الفصل 4
باب الناسك وابن عرس
قال الملك للفيلسوف: قد سمعت هذا المثل فاضرب لي إن رأيت مثل العجول في أمره العامل بغير تثبيت ولا روية.
قال بيدبا الفيلسوف: من لم يكن في أمره متثبتاً لم يبرح نادماً. ومن امثال ذلك مثل الناسك وابن عرس.
قال الملك: وكيف كان ذلك؟
قال الفيلسوف: زعموا أنه كان بأرض جرجان ناسك، وكانت له امرأة لبثت عنده زماناً لا تحمل، ثم حملت فاستبشر الناسك بذلك وقال لها: أبشري فإني أرجو أن تلدي غلاماً ويكون لنا فيه متعة وقرة عين، وأنا متقدم في التماس الظؤورة ومتخيّرٌ من الأسماء اسماً حسنا.
قالت المرأة: أيها الرجل من علّمك أن تتكلم فيما لا تدري؟ ومن يعلم أيكون المولود ذكراً أم لا؟ اسكت عن هذا وارض بما الله قاسم لك، فإن الرجل العاقل لا يتكلم فيما لا يدري. فمن تكلم بما لا يدري وقضى على الأمر في نفسه بالتقدير أصابه ما أصاب الناسك المهريق على رأسه السمن والعسل.
قال الناسك: وكيف كان ذلك؟
الناسك وجرة السمن
قالت المرأة: زعموا أن ناسكاً كان يجري عليه من بين رجل من التجار رزق من السمن والعسل والسويق. وكان يُبقي من ذلك السمن والعسل فيجعلهما في كوز له قد علّقه حتى امتلأ الكوز من ذلك. ووافق غلاء في السمن والعسل فقال: “أنا بائع ما في هذه الجرة بدينار أقل ما أنا بائعه فأشتري بالدينار عشرة أعنز فيحملن ويلدن لخمسة أشهر”. فحزر على هذا الحساب لخمس سنين فوجد ذلك أكثر من أربعمائة عنز في حسابه، ثم قال: “فاشتري مئة من البقر بكل أربعة أعنز ثوراً وبقرة فأصيب بذراً فأزرع على الثيران وأنتفع ببطون الإناث وألبانها. فلا يأتي علي خمس سنين، إلا وقد أصبت منها ومن الزرع مالاً كثيراً، فأبتني بيتاً فاخراً وأشتري عبيداً ورياشاً ومتاعاً. فإذا فرغت من ذلك تزوجت من امرأة ذات حسب ونسب. ثم تلد لي ابناً سوياً مباركاً مصلحاً فأسميه بما فيه وأؤدبه أدباً حسناً، وأشد عليه في الأدب. فإن رأيته عقوقاً مهتبلاً ضربت رأسه بهذا العصاة هكذا”. ورفع العصا يشير بها فأصابت الكوز فانكسر وانصبّ السمن والعسل على رأسه، وذهب تدبيره وكل أمانيه باطلاً.
وإنما ضربت لك هذا المثل لتنتهي عن التكلم فيما لا تدري، وما لا يوافق القدر، فاتّعظ بما اتعظ الناسك.
ثم إن المرأة ولدت غلاماً سوياً فسرّ به أبوه، حتى إذا كان بعد أيام قالت المرأة لزوجها: اقعد عند الصبي حتى أغتسل وأرجع إليك. فانطلقت المرأة ولم يقعد الرجل إلا قليلاً حتى جاء رسول السلطان فذهب به ولم ابنه أحداً، إلا أنه قد كان له ابن عرس داجن عنده يقوم عليه قيام الرجل على ولده. فتركه الرجل عنده وذهب إلى السلطان. وكان في بيته جحر أسود فخرج الأسود يريد الغلام فوثب عليه ابن عرس فقطعه. وأقبل الناسك عند انصرافه حتى أتى بيته، فدخله فتلقاه ابن عرس كالمبشّر له بما صنع. فلما نظر إليه الناسك متلطّخاً بالدم سلب عقله ولم يلبث ولم يتبين، وضرب ابن عرس ضربة على رأسه بعصاه فوقع منها ميتاً. ودخل الناسك بيته فرأى الغلام والأسود مقطعاً فعرف الأمر وأقبل على رأسه نتفاً وعلى صدره ضرباً وجعل يقول: ليت هذا الغلام لم يولد ولم أنل هذا الغدر والكفر. فدخلت المرأة وهو يبكي فقالت له: ما يبكيك؟ وما شأن هذا الأسود وابن عرس مقتولين؟ فأخبرها خبرها وقال: هذه ثمرة العجلة.
