الفصل 10
مواجهة المرأة الأخرى
كانت تارا واقفة بين الشجر على بقعة مرتفعة من الحديقة و هي تنظر الى الميناء لعلها ترى زوجها عائدا من اثينا .
و وصلت الى سمعها اصوات اجراس الماعز و نهيق الحمار يصعد لاهثا على طريق معبدة بالحجارة .
رأت تارا زورقا كبيرا قد يكون زوجها أحد ركابه .
ها هو يخرج من الميناء و في يده حقيبة و يتجه نحو الطريق المتعرجة و الكثيرة الانحدارات بين الفيللات التي هي زينة جزيرة هيدرا الصغيرة .
لوح ليون بيده عندما رآها واقفة هناك .
و ردت له التحية بمثلها و في نفس الوقت شعرت بضيق في صدرها بسبب ما هي عازمة عليه ، و كذلك بالشوق الى نزواته الغريزية .
و تمنت لو انها تفهم موقفها من هذا الرجل الذي يسيطر عليها سيطرة تامة .
تكره هذا الرجل ، و الفكرة المتسلطة عليها هي ان تفلت من بين يديه ... و مع ذلك ... كان قد ألمح لها قبل سفره بتأثيره الطاغي عليها و بقوة انجذابها اليه و استسلامها الكلي لانفعالاته .
فكانت تحتار في امرها :
أهي الرغبة التي تستولي عليها ؟ أهي منحطة الى هذا المستوى العاطفي الذي امتلك قلبها و عقلها ... و حتى روحها ...
وطرد منها كل شيئ آخر ؟
هذا هو سجنها الحقيقي لا البيت الذي تعيش فيه .
و ما هي آخرة هذا السجن غير النكبة و العار ؟ كانت فتاة مثالية تضع الحب و الاهتمام بالناس فوق كل شيئ ... الى ان التقت بهذا الوثني اليوناني الذي همه الوحيد تعليمها دروسا في الرغبة من مختلف نواحيها .
- كم هو جميل ان ارى زوجتي تنتظرني . بالطبع شعرت بفراغ اثناء غيابي !
قال ذلك و ابتسامته الساخرة لا تفارق شفتيه .
توترت اعصابها و اصطكت اسنانها .
لماذا يتهكم عليها ؟
دارت على نفسها و اتجهت نحو البيت و هي تقول :
- صدف خروجي الى هنا لاني مللت من البقاء داخل البيت .
لحق بها و امسك بيدها و لم يستمع الى أنتها الخافتة :
- كيف كنت تمضين وقتك في غيابي ؟
- في القراءة و حمام الشمس ، و من ثم القراءة و حمام الشمس . وكنت اتناول وجبة طعام بين كل قراءة و حمام شمس و احيانا اتسلى بمراقبة سجاني و اتساءل ما قد عساهم يفعلون لو اني هربت .
- انهم يسبقونك في الجري .
- من يدري ... قد اتسبب لهم بلحظات يلهثون منها .
- و انت يا طفلتي ستسببين لنفسك لحظات تتألمين منها اذا لم تغيري مزاجك هذا . توقعت ترحيبا حارا فاستقبلتني ثعلبة صغيرة لسانها طويل .
صمتت و توجهت بافكارها و عينيها نحو اشياء اخرى تشغلها .
فأخذت تتطلع الى الاشجار التي تذهب الشمس اوراقها و الى الازهار الكثيفة حول النافورة و الفراشات التي تطير من زهرة الى زهرة .
وعن بعد رأت رعاة الماعز في التلال و الطرقات المؤدية الى الميناء الهادئ حيث صيادو السمك يصلحون شباكهم .
وانصتت الى اصوات الجنادب بين اشجار الزيتون و الى حفيف اوراق الشجر عندما يداعبها نسيم البحر .
كانت سعيدة بهذه اللحظة و هي تسير الى جانب زوجها لأنه لم يقطع عليها تأملاتها .
سيكون له الوقت الكافي ليشبعها من صوته !
- اصعدي معي و افرغي حقيبتي و اخبريني بما كنت تفعلينه في غيابي .
لم يطلب مساعدتها بل اعطاها امرا قاطعا .
- قلت لك ما كنت افعله .
- لم تفعلي شيئا آخر ؟
كانا امام باب غرفتهما و كان ممسكا بمقبض الباب و هو ينظر اليها مليا .
