قلب الشجاعة - الفصل الثاني - بقلم سلسبيل ڨطاف - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: قلب الشجاعة
المؤلف / الكاتب: سلسبيل ڨطاف
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثاني

الفصل الثاني

الفصل الثاني: نهضت فيارا صباحًا على زقزقة العصافير المتعالية، وأشعة الشمس تقتحم غرفتها بأكملها. بقي صوت واحد يدور في رأسها، وهو أنها ستعرف كل شيء عن قريب. دخل والدها إلى الغرفة بهدوء، صامتًا كالظل، وقف بجانب الباب وبدأ يحدق بعينيه الهادئتين اللتين تشعّان حبًا وحنانًا لابنته، فقد كان يحبها حبًا جمًّا، لأنها ثمرة حب صادق بينه وبين أمها. قال: «صباح النور يا صغيرتي، عندي خبر سار لكِ». ردّت بصوت خافت: «صباح الخير يا أبي، وما هو الخبر؟» أجاب: «اليوم سنذهب مع العائلة إلى بيت جدك القديم». قالت: «لماذا يا أبي؟» ردّ: «سنقضي قرابة أسبوعين لتخفيف ضغط العمل والدراسة، وأيضًا لتخليد ذكرى جدك المتوفي رحمه الله». قالت: «وأبي، أين يقع بالضبط هذا المنزل؟» ردّ عليها: «بعيد جدًا، منعزل عن المدينة، يتوسط الجبال العالية والغابات الكثيفة، وستستمتعين بجمال اللوحة الفنية للمناظر الطبيعية». نظرت فيارا إلى أبيها بدهشة، وتكلمت بصوت يحمل هولًا وقلقًا: «أبي، إياك أن تمزح معي، هل أنت متأكد من صحة حديثك؟» أجاب بثقة: «نعم يا بنيتي، ولماذا؟» في تلك اللحظة تذكرت حلمها، وشعرت بإحساس يقول لها: وأخيرًا… أنتِ قادمة إليّ. ردّت بانفعال: «لن أذهب يا أبي». أجاب بحزم: «إن لم تذهبي، فلا تكلميني مرة أخرى، وهذا قراري الأخير. جهّزي نفسك، سنذهب في المساء». اضطرت فيارا إلى الموافقة دون نقاش. نادتها أمها على الإفطار، فنزلت من الدرج المنزلي وخطواتها تتثاقل مما ينتظرها في هذه الرحلة، وفي الوقت نفسه كان الفضول يقودها لعقد صفقة بين قلبها وعقلها لكشف الحقيقة. شرعت في تناول الفطور وهي شاردة الذهن، تحدث نفسها: هل الحلم مجرد صدفة، أم كان تحذيرًا؟ سألتها أمها: «ما بكِ يا صغيرتي؟» ردّت: «لا، لا يا أمي، أنا متعبة فقط». قالت: «اذهبي يا بنيتي، نامي قليلًا ثم جهّزي نفسك». عادت فيارا إلى غرفتها، ومعدتها تخز ألمًا غريبًا، كأن الحلم يتبعها. بدأت في تجهيز حقائبها، وأخذت كل ما يلزمها، وكأنها تستعد لمواجهة أصعب المعارك والتحديات في حياتها. وقفت لحظة أمام المرآة لتتفقد ملابسها، وقلبها يبحث عن إجابة لسؤالها: لماذا أشعر بأن شيئًا ما سيحدث؟ لكن عقلها قال: لا بد أن تكوني قوية. مع حلول المساء، ركبت فيارا السيارة بجانب النافذة، ومشاعرها متضاربة، كأن شخصين يتصارعان داخلها. غادرت السيارة المدينة مع أول غروب للشمس، كان الطريق طويلًا وترابيًا، يسوده الصمت، تحيط به أشجار طويلة سوداء، أغصانها متشابكة كأصابع ميتة. في لحظة غير متوقعة، لمحت فيارا بين الضباب نفس البيت القديم الرمادي اللون الذي رأته سابقًا في حلمها. أغمضت عينيها بسرعة، ثم فتحتهما، ولم ترَ شيئًا. حاولت تهدئة نفسها بأنها مجرد تخيلات ناتجة عن تعب الرحلة. لتغيّر مزاجها، سألت والدها: «أبي، هل سلكت هذا الطريق من قبل؟» ردّ: «نعم يا بنيتي، لكن منذ زمن طويل». قالت: «أشعر أنني أعرف هذا المكان، كأنني أنتمي إليه». أجاب الأب بقلق: «ربما العاطفة تسبق العقل». بعد ساعات من السير، توقفت السيارة فجأة. انتاب الجميع الخوف وتسلل إلى قلوبهم. لكن الأب تحلّى بالصبر ونزل ليتفقد ما حدث لها. بدأ قلب فيارا بالخفقان، وهمست هواجس في عقلها، كأن أحدًا يكلمها ويقول: «وأخيرًا أتيتِ بقدميك إلينا… نحن ننتظرك منذ زمن.» بعدها ناداها والدها: «فيارا، تعالي، أمسكي المصباح لأصلح العطل.» نزلت من السيارة، وجسدها يرتجف بأكمله. أمسكت الضوء وسط الظلام الدامس. وبعد دقائق، سمعت صوتًا نابعا من قلب الغابة. لم يكن واضحًا، لا كلمة ولا نبرة، مجرد همس غريب متكسّر، كأنه يخرج من بين أعماق الأشجار نفسها. توقفت فجأة، وشعرت بأن الهواء ازداد ثِقلًا، وأن صدرها لم يعد يتسع لأنفاسها. قالت بصوت مرتعش: «أبي… أنا خائفة.» ساد صمت قصير، صمت ثقيل، قبل أن يأتيها صوته هادئًا يحاول طمأنتها: «حسنًا يا ابنتي، لقد أصلحت المشكلة.» لكن قلبها لم يهدأ، فالصوت لم يختفِ، بل تراجع فقط، وكأنه انسحب إلى أعماق الغابة منتظرًا. ركبت فيارا السيارة مع أبيها، وجلست بجانب النافذة، وما زال شعور غامض ينساب داخلها ويضغط على صدرها. أغلقت الباب خلفها، ومع انطلاق السيارة من جديد، قال والدها بنبرة حازمة: «مهما سمعتِ أي صوت… لا تلتفتي.» سارت السيارة وسط الطريق الصامت، والظلام يبتلع كل شيء خلفهم. وبعد وقت طويل، بدأ الأفق يتغير، وأشرقت الشمس، وبدأ يلوح البيت من بعيد. ابتسم الأب وقال: «أخيرًا… بعد معاناة، وصلنا.»