فهذا مثل من عمل عملاً بغير تثبّت ولا روية في أمره.
باب السّنّور والجرذ
قال الملك: قد فهمت مثل من يعجّل بالأمر ولا يعمل بالتثبت، فاضرب إن رأيت مثل رجل كثر أعداؤه فأحدقوا به من كل جانب وأشفى على الهلكة فالتمس النجاة بموالاة بعض العدوّ ومصالحته فسلم مما تخوّف ووفى لمن صالحه منهم. فأخبرني عن موضع الصلح وكيف يُلتمس ذلك.
قال الفيلسوف: إن العداوة والولاء والمودة والبغض ليس كلها تثبت وتدوم. وكثير من المودة تتحول بغضاً، وكثير من البغض يتحول مودة. ولهذا حوادث وعلل وتجارب. وذو الرأي يجد لكل ما حدث من ذلك رأياً جديداً، فمن قبل العدو بالبأس وأما من قبل الصديق فبالاستئناس. فلا يمنعنّ ذا العقل عداوة كانت في نفسه لعدوه من مقاربته والتماس ما عنده إذا طمع فيه لدفع مخوف أو جرّ مرغوب. ولا يقصّر في الرأي في إحداث المواصلة والموادعة. ومن أبصر ذلك الرأي وأخذ فيه بالحزم ظفر بحاجته. ومن أمثال ذلك السنور والجرذ اللذان اصطلحا لما وقعا في ورطة شديدة فكان في ذلك صلاحهما جميعا ونجاتهما.
قال الملك: وكيف كان ذلك؟
قال بيدبا الفيلسوف: زعموا أنه كان بمكان كذا وكذا شجرة من الدوح في أصلها جحر لسنور يقال له روميّ وجحرٌ لجرذ يقال له فريدون. وكان الصيادون ربما التمسوا صيد الوحوش والطير قرب تلك الشجرة. وإن صياداً نصب حبائل له فوقع فيها الرومي وخرج الجرذ ليبتغي ما يأكل وهو مع ذلك حذر يتلفّت وينظر. فلما رأى السنور مقتنصاً في الحبال فرح. ثم التفت خلفه فأبصر ابن عرس قد تبعه وكمن له. ونظر فوقه فإذا بومة على شجرة ترصده. فخاف إن انصرف عاجلاً راجعاً أن يثب عليه ابن عرس، وإن ذهب يميناً أو شمالاً أن تختطفه البومة، وإن تقدم فالسنور أمامه. فقال: هذا بلاء قد كنفني وأشرار تظاهروا عليّ ولا مفزع إلا إلى عقلي وحيلتي فلا يكونن من شأني الدهش ولا يذهبنّ قلبي شعاعاً، فإن العاقل لا يتفرّق رأيه ولا يعزب عنه عقله على حال وإنما عقول ذوي الألباب كالبحر الذي لا يدرك غوره ولا يبلغ البلاء من ذي الرأي مجهود عقله فيهلكه ولا ينبغي له أن يبلغ رجاؤه مبلغاً يبطره ويسكره ويغشي أمره. ثم قال: لا حيلة أقرب من التماس صلح السنور، فإن السنور قد نزل به بلاء، ولعلي أقدر على خلاصه، ولعله إن سمع مني ما أكلمه من الكلام الصحيح الصادق الذي لا خداع فيه وفهمه عني وطمع في معونتي يكون لي وله في ذلك خلاص.
ثم دنا من السنور فقال: كيف حالك؟
قال السنور: كما تحب أن تراني في الضنك والضيق.
