستطع أن تمنع قلبها من الخفقان بقوة أكبر، وكأن شيئًا مجهولًا في الأفق يقترب، سيغير كل شيء ولكنها ادركت للتو كلمة قالتها سهام جعلتها تنهض فجاة وتخرج من البيت وهي تتردد في عقلها... _تريدين ان تكوني عرافه إيضا؟ "بين القلق والقرار" بعد خروج سليمان من كوخ العرّافة، والخطوات ثقيلة كأن الأرض تثقل كاهله. كان صمت الغابة يلفه، تتساقط أشعة الشمس بين الأغصان الكثيفة، لكنها لم تمنح قلبه الدفء. توقفت قدماه قليلًا، رفع بصره نحو السماء وهمس لنفسه: سليمان (محدّثًا نفسه): – غفران… ما هذا الذي يحيطني بكِ؟ حتى كارمن تحدثت عنكِ… عن شجاعتكِ… وعن أسرار يعرفها فهد ولم يخبرني بها. لماذا؟ ماذا يخفي عني؟ ظل يسير ببطء، والعبارات التي سمعها من العرافة تتردد داخله: سألتَ فهد عنها ولم يجبك… ولهذا السبب أنت هنا الآن… اجلس يا سليمان… سأقول لك أشياء، لكن اعلم أن بعضها الآخر يجب أن تسمعه منها هي. شدّ قبضته وكأنّه يحاول أن يمسك بخيوط الحقيقة المتناثرة. جلس على حجرٍ ضخم عند أطراف الغابة، وعيناه تلمعان بين الغضب والحيرة. سليمان (بحزم): – لم أهرب من عرشي لأغرق في الغموض هذا. عليّ أن أعرف عنها… وعن كل ما يدور حولي. لا يحق لأحد أن ينسج الأسرار من حولي ويتركني في العتمة، حتى وإن كان فهد. اقترب منه نزار الذي كان ينتظره على بعد خطوات، وقد لمح القلق في وجه سيده، فسأله: نزار (بقلق): – مولاي… ماذا بك لماذا انت مهموم هكذا؟ ارتبك سليمان لوهلة ثم تمالك نفسه، فأجاب بصوت خافت: سليمان: – أتعلم يا نزار… هناك كلمات قليلة تستطيع أن تقلب قلب رجل بأكمله جلس نزار إلى جواره، وقال بثبات: نزار: – من هذا وماذا قالت لجعلك هكذا؟ سليمان: – انها عرافه قابلتها منذ يومان حديثها عن غفران… وعن ما يخفيه فهد بشأنها… وعن التحالف الذي يجمع بلالًا وراجحًا… جعلني أرى أن الطريق أمامنا أكثر وعورة عن مما توقعت. نزار (بأندهاش): –مولاي، نحن لا نخشى التحالفات ولا الأعداء، ما دمنا نعرفهم وجهًا لوجه. لكن ما يقلق هو ما تخفيه القلوب القريبة. إن كان الملك فهد يكتم عنك شيئًا… فلا بد أن تكتشف السبب بنفسك. أطرق سليمان رأسه، ثم رفع عينيه وفيهما بريق عزم: سليمان: – أجل، سأفعل. سأواجه فهد، وسأطالبه بالحقيقة. لا أريد أن أسمعها من العرافة أو من أي لسان آخر… أريد أن أسمعها منه هو. أما عن غفران… سكت لحظة، وكأن ذكر اسمها أثار في داخله مشاعر متشابكة، ثم أتمّ بصوت متهدج: سليمان: – فهي الجزء الذي أخشاه أكثر من أي عدو… لأنها وحدها قادرة أن تهز ما في قلبي. وضع نزار يده على كتفه، وقال بابتسامة حزينة: نزار: – إذن، يا مولاي، ربما لم تعد الحرب مع بلال وحده… بل حرب أخرى تسكن داخلك. لم يجب سليمان، بل نهض واقفًا، يحدق في الأفق، وقد بدا أن خطواته التالية ستُقرّب الحسم، سواء في ساحة القتال… أو في قلبه "مواجهة في قصر النور" عاد سليمان إلى القصر بخطوات مترددة، يُصاحبه نزار كأنّ كل حجر من جدرانه يهمس له بسرّ يخفيه. طلب لقاء الملك فهد على انفراد، فاستجاب الملك، وأمر بخلوّ القاعة من الحرس والوزراء. جلس فهد على كرسي خشبي بسيط في إحدى القاعات