- كان يجب ان تعطيني وعدك ، و ستعطيني اياه في نهاية الامر .
خفضت عينيها لتتجنب نظراته الحادة .
كانت تفكر في وعد نيقولاوس لها بابعادها عن الجزيرة في فرصة مقبلة .
وضع ليون حقيبته على ارض الغرفة و قال :
- تعالي الي !
ذهبت نحوه طائعة مفضلة ذلك على الهرب و من ثم الوقوع في قبضته الحديدية .
- و الآن عانقيني !
اطاعت و عانقته و لكن ببرود .
عندئد شدها اليه شدا عنيفا و آلمها .
- لم تتعلمي بعد . اعتقدت انك تحققت من اني سيدك !
- اكرهك ، اكرهك ، هل تسمع ؟
- اسمع و كل البيت يسمع . اما تكرار عباراتك فليس فيه اقناع . و انت تعلمين انك في اعماق قلبك لا تكرهينني يا تارا .
مسكين . كم هو واثق من نفسه ، و أي درس سيتلقنه اذا هي هربت منه !
رفعت عينيها فالتقتا بنظرته السوداء الجشعة بينما كانت يده تتلمس اذنها و رقبتها و كتفها .
- انت تكرهين فكرة خضوعك لأوامري و اعتبارها قانونا ، و لكنك لا تكرهينني . و انا مقتنع كل الاقتناع بأنك وصلت الى المرحلة التي تشعرين فيها بأنه لايوجد كره حيث يوجد لذة بيننا نحن الاثنين .
أشاحت بوجهها عنه و هي عازمة على ان تكرهه مهما كلف الامر .
- هذه مجرد رغبة و هي لا تدوم الا لحظة وقوعها .
لم تعلم كيف قالت ذلك ، الا انها تابعت و هي تنظر اليه الآن :
- انت تفهم ما أعنيه .
- نعم ، انا افهم ما تعنينه يا تارا .
- كما قلت ، انه ذو مفعول حال وقوعه و ليس بعد وقوعه .
- افهم مما تقولين ان الغرام او ما تسمينه بالرغبة تقتل التعقل ، اليس كذلك ؟
- هذا صحيح .
- و انا اوافقك الرأي . و من الطبيعي ان تعيق الرغبة قوى الادراك ، و لا يستطيع المرء ان يتحكم بعقله عندما تتحكم به ...
- كفى ! تعقل ! الا يوجد شيئ آخر تتكلم عنه ؟
افلتت منه و ركضت الى الطرف الآخر من الغرفة .
- كنا نناقش فقط قدرة المرء او عدم قدرته على استعمال عقله في حالات كهذه.
- كنا نتكلم عن كراهيتي لك يا ليون ! ربما لا اكرهك في ذلك الظرف بالذات ... و لكني اكرهك دائما بعد ذلك ... و أنصحك بألا تتحامق ، لأنك مهما حاولت اقناع نفسك او غيرك ، فإنك ستكتشف خطأك في نهاية الأمر .
- ماذا تعنين بذلك ؟ اذا كنت ناوية على القيام بشيئ يا تارا ، فإني انصحك أن تتذكري ما قلته مرة : لم يحدث ان حصل شيئ دون معرفتي .
و لكن قد تأتي لحظة تفاجئه .
على أية حال ، يجب ان تنتبه الى ما تقول فإنها كادت ترتكب هفوة لا تغتفر .
- كلامك غير واضح . ماذا استطيع ان افعل و حراسك يراقبون كل حركاتي ؟
حاول ان يقول شيئا و لكنه عدل .
تركها و لم تره بعد ذلك الا في ساعة متأخرة من النهار .
كان أول موضوع تكلم به في صبيحة اليوم التالي موضوع الوعد . فقال بصوت خشن :
- من الافضل ان تعطي هذا الوعد ، و الا سأبقيك سجينة الى حين ولادة طفل لنا . و هذا أمر يزعجك اكثر مما يزعجني .
- هل يزعجك حقا ؟
- سأرافقك الى اثينا في المرة القادمة . شركائي يعرفون انني متزوج لذلك استغربوا زيارتي الأخيرة بمفردي ، و لا أريد تكرار ذلك اذ انه سيبدو غير طبيعي .