قال الجرذ في نفسه: والله لا أكتمنّه شيئاً مما في فكري. ثم قال له: لعمري إن كنت سابقاً أسرّ بما يسوؤك وأعد كل ضيق عليك سعة لي، ولكني اليوم قد شاركتك في البلاء. فلا أرجو لنفسي خلاصاً إلا بالأمر الذي أرجو لك به الخلاص، فذلك الذي عطفني عليك، وستعرف مقالتي أنه ليس فيها كذب ولا مخادعة. قد ترى مكان ابن عرس كامناً لي، ومكان البومة تريد اختطافي وكلاهما لي ولك عدوّ وهما يخافانك ويتّقيانك. فإن أنت جعلت لي إن أنا دنوت منك أن تؤمنني فأنجو بذلك منهما، فأنا قاطع حبائلك ومخلصك مما أنت فيه. فاطمئن إلى ما ذكرت لك وثق به مني فإنه ليس أحد أبعد إلى الخير من اثنين منزلتهما واحدة وصفتهما مختلفة، أحدهما ممن لا يثق به أحد والآخر ممن لا يثق بأحد. ولك الوفاء عندي بما جعلت لك من نفسي فاقبل مني واسترسل إليّ ولا تؤخر، فإن العاقل لا يؤخر عمله. ولتطب نفسك ببقائي كما طابت نفسي ببقائك فإن كل واحد منا ينجو بصاحبه كالسفينة والركاب في البحر. فالسفينة تخرج الركاب من البحر وبهم تخرج السفينة إلى البر.
فلما سمع السنور مقالت الجرذ عرف أنه صادق وسرّه ذلك وقال للجرذ: أرى قولك شبيهاً بالحق والصدق وأنا راغب في هذا الصلح الذي أرجو به لنفسي ولك الخلاص. ثم سأشكر لك ما بقيت وأجازيك به أحسن الجزاء.
قال الجرذ: فإذا دنوت منك فلير ابن عرس والبومة ما يعرفان به صلحنا فينصرفان آئسين وأقبل على قرض حبائلك.
فلما دنا الجرذ من السنور واستبطأه هذا في قرض رباطه قال: ما لك لا تجدّ في قطع رباطي؟ فإن كنت حين ظفرت بحاجتك عدلت عما كنت عليه وتوانيت في حاجتي فليس هذا للكريم بخليق أن يتوانى في حاجة صاحبه إذا استمكن من حاجة نفسه. وقد كان لك في عاجل مودتي من النفع والاستنقاذ من الهلكة ما قد رأيت، وأنت حقيق أن تكافئني ولا تذكر عداوة كانت بيني وبينك. والكريم حقيق أن تنسيه الخلة الواحدة من الإحسان الخلال الكثيرة من الإساءة. وأعجل العقوبة عقوبة الغدر واليمين الكاذبة. ومن إذا تضرّع إليه وسُئل العفو لم يعف ولم يغفر فقد غدر.
قال الجرذ: الصديق صديقان: طائع ومضطرّ وكلاهما يلتمس المنافع ويحترس من المضار. فأما الطائع منهما فاسترسل إليه واعمل له على كل حال. وأما المضطر فإن له حالات يسترسل إليه فيها وحالات يتقى فيها فلا يزال يرتهن منه بعض حاجته ببعض ما قد يتقي ويخاف. وليس عامة التواصل والتحابّ بين الخلق إلا لالتماس عاجل النفع أو موجوه. وأنا واف لك بما وعدتك ومحترس في ذلك من أن يصيبني مثل ما ألجأني إلى صلحك. فإنّ لكل عمل حيناً وما لم يكن في حينه فلا عاقبة له، وأنا قاطع حبائلك لحينها غير أني تارك عقدة أرتهنها منك فلا أقطعها إلا في الساعة التي أعلم أنك عني فيها مشغول.
ففعل كما قال وقرض حبائل السنور. وبينما هو كذلك إذ رأى بالصياد قد أقبل من بعيد، فقال الجرذ: الآن جاء موضع الجد في قطع حبائلك. فجهد الجرذ نفسه في القرض، فما كاد ينتهي من العمل حتى وثب السنور إلى الشجرة فصعدها، وانجحر الجرذ في غفلة. فلما وصل الصياد وجد حبائله مقطوعة فانصرف خائباً.
ثم خرج الجرذ من بعد ذلك من جحره فرأى السنور من بعيد فكره أن يدنو منه فناداه السنور: أيها الصديق ذا البلاء الحسن ما يمنعك من الدنو مني لأجزيك بأحسن ما أبليتني؟ هلمّ إلي ولا تقطع إخائي فإنه من اتخذ صديقاً وأضاع صداقته حرم ثمرة الإخاء وأئس من نفعه الإخوان. وإن لك عندي اليد التي لا تنسى. فأنت جدير أن تلتمس مكافأة مني ومن أصدقائي فلا تخافنّ مني شيئاً. واعلم أن ما قبلي لك مبذول.