الجانبية، وأشار لسليمان بالاقتراب. فهد (بابتسامة هادئة): – وجهك متغير يا سليمان… كأنك عدت من معركة للتو. جلس سليمان أمامه، مترددًا، ثم قال بصوت منخفض يخالطه التوتر: سليمان: – نعم، عدت من معركة… لكن ليس بسيوف ولا دماء كنت عند عرافه اخبرتني بالكثير. ارتفعت حاجبا فهد قليلًا، لكنه لم يُظهر دهشة كبيرة، واكتفى بتنهيدة قصيرة: فهد: – أخبرتني ذات يوم أنك لا تميل إلى أحاديثهنّ… يبدو أن الحال تغيّر. سليمان (بحدة مكتومة): – هي لم تحدثني بأمور غيب… بل بأمور واقع تخفيه عني أنت يا فهد. ساد صمت ثقيل للحظة. كان صوت أنفاسهما يتردد بين جدران القاعة. ثم انحنى فهد قليلًا إلى الأمام، وقال بنبرة غامضة: فهد: – وأي أمور تلك التي تزعم أنني اُخفيها عنك؟ سليمان (بحزم): – غفران. ارتعشت ابتسامة غامضة على شفتي فهد، وأجاب بصوت بطيء: فهد: – آه… غفران. كنت أعلم أن الحديث سيقودك إليها يومًا. وقف سليمان من مكانه، عيناه تشعّان فضولًا وغضبًا في آن واحد: سليمان: – ما شأنك بها يا فهد؟ ولماذا كلما سألتك عنها تهربت؟ نهض فهد أيضًا، وسار بضع خطوات داخل القاعة، يضع يديه خلف ظهره، كأنّه يزن كلماته بعناية. فهد: – لأن هناك أمور يا سليمان، معرفتها قبل أوانها قد تكون لعنة أكثر من كونها هدية. أنت تعرف الشجاعة في عينيها، ورأيت صدقها، لكنك لم ترَ بعد. ما حملته حياتها قبل أن تصل إلى هنا. اقترب منه سليمان أكثر، وقال بحدة مكتومة: سليمان: – لقد قالت لي العرافة إنك تعرف الكثير عنها، أكثر مما أعرف أنا. وأنت تعلم أن قلبي… لم يعد يحتمل كل هذا الغموض. توقف فهد عن السير، التفت إليه بنظرة عميقة، وقال: فهد: – أأحببتها يا صديقي؟! قلبي يخبرني أنك تبحث عنها كما لو كانت مفتاحًا لخلاصك. لكن أتعلم؟… ليس كل الأبواب تُفتح بالمفتاح نفسه. سليمان (بصوت متوتر): – تكلّم بوضوح، يا فهد! من تكون غفران حقًا؟ هزّ فهد رأسه مبتسمًا ابتسامة غامضة، ثم اقترب ووضع يده على كتف سليمان: فهد: – إن كنت تريد أن تعرف حقيقتها… فلا تسألني أنا. اسألها هي. كلماتها وحدها ستمنحك ما تبحث عنه. ظل سليمان صامتًا، يشعر بأن قلبه يشتعل من الفضول أكثر مما يهدأ. تراجع خطوة للخلف وقال بصوت خافت ولكنه حاد... سليمان: – هي؟ … دائمًا هي، مثل ما قالته لي العرافه إيضا قالت لي ايضا ان راجح وبلال تحالفا ضدنا نحن الاثنان . أومأ فهد بعينيه كأنه يقرأ ما يدور بداخله، ثم أردف بهدوء عميق: فهد: – هذا صحيح ولكن قد أخفت العرافة نصف الحقيقة الأخرى. اتسعت عينا سليمان بدهشة ممزوجة بالغضب، فقال بحدة: سليمان: – وما هي الحقيقة الأخرى؟ لماذا أنا أخر من يعرف بالاشياء الآن؟ لكن فهد اكتفى بالصمت، وابتسامة غامضة عادت لشفتيه، قبل أن يلتفت ويغادر القاعة ببطء، تاركًا سليمان وسط دوامة من الأسئلة التي تضاعفت بدل أن تنقص "مواجهة غفران مع العرافة" كانت غفران تسير بخطوات مترددة، كأنها تُصارع ما بداخلها أكثر مما تُصارع الطريق الوعر أمامها. قلبها يضجّ بأسئلة لم تجد لها جوابًا، وكل لحظة يزداد يقينها أن تلك المرأة الغامضة – العرافة كارمن – تحمل شيئًا عنها وعن ذاك الرجل الذي