الفصل 12
هل جاءها الخلاص ؟
مضى يومان نزل ليون بعدهما الى القرية ليقص شعره .
و اشترى بعض الثياب من عند مارغاريتا .
و فكرت تارا فيما عسى ان يقول أهل القرية بصدد احتجابها عن انظار الناس .
فالوحيدون الذين يعرفون السبب هم الخدم الذين يراقبونها .
و ربما مارغاريتا ايضا نظرا لعلاقتها الوثيقة بليون .
مضت الاسابيع تلو الاسابيع لم يرى فيها تارا الا القليلون .
صحيح ان من عادة الزوجة ان تبقى في البيت مدة طويلة و لكن القرية تغلي من الفضول لرؤية العروس الجديدة .
كان ليون يأمل في الحصول قريبا على تأكيدات من تارا بأنها لن تحاول الهرب .
و لما طالت مدة انتظاره وقع في ارتباك كبيرة تجاه اهل القرية تحاول الهرب .
و لما طالت مدة انتظاره وقع في ارتباك كبير تجاه اهل القرية و تجاه معارفه في العاصمة حيث لم يعد اصدقاؤه و شركاؤه في الأعمال قادرين على كتمان دهشتهم بسبب احتجاب زوجته طيلة هذه المدة .
ربما نجح ليون في اقناعهم باعطائهم عذرا معينا .
و لكن الى متى سيدوم هذا الحال ؟ ربما كان عذره انها تنتظر ان تنجب طفلا .
و تساءلت تارا عما تكون ردة فعله عندما يعلم ان كل آماله ذهبت ادراج الرياح .
و ما كاد يتغيب عن البيت نصف ساعة حتى دهشت تارا عندما رأت ثلاثة رجال يصعدون نحو البيت على ظهور الحمير .
قليلون هم الذين يقتربون من الفيلا .
و لكن دهشتها تحولت الى ذهول سمرها في مكانها عندما وقع نظرها على رجل لم تصدق عينيها اذ رأته .
و صرخت و هي جامدة في مكانها :
- ديفد ...
هذا غير ممكن . أنها رؤيا ، أنه خيال !
في النهاية تمكنت من التحرك و كان كل عصب فيها يرتجف .
ديفد هنا و معه رجلان آخران .
كلا ! أنها لا ترى أشياء في مخيلتها .
و في ظرف غير هذا كانت ستضحك من مظهرهم على ظهر الحمير .
كان صاحب الحمير يجر نفسه خلفهم لاهثا ، و هو عجوز يعتاش من تأجير الحمير لزائري القرية همست لنفسها :
- ديفد !
- تارا !
رفع يده ليحييها و لكنه أعادها ليمسك برقبة الحمار خوفا من السقوط .
خطت بعض الخطوات برجلين من عجين و بعقل توقف عن التفكير .
هل سيعود ليون الآن ؟
ربما لم يلحظهم في الميناء أو في القرية .
- ديفد !
تحركت بسرعة اكبر و استطاعت ان تركض .
اسرع ديفد نحو الباب و لكنها سبقته اليه و فتحته بينما الرجال ينزلون عن ظهور الحمير .
و في لمح البصر كانت تارا بين ذراعيه تبكي .
- ديفد ، كيف عرفت ... ؟ كيف يمكن ان تكون هنا ؟
اصابتها نوبة من الهستيريا و جعلتها تنتفض .
الحرية ! الحرية هنا بدون أي شك .
لا شيئ يقف في طريقها الآن ... و لا أحد .
كان احد الرجلين شرطيا يونانيا و الآخر شرطيا بريطانيا و كان كلاهما باللباس المدني .
و لكنها لم تكن تعي الا وجود ديفد و لا تسمع الا كلماته الجنونية التي اختلطت بها عبارات الشرطي البريطاني و هو يحاول ان يعرفها على نفسه و على زميله .
في هذه المعمعة كان دافوس واقفا على حدة يتطلع و هو قلق جدا .
طلبت تارا من الشرطي الانكليزي ان يبعده عنهم فابتعد مسافة قليلة فقط و أخذ يشغل نفسه بغصن شجرة متظاهرا بأن ذلك جزء من عمله .
و كانت عيناه في الوقت نفسه تنتقلان من الداخل الى الخارج خوفا من مفاجأة ليون لهم .
و سألها الشرطي الانكليزي :
- هل تسمحين لنا بالدخول ؟ عندئذ نتكلم و من ثم نتبع خيط قضيتك .
ذهب الشرطي اليوناني و كلم دافوس بلغته .
بينما سألت تارا ديفد و هي لا تزيح عينيها عنه :
- ما الذي أتى بك الى هنا ؟ انها لأعجوبة ! لا استطيع ان اصدق انك هنا حقا .
- تمكنت الشرطة من اكتشاف دليل بعد ان أمضوا أسابيع و هم يتخبطون في الظلام .
و أخذ ديفد يسرد على مسامعها كيف حصلوا على الدليل من بواب المستشفى و لكن بعد ان عاد من اجازة طويلة دامت اسابيع .