ثم حلف واجتهد على أن يثبت عنده صدقه بما قال فأجابه الجرذ: إنه ربّ عداوة باطنة ظاهرها صداقة وهي أشد ضررا من العداوة الظاهرة. ومن لم يحترس منها وقع موقع الرجل الذي يركب ناب الفيل ويقتله. وإنما سمي الصديق صديقاً لما يُرجى من نفعه والعدو عدواً لما يخاف من ضره. فإن العاقل إذا راجا العدوّ أظهر له الصداقة، وإذا خاف ضرّ الصديق أظهر له العداوة. أو لا ترى تبايع البهائم إنما تتبع أمهاتها رجاءً لألبانها، فإذا انقطع ذلك انصرفت عنها. وكما أن السحاب يتهيّأ ساعة وينقطع أخرى ويقطر ساعة ويمسك أخرى، كذلك العاقل يتلوّن مع متلوّنات الأمور على اختلاف الحالات بين الإخوان والأصحاب، فينبسط مرة وينقبض أخرى، ويتجلّد مرة ويستنكر أخرى. وربما قطع الصديق عن صديق ما كان يصله به فلا يخاف شره لأن أصل أمره لم يكن عداوة. فأما من كان أصر أمره عداوة ثم أحدث صداقة لحاجة حملته على ذلك فإنه إذا ذهب الأمر الذي أحدث ذلك صار إلى أصل أمره كالماء الذي يسخّن بالنار، فإذا رفع عنها عاد بارداً. ولا عدوّ أضر لي من عداوة مثلك بعد أن كان بيننا من الود والصفاء ما قد كان، وبعد ائتلافنا واسترسال بعضنا إلى بعض. وقد اضطرّني وإياك حاجة أجدت كل واحد منا إلى صاحبه ما أجدتنا من المصالحة. فقد ذهب الامر الذي احتجت إليّ فيه واحتجت إليك فيه فأخاف مع ذهابه عود العداوة. ولا خير للضعيف في قرب العدو القوي ولا للذليل في قرب العدو العزيز، ولا أعلم لك حاجة إليّ إلا أن تريد أكلي ولا أرى لك الثقة بي. فإني قد علمت أن العدو الضعيف أقرب إلى أن يسلم من العدو القوي إذا احترس منه ولم يغترر به من القويّ إذا اغترّ بالعدو الضعيف واسترسل إليه. والعاقل يصانع عدوّه إذا اضطرّ إليه ويظهر له ودّه ويريد من نفسه الاسترسال إليه، إذا لم يجد من ذلك بداً، ويعجّل الانصراف عنه إذا وجد إلى ذلك سبيلاً. واعلم أن صريع الاسترسال لا يكاد تستقيل صرعته والعاقل يفي لمن صالح بما جعل له ولا يثق لنفسه بمثل ذلك من أحد ولا يؤثر على البعد من عدوه ما استطاع. فالبعد لك من الصياد والبعد لي منك أحزم الرأي. وأنا أودك من بعيد وعليك أن تجزيني بمثل ذلك إن رأيت ولا سبيل إلى اجتماعنا.
فهذا باب مبصر فرصته في مصالحة عدوّه والأخذ بالاحتراس منه.
باب القرد والغيلم
قال الملك للفيلسوف: قد سمعت مثل الرجل المغترّ بالعدوّ والأريب المبدي التضرع والملق يريد بهما المكر والخديعة وما أصابه، فاضرب لي إن رأيت مثل الرجل الذي يطلب الحاجة حتى إذا ظفر بها أضاعها.
قال الفيلسوف: إن إصابة الحاجة أهون من الاحتفاظ بها. ومن ظفر بأمر لم يحسن الاحتفاظ به أضاع ما أصاب، كالغيلم الذي طلب قلب القرد فلما استمكن منه أضاعه.
