الفصل 11
خطة الهرب
بدا انتظار تارا لزيارة نيقولاوس أبديا .
نهضت مبكرة من نومها مما جعل النهار أطول و أثقل على اعصابها .
لم يقل ليون كم سيطول غيابه و قد يعود في اليوم التالي أو نفس اليوم .
لا ، لن يعود الليلة اذ ليس من الممكن ان يكون قد أنهى اعماله في هذه البرهة الوجيزة .
- لماذا لا تأتي يا نيقولا ! لماذا ؟
كانت تمشي من غرفة الى اخرى و تتفرج على بلاطها المرمري و سقوفها المزينة و اثاثها الثمين ذي الطراز القديم و على آنية الصيني الهشة .
و حاولت ان تركز افكارها على اشياء غير الهرب .
اقتربت من النافذة و وقع نظرها على النافورة الجميلة فاجتذبها جمالها لتخرج الى الحديقة حيث السلام و الهدوء و لكن السلام لم يجد طريقة الى قلبها و لا الهدوء ان يطرد منه القلق و الشك .
و اذا تخلى نيقولاوس عنها فستكون نهاية حياتها .
اذ سترغم حينئذ على اعطاء الوعد او انها ستجن !
لا تستطيع ان تتحمل هذا السجن اكثر من ذلك .
و إذا و لدت طفلا هنا فلن تتمكن من ترك الجزيرة الا بعد سنوات .
و سيتبع الطفل الأول طفل ثاني و ثالث ... من يدري ؟
تابعت تجوالها في الحديقة و كانت تنظر الى ساعتها بين لحظة و اخرى .
- نيقولا ، أرجوك ... تعال !
ستصيبها الهستيريا اذا ظلت على هذه الحال .
و لذا عزمت على عمل شيئ .
عادت الى البيت و تناولت كتابا لتقرأ في الحديقة ، و لكنها لم تستطع ان تركز افكارها .
نظرت الى الازهار و الى الفراشات الجميلة فلم تتأثر بأي منها بعد ان كانت تجد فيها متعتها الكبرى .
نهضت لتمشي و لم يلفت نظرها أي شيئ ، و تطلعت الى الأفق فرأت البحر ، هذا البحر الذي خيل اليها انه سينقلها الى ارض الحرية .
كان دافوس و كليانش يرشان شجر البرتقال و الليمون بمرشوش ضد الحشرات .
و رأت دافوس يوجه نظره الى نقطة معينة بعد اشارة من زميله .
و تبعت تارا اتجاه نظرهما فرأت رجلا يصعد الطريق نحو البوابة الكبرى .
توقف الرجلان عن العمل و انتظرا ، لكن تارا ادارت ظهرها اعتقادا منها ان الرجل آت ليرى أحد الخدم .
كانت جالسة امام البيت و الكتاب في يدها عندما اتى كليانش و الرجل بصحبته .
قال الرجل :
- معي رسالة للسيدة ليون ، نسوا ان يرسلوها اليك عندما وصل البريد هذا الصباح .
قد تكون مهمة و لذا أتيت بها شخصيا لأسلمها لك .
كانت لغته الانكليزية ركيكة .
نظر حواليه و حك شعر رأسه و قال :
- الحر شديد ! انا عطشان ه استطيع ان اشرب قدحا كبيرا من الماء !
كانت نظراته مثبتة في عيني تارا ، و في أسرع من البرق فهمت كل شيئ و صرخت في وجه كليانش :
- حالا ، كأس ماء ... أو تحب شراب الفواكه ؟
- جميل جدا ! الكثير من عصير البرتقال !
انحنى كليانش و لكنه قال قبل ان يذهب :
- لم أرك من قبل .
- اتيت لزيارة أختي . هي سيدة ... سيدة البريد ؟
كان من الواضح انه يعني مديرة مكتب البريد .
قال كليانش :
- اخوتها كثيرون . اهلا بك الى جزيرتنا .
- شكرا جزيلا !
ابتسم عندما قال ذلك و كشف عن عدد لا بأس به من أسنان الذهب .
- سآتي لك بالشراب .
ذهب كليانش و دعت تارا الغريب لأن يجلس فجلس و أخرج مظروفا من جيبه .
أبقته في يدها برهة و هي تتساءل عما يمكن ان يحتوي الغلاف من ... أخبار حسنة أو اخبار سيئة .
اما ان فيها خبر استعداد نيقولاوس ليساعدها أو انسحابه من العملية لعجزه عن القيام بها .
تحسست تارا الغلاف و من ملامستها عرفت ان في داخله قلما .
اذن نيقولاوس يريد منها جوابا .