يسكن وجدانها: نصر الدين كما تعرفه، سليمان كما تجهل. دفعت الباب الخشبي البالي للكوخ، فصرّ بأزيزٍ خافت. وما إن خطت داخلًا حتى التقت عيناها بعيني العرافة التي كانت جالسة في زاوية مظلمة، تترقبها بابتسامة هادئة كأنها كانت تعلم بقدومها. كارمن (بصوت منخفض عميق): – ها أنتِ أخيرًا… يا من تحملين قلبًا لا يعرف الهدوء. تجمدت غفران في مكانها، كأن الكلمات اخترقت أعماقها دون مقدمات. وضعت يدها على صدرها لا إراديًا وقالت بدهشة: غفران: – كيف… كيف عرفتِ بما في قلبي؟ لم أقل شيئًا بعد! ابتسمت كارمن، وأشارت لها بالجلوس على مقعد خشبي أمامها. كارمن: – القلوب يا ابنتي لا تحتاج أن تنطق لتُسمَع. وجهكِ يخبرني… وعيناكِ تفضحان ما تحاولين إنكاره. جلست غفران ببطء، يعلو وجهها مزيج من الفضول والخوف. نظرت إلى العرافة بعينين متوسلتين: غفران: – إن جئتُكِ اليوم… فلأجل رجل واحد. رجل كلما اقتربتُ منه ازداد غموضًا، وكلما ابتسم لي شعرت أن العالم يضيق ثم يتسع من جديد. لا أريد سوى أن يطمئن قلبي… أن لا افهم ما يخفيه عني ولكني اشعر بأن هناك سر عظيم . مالت كارمن للأمام، وضعت يديها النحيلتين على الطاولة الخشبية، وقالت بنبرة واثقة: كارمن: – أنتِ تتحدثين عن نصر الدين اليس كذلك. اتسعت عينا غفران بدهشة، ثم انحنت برأسها قليلًا وهمست: غفران: – نعم… هو نصر الدين. ماذا تعرفين عنه؟ ابتسمت كارمن، لكنها لم تُجب مباشرة، بل أغمضت عينيها للحظة، ثم قالت وكأنها تُلقي حُكمًا: كارمن: – هو رجل تحيطه الظلال… لكنه معكِ فقط، يصبح إنسانًا آخر. لم يرَ الناس شجاعتكِ في قريتكِ، ولا يعرفون كيف قاومتِ ظلمًا كاد يفتك بكِ. لكنه يراها… ويعرفها. قلبه اختاركِ لأنه وجد فيكِ ما لم يجده في غيرك. شهقت غفران وقد بدا الارتباك على وجهها: غفران: – أنا؟ لكنني مجرد فتاة فقيرة، لم أحلم يومًا أن يلتفت إلي رجل مثله… قائد بين الجنود، وصاحب هيبة وكلمة. رفعت كارمن يدها كأنها تقطع عليها تيار إنكارها، وقالت بحزم رقيق: كارمن: – الفقر والغنى… ليسا ما يربطان القلوب. هو يراكِ بما فيكِ، لا بما على ثوبكِ. لكن عليكِ أن تعلمي… سكتت قليلًا، جعلت قلب غفران يخفق أسرع، ثم أردفت بنبرة غامضة: كارمن: – هذا الرجل يحمل أكثر مما تظنين. سرٌّ عظيم لم يحن أوانه بعد لتعرفيه منه. ستسمعين منه بعضه… وستعرفين الباقي بنفسكِ تقدمت غفران قليلًا للأمام، وعيناها تتسعان برجاء: غفران: – أرجوكِ… قولي لي. أهو يحبني كما أشعر؟ أم أنني أُخدع بوهم؟ ابتسمت كارمن ابتسامة غامضة، وقالت: كارمن: – لو لم يكن قلبه معكِ… لما كنتِ هنا الآن. لكن تذكّري، لا تنتظري مني أن أضع لكِ كل الإجابات. بعض الحقائق لن تُطمئن قلبك إن لم تسمعيها من شفتيه هو. ارتبكت غفران، وغامت عيناها بدموع لم تذرفها بعد. ثم قالت بصوت خافت: غفران: – ولماذا قلبي منقبض؟ كأن شيئًا مظلمًا يقترب منه. حدقت كارمن في وجهها طويلًا، ثم قالت بنبرة عميقة: كارمن: – لأن السماء تُخبئ لكم أيامًا صعبة. هناك تحالفات تُحاك في الظل، ستطالكِ أنتِ أيضًا يا غفران. لكن لا تجزعي… فقلبكِ سيقودكِ إلى الطريق الصحيح فا انتِ لم تعرفي الخوف يوما منذ ان قابلتيه فانتِ في الأصل مقاتله شجاعه. ظلت غفران صامتة، تضع يدها على صدرها كأنها تُحاول تهدئة دقاته العنيفة. نهضت بعدها بتردد، وعيناها ما زالتا معلقتين بكارمن: غفران: – أشعر أنني خرجتُ أعرف أكثر… وأقلّ في الوقت نفسه. أومأت كارمن بابتسامة باردة: كارمن: – وهذا ما أردته لكِ… أن تبحثي بنفسكِ، لا أن تعيشي بما يُقال لكِ. خرجت غفران من الكوخ، والهواء العليل يلفح وجهها، لكنها لم تشعر بخفة… بل بثقل أكبر يزداد داخل صدرها. "بعد العودة إلي البيت" فتحت غفران باب البيت بخطوات مثقلة، كأن قدميها تحملان معها كل ما سمعته في كوخ العرافة. لم يكن المساء قد حلّ تمامًا بعد، لكن أشعة الشمس الأخيرة كانت تنسحب ببطء، تلون السماء بألوان الغروب الحزينة. دخلت إلى الغرفة الصغيرة حيث تجلس سهام منشغلة بترتيب بعض الثياب. رفعت سهام رأسها فورًا، ولاحظت الشرود على وجه شقيقتها، فتركت ما بيدها واقتربت منها. سهام (بقلق): – غفران… ما بكِ؟ وجهكِ شاحب وكأنكِ عدتِ من حرب لا من نزهة! جلست غفران على حافة السرير، وأسندت وجهها بين كفيها. صمتت لحظة، كأنها تخشى أن تبوح بما يثقل صدرها. ثم قالت بصوت خافت: غفران: – لم تكن نزهة… بل رحلة لم أجد فيها سوى مزيد من الأسئلة. جلست سهام بجانبها، وضعت يدها على كتفها برفق، وقالت بحنان: سهام: – أنتِ ذهبتِ إليها، أليس كذلك؟ إلى العرافة التي يتحدث عنها الجميع؟ رفعت غفران رأسها ببطء، نظرت إلى شقيقتها بعينين زجاجيتين وقالت: غفران: – نعم… كارمن. وكأنها رأت داخلي ما لم أجرؤ أن أقوله حتى لكِ. ابتسمت سهام ابتسامة صغيرة، تخفي قلقها: سهام: – وماذا قالت لكِ؟ هل طمأنت قلبكِ؟ ضحكت غفران ضحكة قصيرة مريرة، ثم تمتمت: غفران: – بل زادت قلقي. قالت إن قلبه معي، وإنني لست واهمة. لكنها تحدثت عن أسرار… وعن أشياء لم يخبرني بها. قالت إنني يجب أن أسمع الحقيقة من شفتيه هو… لا من أحد غيره. شددت سهام قبضتها على يد شقيقتها، وقالت بحزمٍ غير معتاد: سهام: – وهذا صحيح. إن كان يحبكِ، فسيخبركِ بنفسه، لا عبر كلمات غامضة من عرافة. لا تدعي أحدًا يزرع الشك بينكِ وبينه. هزّت غفران رأسها، لكنها لم تبدُ مطمئنة، وقالت بصوت مرتجف: غفران: – لكنها قالت شيئًا آخر يا سهام… شيئًا جعل قلبي ينقبض أكثر. حذرتني من أيام صعبة، ومن ظلال تقترب وتحالفات… قالت إنني قد أكون جزءًا مما يُحاك في الظل. شهقت سهام، ووضعت يدها على فمها: سهام: – ما معنى هذا؟ هل تقصد أن حياتكِ ستكون في خطر؟ أطرقت غفران برأسها، ثم أجابت: غفران: – لا أعلم… لكنها لمحت أن الطريق الذي اخترته لن يكون سهلًا. وأنا… لا أستطيع الهرب الآن. شيء ما بداخلي يقودني إليه… لا إلى غيره. ساد الصمت بينهما لحظات، لم يُسمع سوى أنفاسهما المتقطعة. ثم قامت سهام فجأة، وبدأت تُغطي النوافذ بستائر سميكة كأنها تخشى أن تتلصص العيون. سهام (بحزم): – اسمعيني يا غفران. إن كان قلبكِ اختاره، فتمسكي به. لكن كوني حذرة… فالعالم ليس كما نراه. الناس تُخفي وجوهها، وأحيانًا من نثق به يحمل سرًا لا نتصوره. فقط كوني قوية كما كنتِ دائمًا. رفعت غفران