قال الملك: وكيف كان ذلك؟
قال الفيلسوف: زعموا أن جماعة من القرود كان لها ملك يقال له قاردين، فطال عمهر حتى أنحله الهرم. فوثب عليه قرد شاب من شبان رهطه فقال: قد هرم هذا وليس يقوى على الملك ولا يصلح له. ووافقه على ذلك جنده فنفوا الهرم عن ملكهم وملّكوا الشاب. فانطلق الهرم حتى لحق بالساحل فانتهى إلى شجرة من تين نابتة على حافة البحر، فجعل يأكل من تينها، فسقطت من يده تينة في الماء وفي الماء غيلم، وهو السلحفاة الذكر، عند مسقط التينة فأخذها وأكلها. ولما سمع القرد للتين وقعاً في الماء أعجبه ذلك فأولع بإلقاء التين في الماء. وجعل الغيلم يأخذه فيأكله ولا يشك أن القرد إنما يطرح ذلك التين من أجله. فخرج الغيلم إلى القرد فتصافحا وتصافيا وتصادقا وألف كلّ واحد منهما صاحبه. فلبثا زماناً لا ينصرف الغيلم إلى أهله فحزنت زوجته لغيبته، وشكت ذلك إلى جارة لها، قالت: قد خفت أن يكون عرض له عارض شرّ.
قالت لها صديقتها: لا تحزني فإنه قد بلغني أن زوجك بالساحل مع قرد أليفة. فهما يأكلان ويشربان جميعاً، قد ألهاهما الأمر، فلذلك طالت غيبته عنك فانسَيه ولا يهن عليك إذ هنت عليه، وإن استطعت أن تحتالي للقرد فتهلكيه فافعلي، فإن القرد إذ هلك أقام عندك زوجك.
فأسحتَت زوجة الغيلم لونها وضعّفت نفسها حتى أصابتها نهكة شديدة وهزال. ثم إن الغيلم اشتاق إلى أهله فقال بعد حين: لألمّنّ بأهلي فقد طالت غيبتي. فأتى منزله فوجد زوجته سيئة الحال. فقال: يا حبّ كيف أنت ومال أراك منهوكة؟ فلم تجبه. فأعاد عليها المسألة فأجابت عنها جارتها فقالت: ما أشد حال زوجتك! أمّا مرضها فشديد، وأما دواؤها فعزيز الوجود. فهل لشدة الداء وعدم الدواء إلا الموت. فقال الغيلم: أخبريني بالدواء لعلي ألتمسه حيث كان. قالت الجارة: هذا المرض نحن معشر الغيلم أعلم به وليس له دواء إلا أن يؤخذ له قلب قرد فيُداوا به.
قال الغيلم في نفسه: هذا امر عسير، من أين أقدر على قلب قرد إلا قلب صديقي. أفأغدر به وإثم الغدر شديد. ولكن أليس هلاك الزوجة أشد من ذلك؟ فكيف أهلك زوجتي وهذا أمر لا عذر لي فيه. ثم قال: إذا لم يستطع الرجل عظيماً إلا باحتمال صغير كان حقيقاً أن لا يلتفت إلى الصغير، وحتى الزوجة عظيم لأنها عون على أمور الدنيا والآخرة، وأنا حقيق أن أوثرها ولا أضيع حقها.
ثم غدا نحو القرد في نفسه ما يريد به وهو هاجس يقول: إن إهلاكي أخاً وفياً وصولاً بلا سبب لمن الأمور التي يُخاف عواقبها. ولما عاد إلى الساحل ورآه القرد حيّاه وقال له: ما حبسك يا أخي عني هذه المدة؟
قال الغيلم: إن مما بطّأني عنك مع شوقي إليك الحياء منك والاحتشام لقلة مكافأتي إياك لحسن بلائك عندي ومعروفك إليّ. فإني وإن كنت قد عرفت أنك لا تلتمس مني جزاء لمعروفك فإني مع ذلك قد أرى حقا عليّ التماس مكافأتك. فأما أنت فإن خلقك خلق الكرام الذين ينيلون الخير من لم ينلهم إياه فيما مضى ولا يرجونه فيما بقي، الذين لا يمنّون بمعروف أدوه ولا يستكثرون جزاءً جزوا به، الذين يسرعون إلى معونة المحتاج.
فقال القرد: لا تقولن لي هذا ولا تحتشمنّ مني. فإنت أنت الذي جمعت فيما بيني وبينك الأمرين جميعاً وابتدأت بما يجب لك به المكافأة. ألم أسقط إليك من قومي طريداً شريداً وحيداً فكنت لي سكناً وإلفاً أذهب الله بك عني الهمّ والحزن؟
قال الغيلم: إن أموراً ثلاثة يزداد بها لطف ما بين الإخوان واسترسال بعضهم إلى بعض، وهي أفضل ما يلتمسه المرء من أخلائه، وهي أن يغشوا منزله وينالوا من طعامه وشرابه ويعرفوا أهله وولده وجيرانه. ولم يجر بيني وبينك من ذلك شيء، وقد أحببت أن تتمّ بها إحسانك إليّ وتشرّف منزلي.