فتحت الغلاف و الأمل يتسرب الى قلبها و اخرجت منه ورقة مطوية ، و سمعت الرجل يقول :
- انا سافاس ، و سأنقل جوابك الى السيد نيقولاوس .
اومأت برأسها و بدأت تقرأ :
- قبل ان تستمري في القراءة ، اكتبي على الغلاف مكان غرفة نومك بكل دقة و اعطيه لسافاس .
كانت هذه الكلمات مكتوبة بأحرف كبيرة على رأس الرسالة .
كتبت تارا على الغلاف ماطلب نيقولاوس و أعادته الى الرجل .
كان قلبها ينبض بقوة و بدأت تشعر بأنها حرة .
و ضع الرجل الغلاف في جيبه و في هذه اللحظة اتى كليانش بالشراب و لم يغب إلا دقيقتين .
و هنا فهمت تارا معنى و قيمة العبارة المكتوبة بأحرف كبيرة و التي تعجلها بالرد ، و ليساعدها في تعجلها وضع قلما مع الرسالة .
كان كليانش واقفا ينظر الى سافاس و هو يجرع شراب البرتقال ... و من ثم رافقه الى البوابة .
وضعت تارا الرسالة في جيبها و دخلت البيت .
و لما آوت الى غرفتها ، قرأت ماكتب لها نيقولاوس بينما كانت دقات قلبها تعلو و تهبط حسب مؤثرات الرسالة :
" عزيزتي تارا
بالرغم من أني عرفت بسفر ليون المبكر هذا الصباح ، رأيت من الأنسب ألا آتي إليك ...
و أنا متأكد من ان هذا هو رأيك ايضا .
ومن المستحسن ان نبقي كل شيئ سرا بقدر الامكان .
و لذا ذهبت البارحة الى بوروس و رجعت برجل يقوم بأعمال على زورقي من وقت لآخر .
سافاس غير معروف مطلقا في هيدرا و هذه الحيلة ستنجح .
اما الخطة فهي كالآتي :
اريدك ان تكوني جاهزة في الساعة الثانية صباحا عندما اضع سلما تحت نافذتك .
و اذا رغبت في أخذ بعض الثياب ضعيها في صرة و ارمي بها من النافذة و سأضعها في حقيبة فيما بعد . لا تستعملي اية حقيبة لأن صوتها يوقظ الخدم .
ضعي حراما على حجر النافذة لكي يرتكز عليه و هكذا لا يخرج صوتا . هذا كل ما هو مطلوب منك . و سأعيد سافاس الى بوروس الساعة السابعة من هذا المساء و هكذا يكون بعيدا عن الانظار . و سيكون زورقي جاهزا و سيقلك الى بيراوس . لا أدري لماذا اقوم بهذا العمل . ربما لأنه مثير ، او ربما لأني أحب ان أنقذ فتاة من مأزق ، أو ربما لأني احببتك كثيرا " .
كان على الرسالة توقيع نيقولاوس فقط .
مزقت تارا الرسالة قطعا صغيرة جدا و رمتها في التواليت واختفت مع الماء .
لم تمر تارا ابدا بوقت اطول من الفترة بين قراءة الرسالة و بين فتح النافذة بكل هدوء و وضع الحرام عليها كيلا تتسبب في أي صوت .
كل شيئ حاضر و تطلعت من النافذة الى الحديقة فلم ترى شيئا بسبب الظلام الدامس .
كان قلبها يدق بسرعة كبيرة و اعصابها مشدودة .
لم يكن هناك أي صوت أو حركة و كانت صرة الثياب في النافذة . ها هو ! تصورت أنها رأت شبح رجل يتحرك ... و ان السلم رفع الى النافذة .
حبست انفاسها و هي تتوقع ان يتأرجح السلم بسبب ثقله فيهوي الى الأرض يصطدم بالحائط او بإحدى النوافذ الأخرى .
لكن نيقولاوس قوي و قد وضع السلم في مكانه .
رمت تارا بالصرة الى أسفل و كانت على وشك ان تعبر من النافذة و تضع قدمها على درجة السلم عندما رأت ظل رجل آخر يتحرك و من ثم يركض مسرعا الى الناحية الأخرى من الحديقة .
و جمدت في مكانها عندما رأت ظل رجل ثالث ، طويل و ذي خطوات سريعة ...
شعرت ان قلبها توقف .
لا ، غير ممكن ! هذا غير حقيقي ! من المستحيل ان يكون ليون هنا في هذا الوقت من الليل ! و من الرجل الطويل الآخر السريع
الحركة ؟
كادت تموت من الرعب و تسمرت في مكانها عندما رأت الشبح واقفا يتفحص المكان و من ثم ينحني و يلتقط الصرة .