عينيها نحوها، وقد اغرورقت بالدموع، وقالت بصوت مبحوح: غفران: – أخشى يا سهام… أن يكون السر الذي يُخفيه أعظم مما أحتمل. اقتربت سهام واحتضنتها بقوة، وقالت: سهام: – إذن... تحمليه معًا… ولا تتركيه يواجهه وحده. في تلك اللحظة، شعرت غفران أن قلبها ما زال يترنح بين الخوف والأمل، لكنها أيقنت شيئًا واحدًا… أن القادم سيحمل لها اختبارًا لم تُواجهه من قبل "سليمان ونزار في قصر النور" كان الليل قد أرخى سدوله على قصر النور، والهدوء يسود أروقة المكان إلا من وقع خطوات الحرس وهم يبدّلون مواقعهم. في إحدى الشرفات العالية، جلس سليمان متكئًا على حاجز رخامي، يحدّق في البعيد حيث الغابة المظلمة تمتد كبحر من الظلال. كان ذهنه غارقًا في صدى كلمات كارمن، العرافة الغامضة، وصورتها وهي تكشف له ما أخفاه فهد عنه. دخل نزار بهدوء، وكأنه كان يتتبع أثر صاحبه. توقّف للحظة ينظر إليه، ثم تقدّم بخطوات ثابتة وقال: نزار بنبره مرحه: – أراك شارداً يا نصر الدين… أو أقول يا مولاي الملك سليمان؟ التفت إليه سليمان ببطء، ابتسامة متعبة تعلو وجهه. رفع سليمان رأسه ببطء، وبدا صوته مبحوحًا: سليمان: – مولاي؟ … لا مولاي ولا قائد، لا تقلها يا نزار، لستُ الآن سوى رجل يبحث عن الحقيقة، يبحث عن جواب يريّح قلبه. اقترب نزار وجلس بجانبه، ثم قال بحذر: نزار: – هل تقصد الملك فهد؟ أطرق سليمان بعينيه إلى الأرض، وقال بانكسار لم يعتده نزار سليمان: – ذهبت إليه مجددا… رجوتُه أن يحدّثني عنها، عن غفران. توقعت أن يُنهي حيرتي، أن يكشف لي شيئًا يُطفئ النار المشتعلة بداخلي. لكنه لم يفعل. دار حول كلماته، تحدث بغموض، وكأن الحقيقة سرّ أثمن من أن يُقال. نظر نزار إليه نظرة متفحصة، وقال: نزار: – الملك فهد رجل حكيم… ربما أراد أن يحميك ربما الحقيقه ساتزعجك اكثر ما ساتريحك. رفع سليمان رأسه فجأة، وصوته يحمل غضبًا دفينًا: سليمان: – يحميني؟ من ماذا؟ من قلبي؟ من امرأة لا أعرف سوى بضع شذرات عن ماضيها؟ كيف أقاتل أعدائي يا نزار وأنا عاجز أن أفهم أكثر عن من اقترب من روحي؟ حاول نزار تهدئته، فوضع يده على كتفه وقال بهدوء: نزار: – قد يكون الملك رأى أن الوقت لم يحن بعد. ربما هناك أسرار لو عرفتها الآن لانقلبت عليك. أحيانًا الحجب أرحم من الحقيقة. ابتسم سليمان بمرارة، وهزّ رأسه: سليمان: – لكنني لست طفلًا ليُخفى عني ما يُقلقني. أنا من يقود، ومن يُقاتل، ومن يقرر المصير. كيف أُمُنع من معرفة حقيقة امرأة دخلت حياتي بهذا الشكل؟ بدا نزار مترددًا في الإجابة، لكنه قال أخيرًا: نزار: – إذن ابحث بنفسك… اسمعها منها كما ترغب، وافتح قلبك لها. ربما ما تخشاه من الحقيقة ليس بقدر ما تتصوره. صمت سليمان، كأن كلمات نزار فتحت له نافذة صغيرة وسط جدار الحيرة، ثم تنهد طويلًا وقال: سليمان: – نعم… معك حق يا نزار، لن أكتفي بما يُلقى لي من كلمات مبعثرة. عليّ أن أسمعها من شفتيها هي. وحدها من تملك أن تريح قلبي أو تزيده اضطرابًا. منذ متي وأنا اكتفي بما يُملي علىّ وقف سليمان بعدها، وخطواته تتردد في البهو الفارغ، أما نزار فظل يراقبه بعينين يختلط فيهما القلق بالوفاء.