قال القرد: إنما ينبغي للصديق أن يلتمس من صديقه ذات نفسه ومودته. فأما الزيارة والنظر إلى الأهل والحشم والمؤاكلة فليس تحتها كبير أمر.
قال الغيلم: قد صدقت. لعمري ما يلتمس الصديق من صديقه إلا المودة. فأما من كان يلتمس منافع الدنيا فهو حقيق أن ينقطع ما بينه وبين إخوانه. وقد كان يقال: لا تكثّرنّ الرجل على إخوانه حمل المؤونات حتى يؤذيهم ويبرمهم. فإنّ عجل البقرة إذا كثر مصه ضرعها وإفراطه أوشكت أن تصرفه وتنفيه. ولم أذكر ما ذكرت إلا لكوني أعرف منك الكرم والسعة في الخلق. وبهذا قد أحببت أن تزورني في منزلي. فإني في جزيرة كثيرة الشجر طيبة الفواكه، فأسعفني بطلبتي واركب ظهري لتنطلق إلى منزلي.
فرغت القرد الذهاب معه لما ذكره من الفواكه، وتابع الغيلم على ما سأل وركب ظهره وسبح به الغيلم، حتى إذا لجّ به عرض في نفسه قبح ما يريد به وفجوره وغدره، ووقف مفكّراً يقول في نفسه: إن الأمر الذي هممت به كفر وغدر، وما الإناث أهل أن يرتكب لهن الغدر واللؤم، فإنهن لا يوثق بهن ولا يسترسل إليهن.
وقد قيل: إن الذهب يعرف بالنار، وأمانة الرجل تعرف بالأخذ والإعطاء، وقوة الدواب الحمل، والنساء يعرفن بكيدهن وكثرة حيلهن.
قال القرد: ما لك لا تسير؟
قال الغيلم: أفكّر في زوجتي وقد بلغني أنها مريضة. وذلك يمنعني من كثير مما أريد أن أبلغه من كرامتك وملاطفتك.
قال القرد: إن الذي أعرف من حرصك على كرامتي يكفيك مؤونة التكلف.
قال الغيلم: أجل، ومضى بالقرد ساعة، ثم توقف به ثانية.
فلما رأى القرد احتباس الغيلم، وأنه لا يسبح ارتاب وقال في نفسه: إن لوقوف الغيلم وانتظاره سببا، فما يؤمنّني أن يكون قلبه قد تقلب وتغير لي فازداد به سوءاً. فقد علمت أنه لا شيء أحدّ من القلب ولا أسرع تغيراً وتقلباً منه. لا يغفلنّ العاقل عن التماس ما في نفس أهله وولده وإخوانه وصديقه عند كل أمر، وفي كل لحظة وكلمة وعند القيام والقعود. وعلى كل حال فإن ذلك كله شاهد على ما في القلوب. ثم قال للغيلم: ما يحبسك وما لي أراك كأنك مهتم؟
قال الغيلم: تهمني أنك تأتي منزلي فلا توافق كل أمري كما تشتهي لأن زوجتي شديدة الوجع.
قال القرد: لا تهتمّنّ فإن الهم لا يغني شيئاً، والتمس لزوجتك الأدوية والأطباء. فإنه كان يقال: ليبذل ذو المال ماله في ثلاثة مواضع: في الصدقة إن أراد أجر الآخرة، وفي مصانعة السلطان إن أراد المنزلة الدنيا، وفي الأهل والأزواج لا سيما إذا كنّ صالحات.
قال الغيلم: صدقت، وقد زعم الأطباء أنه لا دواء لها إلا قلب قرد.
قال القرد في نفسه: واسوأتاه لقد أورطني الحرص على كبر السن شرّ مورط! لقد صدق الذي قال: القانع الراضي يبيت آمناً مطمئناً مستريحاً مريحاً، وذو الحرص والشره يعيش ما عاش في تعب ونصب وخوف. وإني لقد احتجت إلى عقلي في التماس المخرج مما وقعت فيه، ثم قال للغيلم: ما منعك يا خليلي إذ علمت هذا أن تكون أخبرتني به عند نزولي حتى كنت حملت قلبي معي؟
قال: وأين قلبك؟
قال: خلّفته في الشجرة مكاني.