و في اللحظة التالية رأته يرمي بالصرة على الأرض و يركلها برجله و يشتم ... كاد يغمى عليها .
كانت ما تزال مسمرة في مكانها عندما دخل زوجها غرفة النوم بوجه لم تتميزه بسهولة من حدة الغضب .
كان دمه يغلي حتى بدا كأنه الشيطان نفسه .
و الآن ماذا سيعمل بها ؟
رأت الغضب يتملك زوجها في السابق كثيرا و لكن ليس بالدرجة التي تراه فيها الآن . انه سيقتلها حتما و بحركة غريزية وضعت يدها على عنقها . نعم ، سيخنقها الآن ...
- من كان يساعدك ؟
صدمها صوته الهادئ و أحست انها مريضة معقودة اللسان .
و لما لم تجبه سألها ثانية و بصوت هادئ ايضا :
- سألتك سؤالا !
كانت تبتلع ريقها و تبكي .
- لن ... لن اقول لك ! لن اقول ل ... لك !
- ستقولين ... و إلا اضطررت الى تعذيبك !
قفز قفزة خفيفة و أمسك بيدها فأحست بألم شديد فيها و صرخت .
- أجيبيني !
كشر عن أسنانه و بدا كأنه نمر يستعد للهجوم على فريسة .
- أجيبيني قبل ان أميتك خنقا !
- لا ... لا استطيع .
رفعت رأسها و كانت تعرف ان نقطة دم لم تبقى في وجهها .
و تساءلت عن الحظ المشؤم الذي اتى به في تلك اللحظة بالذات بينما كانت على وشك التخلص من قبضته المخيفة .
كان الشيطان بجانبه ... أنه الشيطان بنفسه !
- أرجوك الا ... تطلب مني ما ... ما يمنعني شرفي من ...
- شرفك ! انت تكلمينني عن الشرف ؟
رماها بنظرة جعلت جسمها المرتعد يتقلص .
لم يتكلم و لكن عينيه كانتا تعبران عن ازدراء أقوى من الكلام .
- ذلك الوضع الذي تكلفته قبل سفري لتظهري نفسك في موقف المهزوم و الوعد الذي أملتني به لأصدق انك استسلمت بعد ان خسرت كل الجولات ، كان كل ذلك جزءا من مخطط الهروب الذي صممته سلفا . أليس كذلك ؟
كانت هزاته من أعنف ما عرفت ، و لما رفع رأسها اليه ارغمها على النظر اليه .
- أليس كذلك ؟
أشارت بعينيها بنعم و هي تتساءل عن مدى احتمالها و ما اذا كانت ستبقى واقفة على رجليها لو أخلى سبيلها .
- نعم ، كان كذلك .
- مع من خططت ؟
ربما رشوت أحد الخدم ليساعدك ، و إلا فمن يستطيع مساندتك ؟
- لا علاقة بأي من الخدم بهذا .
- لا تكذبي ... !
أخذ يهزها هزا عنيفا و بلا شفقة .
- لقد شبعت من خداعك !
- لي مطلق الحق في ان أخدعك !
لم تعرف كيف خرجت هذه العبارة من فمها .
و شعرت باصابعه تطوق عنقها فبدأت تحس بالاختناق ، بدأت تقاوم و تتلوى لتنقذ حياتها من موت محقق .
في هذه اللحظة رفع يده عن عنقها و سألها بصوته الهادئ الناعم الذي يخفي وراءه عاصفة كاسحة :
- قولي لي مع من كنت تخططين للهرب بينما كنت تحاورين و تداورين معي ؟
لم تعرف لماذا اغاظتها عبارتا " تحاورين و تداورين " ، و بخفة لم ينتبه اليها افلتت منه و قفزت الى الطرف الآخر من النافذة .
- من حقي ان أخطط و لكل سجين الحق في الهرب . فكيف تجسر على اتهامي بأني أعمل في الخفاء بينما انا أعمل لأنقذ نفسي ؟
و بالرغم من ان كلماتها لم تكن بحدة كلماته إلا انها اغضبته .
- ما زلت انتظر اسم شريكك ! من هو ؟
كان ظهرها الى النافذة و أحست بالهواء يداعب شعرها . هل تقفز ... ؟
تفضل الألم الناتج عن هذه القفزة على الألم الذي سيسببه لها الآن و هو يتقدم نحوها بخطى ثابتة . تلمست حجر النافذة و امسكت به و لكنها لم تكن متأكدة من أنها تستطيع ان تقفز قبل وصول زوجها اليها .