تحرت الشرطة عن كل من اتصل بتارا و كرروا تحقيقاتهم مع موظفي المستشفى .
و تحول ديفد الى موضوع له علاقة بالتحقيق قاصدا بذلك معاتبتها فقط اذ قال :
- لماذا لم تخبريني يا حبيبتي انه أرسل اليك باقة أزهار ؟
- لم استطع . لا تسألني عن ترددي في اطلاعك على ذلك يا ديفد . ظننتها مسألة عابرة و لذا لم أرد ازعاجك .
و هنا قال الشرطي مؤنبا :
- كما أخفيت المكالمات الهاتفية ايضا .
و تابع يقول :
- لو انك أخبرت أحدا بذلك لكنا أعدناك منذ زمن طويل .
أضاف ديفد :
- تتبعت الشرطة الأثر الذي حصلوا عليه من البواب ، و أدى بهم الى اثر ثان حصلوا عليه من عاملة التلفون التي عندما ذكروها باليوناني قالت ان رجلا ذا لكنة غريبة كان يحاول الاتصال بك عدة مرات . و لكن العاملة امتنعت عن ايصاله بك نزولا عند طلبك .
و نظر ديفد في عيني تارا و لكنها كانت نظرة تأنيب و تابع كلامه قائلا :
- قلت لعاملة الهاتف ان هذا الرجل يزعجك بإلحاحه .
اومأت برأسها و احمر وجهها اعترافا بالذنب .
- كان يجب ان اطلعك على كل شيئ يا ديفد ... و لا اعرف لماذا قصرت في ذلك .
كانت و هي تتكلم تعود بافكارها الى اللحظات الممتعة التي أمضتها بين ذراعي الرجل و هو ما زال غريبا عنها ، فكيف تشكوه الى ديفد و هي شريكته في انفعالاته العاطفية ؟
- لو اطلعتني لما خطفك . الم تعرفي ذلك ؟
لم تجب بشيئ لأنها ليست موقنة من تأكيدات ديفد .
كما تعرف زوجها و قدرته في الحصول على ما يريد عندما يصمم عليه .
عاد الشرطي بعد ان حاول استخلاص بعض المعلومات من دافوس الذي قال عنه انه لم يفتح شفتيه كأنه اخرس .
قدم الشرطي الانكليزي زميله اليوناني باسم فيفوس مرياكيس و قدم نفسه بإسم اوسكار ستورات .
قال فيفوس : ان دافوس مرتعب من رئيسه بالرغم من اني أخفته انا ايضا .
و دخل الجميع الى البيت .
و هناك في حرارة الغرفة الرطبة شعرت تارا بهدوء نفساني ساعدها على تقييم ما أعطوها من معلومات و حاولت ان تفهم الوضع الجديد الذي طرأ عليها و مكنها لأول مرة من تذوق طعم الخلاص و الانفلات من قبضة زوجها و من سجنها المؤبد .
كانت الآن اكثر وضوحا في اجاباتها على اسئلة الشرطيين .
بينما كان ديفد جالسا يستمع .
و فيما كانت توضح لهم بعض نواحي حياتها سمعت يئن عندما سمعها تتكلم عن الانذار النهائي الذي هددها به زوجها و عن الخيار الذي فرضه عليها ، إما الزواج أو البقاء معه بشكل إجباري .
- اذن انت متزوجة ؟ ياله من حيوان !
- كان اما الزواج و اما الخيار الآخر كما أوضحت لكم .
كادت تبكي و قد أثر فيها منظر ديفد الحزين بوجهه الوفي المخلص .
- اظنك كنت تفكر بما انا فيه من تعاسة يا ديفد ؟
كان يرتعد و هو يتكلم :
- لم استطع التفكير بأي شيئ سوى اني اتخبط في جحيم من التصورات !
كنت أحاول ان أتحاشى التفكير في ان الفتاة التي أحبها تعيش في عذاب .
لاحظت تارا انخفاض صوته و الألم في عينيه و تعبير الاشمئزاز على وجهه الذي ما زال يجتذبها كما في السابق .
تعرف تارا ان ديفد لا يستطيع ان يتحمل حتى التفكير في أن رجلا آخر امتلكها . انها تقدر احساسه ، و مع ذلك ...
كان يتمتم لنفسه بحدة :
- متزوجة ، متزوجة من رجل آخر غريب ... و هذا الغريب تسبب لها في كل ذلك !
- ألن تستطيع ان تنسى ابدا اني كنت متزوجة من رجل آخر ؟
كان سؤالها فضوليا تفوهت به بعد ان شعرت باحساس غريب لم تدرك مداه .
كان سؤالا فيه شكوك غامضة كالضباب .
يوم اختطفها كانت تحب خطيبها حبا جما و ظنت انها ما تزال تحبه في ساعة اندفاع عاطفي كان ايضا عرفانا بالجميل عندما وجدته امامها فجأة .
فهل من الممكن ان تحب رجلين معا ؟
- انا ... انا ... بحق السماء ، لا توجهي الي اسئلة كهذه في الوقت الحاضر ! لا استطيع ان أركز أفكاري ...