قال: وما حملك على ذلك؟
قال: سنة فينا معاشر القرود إذا خرجنا لزيارة أصدقاء خلّفنا قلوبنا لطرح الظنة عنا. فإن شئت فارجع بي إلى الشجرة لآتيك به.
ففرح الغيلم بطيب نفس القرد له عن قلبه، وانقلب به راجعاً محثّاً، حتى إذا بلغ الساحل وثب القرد إلى الأرض فسعى إلى الشجرة فرقيها. ولبث الغيلم ساعة فلما بطأ عليه ناداه: أعجل يا أخي احمل قلبك وانزل فقد حبستني.
قال القرد: أراك تظن أني كالحمار الذي زعم ابن آوى أنه لم يكن له قلب ولا أذنان؟ قال الغيلم: وكيف كان ذلك؟
ابن آوى والأسد
قال القرد: زعموا أن أسدا كان في اجمة، وكان معه ابن آوى يأكل من فضول صيده. فأصاب الأسد جرب شديد حتى ضعف وجهد، فلم يستطع الصيد.
فقال ابن آوى للأسد: ما شأنك يا سيد السباع قد تغيرت حالتك. قال: لهذا الجرب الذي تراه ليس له دواء إلا أن أطلب أذني حمار وقلبه. قال ابن آوى: قد عرفت مكان حمار يجيء به قصّار إلى مرج قريب منا يحمل عليه ثيابه التي يغسلها، فإذا وضع عنه الثياب خلّاه في المرج. فأنا أرجو أن آتيك به ثم أنت أعلم بقلبه وأذنيه. قال الأسد: فلا تؤخّرنّ ذلك.
فذهب ابن آوى حتى أتى الحمار، فقال له: ما هذا الهزال الذي أراه بك والدبر الذي بظهرك؟ قال الحمار: أنا لهذا القصّار الخبيث، فهو يسيء علفي ويدأب عملي. قال ابن آوى: وكيف ترضى بهذا؟ قال: فما أصنع؟ وكيف أفلت من أيدي الناس؟ قال ابن آوى: أنا أدلك على مكان معتزل خصب المرعى لم يطأه الناس قط. وثم أسد وهو مشتاق إليك وبقربه عانة من الحمر ترعى أمينة مطمئنة. فطرب الحمار وقال: ألا تنطلق بنا، فإني لو لم أرغب إلا في إخائك لكان ذلك حاملي على الذهاب معك.
فتوجّها جميعاً قبل الأسد وتقدم ابن آوى فأخبره. فوثب الأسد على الحمار فلم يستطع صرعه لضعفه وانفلت الحمار. فقال ابن آوى للأسد: ما هذا الذي صنعت؟ إن كنت خلّيت الحمار عمداً فلم عنّيتني في طلبه؟ وإن كنت لا تقدر عليه فقد هلكنا، إن كان سيدنا لا يقوى على حمار. فعرف الأسد أنه إن قال: “تركته عمداً” سفهه، وإن قال: “لم أقدر عليه” ضعّفه، فقال: إن أنت استطعت أن تردّ الحمار إليّ بما سألت عنه. فقال ابن آوى: لقد جرّب الحمار مني ما جرب وإني لذلك لعائد إليه محتال له بما استطعت، وعليك إن رجع أن تصبر عليه ساعة حتى يستأنس بك، وهذا أمر لا يفوتك والغرض لا يصاب كل وقت. فعاد ابن آوى إلى الحمار فلما رآه قال له: ما الذي أردت بي؟ قال: أردت بك الخير، ولكن الأسد أراد أن يتلقاك مرحّباً بك ولو ثبتّ لآنسك ومضى بك إلى أصحابه. فلما سمع الحمار ذلك ولم يكن رأى أسداً قط صدّق ما قاله ابن آوى، فمضى ووثب عليه الأسد فافترسه.