فطن هذا الى نيتها فقفز و أمسك بها .
و في الفترة القصيرة التي اقتضته لإنزالها عن النافذة تسارعت الأفكار في رأسها و فكرت في العقاب .
ارادت ان تستسلم الا ان مرأى عينيه المرعبتين و فمه الملتوي من الغيظ و يديه القويتين أثرت فيها و مدتها بقوة خارقة مكنتها من القفز و الجلوس على حافتها ،
و صرخت :
- سأقفز . استعد ...
- قفي ! انت مجنونة ... قفي !
كان خائفا ، و لأول مرة في حياته كان خائفا .
حاول ان يتقدم لكنها صرخت في وجهه :
- خطوة أخرى و سأقذف نفسي !
- تارا ، لا تكوني حمقاء !
خفت حدة صوته قليلا و لكنها كانت تعلم أنه اذا أعادها الى رشدها ستعود الحياة كما كانت .
كما تعلم ان سبب هياجه هو رفضها افشاء اسم من ساعدها ، و الويل لها اذا ضعفت امامه فلن يشفق عليها و لن يرحمها .
- انزلي عن النافذة ! انزلي الآن !
- هذا ليس وقت القاء الأوامر . أتى دوري انا لأحمل السوط بيدي . و أفضل ان اتسبب في أذى نفسي على ان اتأذى منك .
سمعت أسنانه تصطك و رأت يديه تنقبضان .
أفرحها تغلبها على خوفها لأنها متأكدة من انه لن يتركها تقفز ، و في هذه الحالة سيستسلم لها و يحد من كبريائه اليوناني .
كان واقفا امامها لا يعرف ما يفعل في هزيمته امامها .
فحاول ان يقنعها بصوت ألطف :
- انزلي .
- لن انزل قبل ان تعدني بأنك لن تستعمل القوة معي و لن تجبرني على افشاء اسم من ساعدني
في وضع السلم ...
و التفتت لتدل على مكان السلم ففقدت توازنها و كانت على وشك ان تسقط لولا انه اسرع بخفة مذهلة و امسك بها من ثيابها و أنزلها .
رمت نفسها عليه و وضعت رأسها على صدره و أخذت تنتحب .
طوق جسمها بذراعيه ليمنعها من السقوط على الأرض لا ليجعلها تشعر بحنانه .
و عدا ذلك لم يتفوه حتى بكلمة عطف ، و كان جسمه متصلبا .
و لما رفعت نظرها الى وجهه عاودها الخوف من جديد .
اذ كان ينظر اليها نظرته في كل مرة يريد ان ينزل بها عقابا .
قال بصوت هادر :
- انك فتاة مجنونة حقا ! يجب ان اجلدك لمسلكك هذا !
و بدلا من جلدها عانقها بنفس العنف .
كانت مقاومتها بلا فائدة لأنها فقدت كل قواها و رأت ان شعوره نحوها كان شعور السيد نحو خادمه لأنه كاد يتذوق طعم الاهانة و الاستسلام عندما فرضت عليه شروطها .
تركها و أغلق النافذة .
صحيح انه انقذ حياتها و لكن هل لتحيا حياة اطمئنان بعد الآن ام لتعود الى نمط حياتها السابق ؟
هو هو في نظرته الحديدية .
هو هو في بطشه الجامح .
اخذها ثانية بين ذراعيه و قال :
- سأستجوبك مرة اخرى في الصباح . اما الآن ...
عانقها و اخذت ترتجف معتبرة عناقه عقابا لها .
و ذكرت نفسها ان وجودها تحت سقفه نتيجة اختطاف و ارغام .
- حذرتك و قلت لك اني لن أؤخذ على غفلة .
- نعم ، حذرتني ياليون .
- هل تعرفين سبب وجودي هنا الليلة بدلا من اثينا ؟
- كلا .
توقع منها تعجبا أو استغرابا و لكن كل ما سمعه كان صوت بكاء هادئ .
- و لكنك تودين ان تعرفي .
هزت كتفيها و قالت :
- انت دائما تكسب و ستكسب دائما .
- هل يئست الآن من الهرب ؟
ابتلعت ريقها و كان قلبها يبكي من الحسرة .
و اجابت لكن بعد ان هز كتفيها ليذكرها بأنه ينتظر جوابها :
- اعتقد ذلك ...
- لم افطن الى معنى كلامك إلا فيما بعد عندما قلت انك ستفكرين بإعطاء وعدك .