- هذا مفهوم .
- و لكنك لا تتفقين او تشعرين معي .
- و لماذا أشعر معك ؟
- هل ستعطيني هذا الوعد ؟
- كلا ، لأني لا أستطيع إعطاء وعد ليس في نيتي الوفاء به .
ازعجها هذا الأمر لأنه قد يؤجل رحلته الى اثينا اذا لم ترافقه .
و قال لها في السابق ان من عادته زيارة اثينا كل اسبوعين تقريبا حيث يمضي عدة أيام ، و يبدو الآن انه متردد في الذهاب بدونها .
و من الطبيعي ان يستهجن اصدقاؤه و شركاؤه غياب زوجته .
- هذا يعني انك تأملين في إيجاد وسيلة للهرب .
كان ذلك اثناء تناول الفطور حيث انتظر وصولها اكثر من ربع ساعة .
و لما دخلت نهض و قدم لها الكرسي و ابدى ملاحظة على مظهرها مبديا إعجابه به .
كان لباسها يتكون من بلوزة حرير لها اكمام طويلة و سروال بزرقة الياقوت .
كان شعرها يتألق و لا أثر للحزن في عينيها .
و ابدى لها هذه الملاحظة ايضا ، و لكن كل هذا الاطراء لم يؤثر فيها ، و عزت سبب ذلك الى أملها في ان يذهب ليون الى اثينا ليأخذها نيقولاوس الى بيراوس فتتحرر !
و من هناك تأخذ أول طائرة الى الحرية في انكلترا !
نظرت إليه و علقت على كلامه الذي فيه شيئ من القلق :
- انت تعرف اني لم اقطع الأمل في الهرب . و تأكد لك منذ البداية ان الهرب يسيطر على جميع حواسي .
برقت عيناه و صعد الدم الى وجهه .
- إذا هربت ستأخذين طفلي معك .
- سأهرب قبل ولادته ... لماذا تتكلم عن الطفل ؟ لن احمل جنينا في بطني !
انت تبدو متأكدا و ارجو ان تكون مخطئا ! تسببت لي في عذاب اكثر مما استطيع ان اتحمل . و لا أريد طفلا يزيدني عذابا على عذاب !
شحب وجهه فجأة و لاحظت التواء عرق في وجنته .
- ترضين بنصيبك !
- لماذا ارضى به ؟
و اضافت بحرارة :
- هل يرضى به أي سجين حاله مثل حالي ؟
- انت لي ، و كلما اسرعت في الأعتراف بذلك اسرعت سعادتك بالاقتراب !
- اني مللت من ذلك . هل يمكن نسيان هذا الموضوع ؟ لا أطيق الدخول في نقاش هذا الصباح .
لم يقل شيئا و تابعا تناول فطورهما ، و اتى ستاماتي بالبيض المقلي و الفطر ، و بعد خروجه سألت تارا زوجها :
- متى ستذهب الى اثينا ؟
حاولت ان يكون صوتها طبيعيا قدر الامكان .
- لماذا تسألين ؟
- لا لسبب . اتساءل فقط .
- سأطيل مكوثي هنا . و اريد وعدك لآخذك معي .
لم تعجبها هذه النتيجة .
يجب ان يذهب عاجلا ام آجلا ، و لكن متى ؟
لا يستطيع ان يهمل أعماله الى الأبد .
- اذن عليك ان تنتظر وعدي . و من المؤكد ان التزاماتك في اثينا لن تصبر عليك كصبري في إعطاء الوعد .
أخافتها نظراته و تشنجات وجهه و اخذت اعصابها تتوتر . يا إلهي ! دعه يذهب .
دعه يواجه مشاكل او مصاعب او أي شيئ فيضطر للذهاب !
- يبدو انك تستعجلين ذهابي . هل لديك سبب ؟
هزت تارا رأسها و لم تنظر الى صحنها . اضاف زوجها :
- تكونين مخطئة تماما إذا اعتقدت ان خدمي سيخاطرون بوظائفهم عندي اذا هم تهاونوا في مراقبتك .
كوني عاقلة و قدمي لي هذا الوعد .
احست باليأس يدخل الى قلبها .
و لكن ما عتمت بعد دقيقة ان واتتها فكرة أعطتها أملا جديدا .