فلما فرغ الأسد من قتل الحمار قال لابن آوى: إنه وُصف لي هذا الدواء بأن أغتسل ثم آكل الأذنين والقلب، وأجعل ما سوى ذلك قرباناً. فاحتفظ بالحمار حتى أغتسل ثم أرجع. فلما ولّى الأسد عمد ابن آوى إلى أذني الحمال وقلبه فأكلهما رجاء أن ينفر الأسد عنه فلا يأكل بقية الحمار فينفرد هو به. فلما رجع الأسد قال: أين قلب الحمار وأذنان؟ قال ابن آوى: وما شعرت أن الحمار لم يكن له قلب ولا أذنان وأنهما لو كانا له لم يرجع إليك ثانية بعد إفلاته منك؟ فصدقه الأسد.
وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أني لست كالحمار الذي زعم ابن آوى أنه لم يكن له قلب ولا أذنان، وأنك احتلت بي وخدعتني فجزيتك مثل خديعتك واستدركت ما كنت ضيّعت من نفسي.
قال الغيلم: أنت الصادق البارّ وقد علمت أن ذا العقل يقلّ الكلام ويبالغ في العمل ويعترف بالزلة ويتبين الأمور قبل الإقدام عليها، ويستقيل عثرة عمله بفعله، كالرجل الذي يعثر على الأرض وعلى الأرض يعتمد وينهض.
فهذا مثل من طلب أمراً، حتى إذا استمكن منه أضاعه.
باب الملك والطير فنزة
قال الملك للفيلسوف: قد سمعت مثل الرجل يحيط به أعداؤه فيستظهر من بعضهم ويصالحه حتى يتخلص بذلك مما يخاف ويسلم. فاضرب لي إن رأيت مثل أهل التراث الذين ينبغي لبعضهم أن يتقي بعضاَ.
قال الفيلسوف: زعموا أن ملكاً من الملوك يقال له برهمون كان له طائر يقال له فنزة وكان ناطقاً كيّساً وكان معه فرخ له. فأمر الملك بفنزة وفرخه أن يجعلا بمكان عند امرأته سيدة نسائه وأوصاها بهما. واتفق أن امرأته ولدت غلاماً فألف الفرخ الغلام فجعلا يلعبان جميعاً ويطعمان جميعاً. وكان فنزة يذهب كل يوم إلى الجبل فيجيء بثمرين من الفاكهة فيطعم أحدهما فرخه والآخر ابن الملك. فأثّر ذلك في نموتهما وقوتهما حتى استبان ذلك للملك فزادت عنده كرامة فنزة، حتى إذا كان ذات يوم وفنزة غائب في اجتناء الثمر وثب فرخه من حجر الغلام طائراً فارتاع الغلام من ذلك وغضب فأخذ الفرخ وضرب به الأرض فقتله. فلما جاء فنزة ورأى فرخه مقتولاً حزن وصاح وقال: “ترحاً للملوك الذين لا عهد لهم ولا وفاء. وويل لمن ابتلي بصحبة الملوك الذين لا حميم لهم ولا رحيم ولا يحبون أحداً. ولا يكرم عليهم إلا من قضوا منه حاجتهم فلا ودّ ولا إخاء. ولا البلاء الحسن مجازًى عندهم ولا الذنب مغفور. وليس أمرهم إلا الفخر والرياء والسمعة. وكأنّ عظيماً من الذنوب يركبونه هو عندهم صغير وعليهم هين. وإني لأنتقمنّ اليوم من الكفور الذي لا رحمة له، الغادر بإلفه وتربه وصاحبه وملاعبه ومؤاكله”. ثم وثب في وجه الغلام ففقأ عينه بمخلبه، ثم طار إلى مكان مشرف حزيناً.
فبلغ ذلك الملك فجزع أشد الجزع ثم طمع أن يحتال لفنزة فيظفر به. فركب إليه ووقف عليه وناداه باسمه وقال: أنت آمن فأقبل. فأبى ذلك فنزة وقال: أيها الملك، إن الغادر مأخوذ بغدره وإن أخطأه عاجل العقوبة في الدنيا لم يخطئه آجلها، حتى إن عقوبة ذلك لتدرك الأعقاب وأعقاب الأعقاب وإن ابنك غدر فعجّلت له العقوبة.
قال الملك: لقد فعلنا ذلك بك لعمري فانتقمت منا فليس لك قبلنا ولا لنا قبلك وتر فارجع إلينا آمناً.
قال فنزة: لست أرجع إليك، فإن ذوي الرأي قد نهوا عن قرب الموتور وقالوا: “لا تجد للموتور