و رأيت ان هناك شيئا غير طبيعي في قولك . فتراءى لي انك لم تكوني صادقة . و ان طريقتك في الكلام ربما كانت خدعة . فسقطت في الفخ بعد ان جذبني الطعم . و لن أفهم أبدا كيف انخدعت بهذه السهولة و التفسير الوحيد هو اني وثقت فيك . و لكن هذه الثقة تلاشت حالما تفتح ذهني ، فاستأجرت زورقا سريعا و أتيت بأقصى سرعة ممكنة .
توقف و دهشت لأن شفتيه كانتا ترتجفان و جبينه يعرق .
- يجب ان تعرفي ان ما عندي يكون ملكا لي ، يا زوجة ، و اعتقد الآن أنك ستعتبرينني زوجا لك ... و سيدا .
تنهدت و اشاحت بوجهها .
و لكنه أدارها نحوه و ثبت نظره في نظرها .
سألته و هي تتعلثم :
- هل ستسيء معاملتي
غدا ؟
- أنا أسيء معاملتك ؟
بدأت يده تعبث بأزرار بلوزتها .
- اي بارغامي على إعطائك اسم من وضع السلم ؟
فكرت تارا في دافوس و كليانش اللذين رأيا الرسالة عندما اتى بها الرجل .
سيعرف بها حتما و سيكون يوم غد كابوسا بالنسبة اليها .
- لن أقول لك أبدا . يمكنك ان تقتلني ، و لكنك لن تعرف من ساعدني .
- لن اقتلك ...
بدأ الآن عملية عناقه و لم تختلف هذه بتفاصيلها عما سبقها من عمليات مماثلة .
- في حياتي كلها لم استمتع بوجود امرأة كما استمتع بك .
نسيت تارا مغامرة تلك الليلة و خوفها من المستقبل .
**************************
12 - الوعد المرير
في الصباح وجه ليون عدة اسئلة لتارا و لم يحصل على شيئ ، فأخذ يسأل خدمه واحدا واحدا و كل ما ناله من معلومات هو الرسالة فقط .
- من بعث لك هذه الرسالة ؟
رفضت تارا ان تبوح بإسمه .
- طبعا ، لم تأتك في البريد .
- كلا ، كانت من الشخص الذي ساعدني .
- ما زلت مصممة على الا تعطيني اسمه ؟
تملكته الحيرة كيف استطاعت تارا ان تتصل بالناس مع كل هذه المراقبة .
-هذه أعمال نذلة جرت من وراء ظهري ، و لن يستريح لي بال قبل ان اكتشف سرها .
تطلع فيها ، و كانا بعد في غرفة الجلوس حيث استجوب خدمه .
- تأكدي من اني سأضع عليك رقابة أشد من الآن فصاعدا .
علقت على قوله بهزة كتف دون اي انفعال :
- كل هذا لا يهمني بعد الآن يا ليون . فأنا سجينتك و لن تسنح لي فرصة للهرب لمدة طويلة جدا .
نظرت اليه و هي مستلقية بين ذراعيه .
كانت في السابق تدير له ظهرها .
لكنها هذه المرة ارادت ان تبقى بين ذراعيه اطول مدة ممكنة .
ان تبقى في حماية ذراعين قويتين كلهما دفء و حرارة .
و عندما أتى الصباح طلبت منه ان يبقيها في حماية ذراعيه .
- حتى اذا اعطيتني الوعد لن أثق فيك بعد الآن . أظنك تعرفين هذا .
قالت بهدوء و استسلام تامين :
- سأعطيك الوعد اذا اردت و سأحترمه و في كل الأحوال ، اذا لم تثق بي بعد الوعد فلن استغل استعماله . اذ اني سأعيش كما عشت منذ مجيئي الى هنا .
تغلب عليها البكاء و كأنها غضبت من نفسها لأنها تبكي . هزت يدها امام عينيها و قالت و كأنها تكلم نفسها :
- ما الفائدة من الدموع ؟
- لا أحب ان اراك تبكين .
- لا اعتقد ان بكائي يؤثر فيك .
نهض من مكانه و مشى الى النافذة واضعا يديه في جيوب سرواله .
تأملت ظهره المستقيم و عضلاته القوية .
و أحست بشيئ مثل شعور داخلي لا تفهمه يتحرك فيها .
ما الذي تغير فيه ؟
قبل بضع ساعات كادت تقذف بنفسها من النافذة و كان يمكن ان تموت او تؤذي نفسها .
استغربت من نفسها كيف شعرت بنصر التفوق عليه عندما هددته بالقفز من النافذة اذا لم يخضع لشروطها .
وشعرت بقشعريرة الخوف تسري في عروقها لمجرد التفكير في ذلك .
و عرفت انها لم تكن تستطيع ان تنفذ ما هددته به ، و لكنها أسفت لأن الحظ لم يسعفها كي تصل الى بغيتها .