و تكلمت متصنعة اليأس في صوتها و محاذرة ألا يكشف كلامها عن نواياها :
- قد أرغم في النهاية على اعطاء الوعد .
تنهدت بطريقة جعلته يصغي بانتباه و خفضت كتفيها حزنا .
و أضافت :
- كسبت كل جولاتك في معاركك معي يا ليون ، و لا أرى سببا يمنعك من ان تكسب هذه الجولة ايضا .
ارتجفت شفتاها و وضعت شوكتها و سكينها في الصحن كأنها فقدت شهية الأكل .
- أرى انك بدأت في التعقل . كنت اعرف انك تتقبلين الحقيقة في آخر الامر .
كان بادي السرور اذ ان شفتيه ابتسمتا و بدا الارتياح في عينيه .
نظرت في عينيه و ازدردت ريقها آملة ان يكون لاحظ ذلك .
و كل همها الآن ان تجعله يلاحظ ترددها في إعطاء الوعد . و ان يقبل بالفكرة التي توحيها إليه .
- لن تنال هذا الوعد الآن .
جعلت صوتها يرتجف ليدل على انها هزمت و تابعت تقول :
- انك لم تحطم إرادتي كليا بعد ... بالرغم من كل محاولاتك .
- ليست لدي اية رغبة في تحطيم ارادتك .
- لك كل الرغبة . كم مرة قلت لي انه يتوجب علي اعتبارك سيدا لي ؟ كم مرة حصلت مني بالاكراه على ما ترغب فيه ؟
- كل ما أريده منك هو ان تتوقفي عن معاكستي .
امتنعت عن المضي في الجدال و مضت بضع دقائق لم يقولا اثناءها شيئا .
و بعد ان جمع ستاماتي الصحون و ذهب بها الى المطبخ . قال ليون :
- اذا قبلت بمبدأ إعطاء الوعد فالأفضل ان تعطيه الآن . لم تزوري الجزيرة بعد و لم تري شيئا خارج نطاق الفيللا . انت حمقاء يا تارا .
- لا يمكنني إعطاؤه الآن . يجب ان اتروى ... امهلني قليلا .
طلبت الامهال بصوت كله توسل و رياء و فيه رنة لوم على عدم صبره .
كانت دائما صريحة و مخلصة معه و لكنها الآن و لأول مرة في حياتها تلجأ الى الخداع .
وافق ليون و هو يتنهد :
- حسنا سأمنحك مهلة .
و أضاف :
- أرى لا خيار لي غير ذلك .
فهمت من نظرته انه ما يزال يعتبرها عنيدة .
ليعتقد ما يريد شرط ألا يكشف نواياها .
ربحت هذه الجولة اذ قال لها بعد مضي عشرة أيام انه ذاهب الى اثينا .
- احب ان ترافقيني الى اثينا يا تارا . و الوعد ؟
- ربما اتيت معك المرة القادمة . اتمنى لك رحلة موفقة .
خجلت من نفسها لأنها كانت تخدعه . ولكن لم يكن لها خيار آخر .
- لو تأتين معي ستكون زيارة متعة ايضا . و ستعجبك اثينا بمعالمها و مشاهدها .
- سمعت عنها الكثير و سأزورها يوما .
- اذن تعالي معي .
كان صوته هادئا وطبيعيا جدا يخلو من لهجة الأمر او الغطرسة .
و لما رفعت عينيها و نظرت اليه أحبت فكرة مرافقته .
و لكن كان عليها ان تعده ، و الوعد يعني الوفاء .
و عندها يكون قد فات الأوان .
- المرة القادمة .
كانت في غرفتها عندما دخل و عانقها قائلا انه ذاهب .
- فيك الكثير لتقدميه لي .
و نظرت إليه و هو يهرول نازلا الى الميناء . كان رشيقا مليئا بالشباب و الحيوية في كل حركاته .
و أسفت لأنها ستحرم نفسها منه اذا هي تركته .
لن يتأخر نيقولاوس عن المجيء .
فقد زارها ثلاث مرات في الغياب السابق لزوجها .
و في كل مرة كانت تخشى ان يطلع احد الخدم ليون على ذلك .
و لكنها لم تقلق كثيرا نظرا للفارق الكبير بين طبقته و طبقة الخدم خاصة في بيت ليون .