- ألم تفكر في انك قد تفاجأ بهذا الاحتمال ؟ اختطفت ، و لكل اختطاف سبب . و الرجل الذي خطفني له مآرب فيي ...
- كفى يا تارا !
حاول الشرطي البريطاني ان يدخل في صلب الموضوع فقال :
- دعونا نبحث امورا اكثر اهمية . أين زوجك الآن ؟
- في القرية .
- نريد ان نحقق معه .
- كيف عثرتم عليه ؟
- بكل سهولة . بواسطة الانتربول أو البوليس الدولي .
ادخلت هذه الكلمة رعشة الى صميمها .
اذ تعني انهم وضعوا زوجها في مصاف المجرمين ،
فقالت بانزعاج :
- انتربول ...
قال الشرطي الانكليزي :
- أرغب في توجيه المزيد من الاسئلة اليك ريثما يأتي زوجك .
فركزت تارا كل انتباهها عليه . قال :
- بالطبع تزوجت من المستر بتريديس اختياريا . و ما لا أفهمه هو لماذا لم تستجيري بالرجل الذي زوجك ؟
اضاف ديفد :
- هذا صحيح . لماذا لم تستعيني به ؟
قصت تارا عليهم قصتها من أولها الى آخرها ، و هز الشرطي اليوناني رأسه حتى قبل نهاية قصتها فقال :
- لا توجد قضية ضده .
لكن الشرطي الانكليزي قاطعه قائلا :
- حدثت عملية اختطاف و في انكلترا بالذات ...
- كان الاختطاف بنية الزواج . في اي حال ، لا تستطيع هذه السيدة الشابة تقديم إفادة ضد زوجها .
اغتاظ الشرطي الانكليزي من هذا القول .
اما تارا ، فلم تتحمل صورة زوجها و هو يقاد مقبوضا عليه و مخفورا الى انكلترا .
و يعرف ليون انه حتى لو حدث هذا لن تستطيع زوجته ان تشهد ضده حسب نصوص القانون .
و فطن ديفد الى نقطة معينة في عبارة تارا ... ربما ارتياحها لعدم وجود قضية بحق زوجها ... فسألها و هو يثبت نظره في عينيها :
- هل ... ما زلت تحبينني ؟
تردد في بدأ سؤاله .
و رأت تارا العلاقة بين صيغة هذا السؤال و صيغة سؤاله الأول عندما وصل الى بيتها ، و هو اذا كانت ما تزال تحب زوجها .
أجابت تارا :
- كل ما أريده الآن يا ديفد هو ان أبتعد عن هذا المكان و أعود الى انكلترا حيث سأحاول ان اتغلب على محنتي .
- افهم ذلك يا عزيزتي . نستطيع ان نأخذك في الحال .
ابتسمت له . لكن ابتسامتها هذه المرة لم تعكس تلك الابتسامات التي كانت تعبر في السابق عن ارتعاشها لدى سماعها كلمة " عزيزتي " .
و لم تحلم بأنها ستقابل هذه العبارة بفتور كما قابلتها الآن .
آه لو ان ليون يعرف هذه الكلمة ... و لكنه لا يعرف كيف يستعملها !
انها متأكدة من ان هذه الكلمة ... عزيزتي ... لم تخرج من فمه مرة واحدة طيلة حياته .
قال رجل البوليس اليوناني :
- كم سيأخذ زوجك من الوقت ليعود ؟ بالرغم من اننا لا نملك دعوى ترفع ضده ، نريد فقط توجيه بعض الاسئلة اليه . و نريد ان نخبره بأننا سنأخذك معنا .
توقف و نظر الى عينيها نصف المغمضتين و سألها :
- هل تصرين على تركه ؟
صرخ ديفد مجيبا عنها :
- طبعا تريد ان تتركه ! ألم توضح ذلك بنفسها ؟
نهضت تارا لتحضر لضيوفها بعض المرطبات .
فطلب الشرطي الانكليزي فنجانا من الشاي ، بينما فضل اليوناني شرابا مرطبا .
اما ديفد فطلب قهوة فرنسية مع قطعة حلوى .
بعد فترة أقبل ستاماتي بطلباتهم و قدمها اليهم .
و قد علم بوجودهم من دافوس الذي كان قلقا على الوقت .
و فيما هم منهمكون بتناول مرطباتهم ،
قال ديفد لتارا :
- لماذا لا تنهضين و توضبين ثيابك ؟ لا نستطيع التأخر عن زورق نقل الركاب . سيأخذنا الى الفندق عند المرفأ لنقضي ليلتنا هناك .
تساءلت تارا لماذا تقضي ليلتها في الفندق و هي موجودة في بيت .
مما لاشك فيه انها تريد ان ترحل عن هذه الجزيرة حيث تعيش وحيدة في سجنها و تحت المراقبة ليلا و نهارا .
الا انها فكرت بالمستشفى و الثرثرات التي ستجري وراء ظهرها .
كلا ، لن تعود الى هناك و لن تستطيع ان تبدأ حياة جديدة مع ديفد .
و كل ما تريده الآن الرحيل أولا و من ثم التخطيط لما تريد ان تفعله بحياتها بعد ذلك .
8