كانت تريد فرض شروطها و الحصول على مناها في ان تكون بدون مراقبة .
و لكن القدر تدخل و أنقذه من مذلة الهزيمة .
و بينما كانت تتوقع تهديدا أو عقابا أتاها عناق طويل .
كان في حينه خائفا كثيرا ... هل سبب خوفه أعمق مما استطاعت استنتاجه ؟
كانت تعتقد انه يريدها فقط ، و لكن الرعب الذي اصابه و هي تهدد بالقفز يعني اكثر من ذلك بكثير .
و لكن ماذا يعني ؟
التفت نحوها و قال :
- اشعر انك ستحاولين دوما ان تهربي مني يا تارا .
عبست بسبب رتابة صوته ، و بدا لها انه فريسة لليأس . و أضاف يقول :
- لم أصدق أبدا انك ستهربين فعلا .
- و لكنك كنت تصدق انك تستطيع الاحتفاظ بي .
- نعم ، و كنت متأكدا من ذلك .
كانت عيناه تحلمان و عاد فجلس حيث كان سابقا .
و كان هذه المرة غير مستقر و فاقد الهدوء و لم يبدو انه نفس الرجل المترفع الواثق من نفسه .
لأول مرة رأت تارا فيه شيئا من التواضع أذهلها ، و لكنها لم تبال بذلك مطلقا .
و تواضعه هذا غريب عن طباعه المعروفة بالسيادة و السيطرة اللتين كانتا موضع اعجابها حتى و هي تقاومهما .
و لكنها لاحظت فيه نقصا معينا ... ما هو ؟
جاذبيته ... ؟ نظرت الى يدها و ظنت أنها تحس بشيئ غامض يحدث لها .
تكلمت بصوت هادئ و لطيف :
- قلت لك ان الأنسجام الجسمي ليس كافيا .
أتذكر ؟
- أذكر .
كان جوابه جافا و سريعا .
- الزواج يجب ان يتقوى بالحب .
- كنت تحبين ديفد ام كنت تعتقدين ذلك ؟ و هل تعتقدين حقا انكما كنتما عشتما سعيدين لو تزوجتما ؟
- طبعا .
و لكنها لم تكن متأكدة من اعتقادها هذا اذ داخلها بعض الشك في مستقبلها مع ديفد .
- طبعا ؟ ام انك لست موقنة ؟
كانت عيناه تتفحصان عينيها بإمعان .
كانت حالمة عندما هزت رأسها و نظرت اليه شاردة و هي مصعوقة بالاكتشاف الذي أخذ يحتل ذهنها تدريجيا .
من المستحيل ان تكون قد وقعت في حب هذا المسخ !
في حب هذا اليوناني الغريب الذي لم يفوت اية فرصة ليفرض عليها سيادته و ليهزأ بها أو يبرهن على تفوقه بطريقته الوقحة .
- أنا ... أنا متأكدة من ذلك .
ضحك و رفع حاجبيه :
- من تحاولين ان تقنعي يا تارا ؟
ها هو قد استعاد ثقته في نفسه و تلاشى تواضعه .
هذا هو ليون الذي عرفته و اعتادت عليه ... و الذي أحبته ...
نعم ، أحبته ، و لا يفيدها انكار ذلك مهما حاولت .
فكرت في العيش بدونه .
طبعا سيكون حسنا ! لا آمر و لا مأمور ، و لا سيد يلقي الاوامر فيطاع .
بدونه ستكون حرة ... و لكن هل تريد حقا ان تتحرر ؟
الحياة بدونه ... اغمضت عينيها كي لا ترى طريقا موحشة باردة تمتد امامها بلا نهاية .
كي لا ترى المستقبل المملوء بالذكريات التي ستبقى حية و واضحة .
كلا ! ليست بهذا الجنون لتقع في حبه .
انه وحش و سيبقى كذلك .
و قالت لنفسها :
- لا أحبه ، و حتى ان احببته اكره ان ابقى بجانبه لأنه يؤمن بأن الرجل في هذا الجزء من العالم كل شيئ و المرأة لا شيئ !
- سألتك من تحاولين ان تقنعي .
لم تكن في وضع يمكنها من الكلام .
لكنها اخبرته بكل شيئ و بالآمال التي كانت تجمع بينهما .
تكلمت بحنين المتلهف الى الذكريات عن تأثيث بيتهما الصغير الجميل الذي اشترياه بالتقسيط .
تكلمت عن بهجتها عندما تنهض يوم زفافها و تجد الشمس مشرقة .
- كان ثوب العرس جميلا ...
توقفت لتمسح دمعة نزلت من عينيها و انزلقت على وجنتها الشاحبة .
و لاحظت في نفس الوقت ان ليون ابتلع ريقه كأنه يحاول إزالة شيئ لاصق في حلقه .
و ان يديه كانت تنطبقان و تنفتحان بعصبية تلقائية مما يدل على انفعالات قوية تتحكم به .
فيم كان يفكر ؟
لم تستطع ابدا ان تقرأ افكاره ...
و كادت تختنق من التأثر و هي تقول :
- انت لم تعتبر ان ثوب العرس كان جميلا ... لذلك رميته في البحر .
لم تقصد بهذا الكلام ان تؤنبه أو ان تؤلمه ... و لكنها دهشت عندما لاحظت رعشة في وجهه .
- أرى ان نغير الموضوع . و علي الآن ان اذهب الى مكتبي حيث سأعمل حوالي الساعتين و سألقاك بعدها في الحديقة .
نهض و رفعت تارا رأسها فأمالته الى الوراء و سألته بعد فترة وجيزة :
- هل تخليت عن بحث القضية ... اعني قضية محاولتي في الهروب ؟
نظر اليها طويلا و جال بنظره على وجهها ثم أجاب :
- ستنجلي الحقيقة بكاملها يوما ، اما الآن ...
و رفع يديه و رماهما الى أعلى دلالة على اليأس أو الفشل .
- لا يبدو ان هناك شيئا نكسبه من الاستمرار في التحري . و من الطبيعي ان تصيبني الدهشة اذ لم يكن أحد الخدم متورطا . و لا أدري اذا كان هناك شخص تعرفينه خارج البيت ...
و فجأة توقف و تطلع فيها و سألها :
- هل زارك أحد أثناء
غيابي ؟
- زائر ؟
عرفت انه شك في زائر معين لأنها تحادثت مع نيقولاوس معظم وقت العشاء . و ارادت ان تكسب الوقت فقالت :
- قلت ان زائرا أتى ليراني ؟
صرخ اسم الزائر في وجهها .
- نيقولاوس ! نيقولاوس زارك ، أليس كذلك ؟
هزت رأسها نفيا و تذكرت إلين و هي تدخن عندما زارتها فقالت :
- إلين كانت هنا .
ربما ينسى نيقولاوس و يتلهى بموضوع إلين .
- إلين ؟ هل هي التي ساعدتك ؟ لا أعتقد انها تستطيع تحريك السلم .
سألته بلهجة لاذعة :
- ما الذي يجعلك تفترض ان إلين ترغب في مساعدتي على الهرب ؟
و أضافت :
- قد تساعدني . من يدري ... فقد تفيد من إبعادي عن طريقها . الا تعتقد ذلك يا ليون ؟ ما هذا الشجار الذي فصل بينكما و جعلك تتزوجني غيظا و انتقاما ؟
كان هذا السؤال مفاجأة لم يتوقعها فسألها :
- هل كلمتك عن شجارنا ؟
- نعم ، كلمتني .
- و هل قالت شيئا آخر ؟
كان متلهفا للمزيد ، و لكن تارا رأت الحديث عن الفتاة التي كرهتها من أول نظرة بغير طائل .
- أفضل الا أقول شيئا . لننس الأمر من فضلك .
- ألم تقل ما هو سبب مجيئها ؟
- كانت تريد ان تراك بصدد عرض الأزياء القادم الذي سيقام في اثينا . و اعتقد انها ستتصل بك حالما تعلم بعودتك ، و عندها يمكنك ان تسألها عما قالت لي .
ظهر عبوس في وجه ليون و نظر اليها كمن يريد ان يتكلم الا انه ادار ظهره ليذهب .
و قال لها انه قد يتأخر عن موعد الغداء ثم خرج و أغلق الباب وراءه بهدوء .
مضى اسبوع آخر و كل شيئ على ما هو عليه .
و تمنت تارا لو تستطيع ان تنبه نيقولاوس الى ان ليون يشتبه فيه بتقديم المساعدة لها .
لن تقابله في أي حال لأن نيقولاوس الذي أوشك ان يقع في الجرم المشهود و هو يضع السلم تحت النافذة ترك الجزيرة على زورقه و ذهب الى جزيرة خيوس حيث سيقيم اسبوعا أو اسبوعين عند صديق له .
طرأ بعض التغيير على ليون و أصبحت حياة تارا اكثر بهجة قليلا .
صحيح انها ما زالت تحلم و تخطط للهرب لكن المراقبة عليها أخذت تخف .
- هل تشعرين بالأستقرار الآن ؟ تبدين لي اكثر انشراحا .
كان الجو بينهما جو إلفة و تقارب و هذه هي الساعة الأولى التي امضياها مستمتعين بالسباحة دون أي توتر اعصاب .
نظرت اليه باهتمام كبير و ابتسمت استجابة لابتسامته التي اعطتها انطباعا بأنه ربما بدأ بالاهتمام بها او ربما وقع في حبها .
- اعترف بأني اكثر ارتياحا الآن .
قالت ذلك مقتنعة بأنه يحب سماع شيئ من هذا القبيل دون ان يمنعها ذلك عن التفكير في طريقة للهرب .
كان في تلك الاثناء ينظر الى شعرها و وجهها و شكلها و يعجب بلون بشرتها التي اكتسبت لون الدراق العسلي . و علق على كلامها قائلا :
- انا مسرور بما تشعرين . تستطيعين ان تجعلي من حياتنا نعيما لو انك أقررت بالأمر الواقع و هو انك زوجتي مدى الحياة .
- و استسلم لك كسيد مطاع ؟
لم يعجبه جوابها الذي خرج من فمها كالسهم .
- لا أريد ان اسيطر عليك ، و لكن اذا أثرت غضبي فستلاقين ما لا يعجبك .
لم يعد الجو منسجما بينهما . تبلبل فكرها و أخذ قلبها ينبض بسرعة و قالت و هي تجفف رجليها :
- قولك بأنك لا تريد السيطرة علي يبدو شاذا على سمعي يا ليون ، اذ ان اعمالك و تهديداتك المتكررة تناقض اقوالك .
- انت دفعتني الى معاملتك بهذا الشكل . و ...
لكنها قاطعته و قالت :
- قاومتك عند ما كنت تلتهمني بنظراتك الآن هل تتوقع غير ذلك من المرأة ؟
- انت امرأتي و لي حقوق الزوج .
نبرة الأمر و النهي لم تتغير . و رأت نفسها عاجزة عن الرد عليه منطقيا و لم تدر سببا لذلك .
- انا امرأتك بالاكراه ، و لا افهم قولك بأن لك حقوقا علي .
- كل الرجال لهم حقوقهم على زوجاتهم .
- كلا ، ليس كلهم .
هزت رأسها بقوة و قالت بحزم :
- فقط اولئك الذين لم يتمدنوا يفرضون تلك الحقوق .
- تقولين اني لم اتقدم في الحياة ؟
توقعت ان يقول أشياء أشد إيلاما من ذلك .
و لما رأت تعابير وجهه ظنت انه لا يرغب في الاساءة اليها .
- في كثير من طرقك انت تطبق المدنية الغربية و لكن مواقفك من النساء و الزواج ما زالت متأخرة . و في رأيي انك لن تجد سعادتك الزوجية إلا في زوجة يونانية مثلك تأتيك من القرى النائية حيث التقاليد ما زالت قائمة .
كان صوتها و هي تتكلم رصينا و معتدلا .
و رأت و هي تتطلع في عينيه السوداوين انها تحبه و انها تكون سعيدة معه لو عرف ما تريده منه .
و ليون لا يختلف عن كثير من الرجال الذين يفضلون الحب على الرغبة .
و كمعظم الرجال لا يفهم ان المرأة لا تستطيع فصل الأثنين .
و هذا هو أحد اسرار الطبيعة الغامضة ... و هو ان الرجال و النساء يختلفون في نظرتهم الى الشيئ نفسه .
فالمرأة تشعر بالحاجة الى الحب لترتمي في أحضان الرجل و الى مبادرة الرجل لها بالشعور ذاته .
و كما لو كان ليون يقرأ ما في فكرها قال :
- بما اني متزوج الآن فلا أرى كيف استطيع ان اتزوج فتاة يونانية من تلك القرى النائية التي ذكرتها .
- تأكد يا ليون اننا لن ننهي أيامنا معا .
كان صوتها حزينا ، و لما لم يعلق بشيئ قالت :
- في اليابان القديمة كانت المرأة تؤكد على حب الرجل لها قبل ان تقبل به زوجا .
و لذا كان الرجل يرسل اليها في صبيحة اليوم التالي ما يرمز الى حبه لها ، و اذا لم تتسلم هذا الرمز فلن يكون زواج أو اية علاقة بينها و بين الرجل .
فتح ليون عينيه على وسعهما استغربا و قال :
- لا اصدق هذا .
- اعرف انك لن تصدقه .
شعرت تارا بمرارة في قلبها .
و اغتاظ ليون بسبب ما قالت و لم يعلق بشيئ ، بل نهض و تركها .