و امضت بعد الظهر تتجول في انحاء الحديقة و هي تتطلع الى قدوم صديقها في كل لحظة .
ربما لم يكن نيقولاوس على علم برحيل ليون بعد .
او ربما عدل عن تقديم المساعدة لها معتبرا ان هذه المجازفة لن تفيده بشيئ .
حل وقت العشاء و لم يحضر ، و عندما كانت ستجلس الى المائدة دخل ستاماتي قاعة الطعام و أخبرها ان زائرة تريد السيد ليون .
- اسمها الأنسة فلورو يا سيدتي . ترغب في مقابلة السيد ليون ، لكنني قلت لها انه مسافر ، و هي موجودة الآن في غرفة الجلوس .
هذه إلين ! أتت لترى ليون ...
- أحتفظ بعشائي ساخنا يا ستاماتي .
وجدت إلين جالسة تحمل سيكارة بين اصابعها الطويلة الرشيقة .
حيتها تارا و هي معجبة بالوضع الرزين المحترم الذي تتخذه بسهولة .
- تريدين مقابلة ليون ...
- قال ستاماتي أنه متغيب . كان بودي محادثته في موضوع عرض الأزياء المقبل في اثينا . آسفة لأني لن اتمكن من رؤيته .
ذهب اليوم ؟
- نعم .
- سأراه عند عودته .
القت إلين نظرة احتقار على ملبس تارا التي لم ترى ضرورة في تغيير السروال و القميص الى لباس رسمي و هي وحيدة .
- لم ترغبي في الذهاب معه ؟
- أفضل البقاء هنا .
- كنت اعتقد انك تحبين ان تكوني برفقته .
- ربما رافقته في المرة القادمة .
جلست تارا و تمنت ان تسرع إلين في الذهاب . لا ترى دافعا لأن تطيل اقامتها ما دام الشخص الذي تريد رؤيته لم يكن موجودا .
- سيكون كثير الانشغال في المرة القادمة لأهمية العرض ، اذ سيأتي مشترون من بريطانيا و باريس و امريكا .
كانت تتكلم بترفع كأنها تحاول ان توحي اليها بأنها تعرف كل شيئ عن مؤسسة هيرا مقابل جهل تارا المطبق .
- اعتقد انك تعرفين اني النموذج الأول لليون .
- ذكر شيئا من هذا القبيل .
اضافت إلين بشيئ من الكبرياء :
- ليون لا يساوي شيئا بدوني .
- صحيح ... ؟
رفعت تارا حاجبيها استغرابا و تهكما و أضافت :
- و لكن لا يوجد انسان لا يمكن الاستغناء عنه !
تورد وجه إلين من الغيظ .
وضعت السيكارة بين شفتيها و سحبت نفسا و هي تسلط نظرها على تارا من خلال الدخان .
- هل علمت اني كنت مخطوبة الى ليون ؟
فوجئت تارا بهذا القول و قالت :
- هذا قول لا يعاد أمام زوجته . ألا تظنين ذلك ؟
لم تتأثر إلين بهذا بل ثبتت نظرها على تارا التي كانت توشك ان تبكي .
- أنه تخلى عني بطريقة غير لبقة و الكل يعلم بالأمر .
و استغرب انك تجهلين ذلك .
بقيت نظراتها الثابتة مسلطة على تارا التي كانت تعتقد ان إلين تتكلم بهذه الطريقة مدفوعة بغريزتها الأنثوية أو لأنها تحسدها على كونها زوجة ليون .
- لا أعرف كيف التقيتما أو كيف تزوجتما ، و لكني اعرف انه تزوجك في نزوة غضب أو حقد . و كنا قد تشاجرنا قبل ذلك ، و لكن شجارنا لم يكن ذا بال . غضب لأنه اعتقد اني ...
توقفت فجأة كأنها غضبت من نفسها لأنها كشفت الكثير . و لكنها اضافت على الفور قائلة :
- هذا هو ليون ، مندفع ، متقلب .
هزت تارا رأسها و قالت :
- زوجي ليس مندفعا . لماذا تقولين ذلك ؟
- بسبب قصر المدة التي تزوجتما فيها .
سحقت إلين طرف السيكارة في المنفضة .
و مدت يدها لتأخذ واحدة من علبة سكائر ذهبية امامها و قالت :
- لم يتسع له الوقت الكافي ليتعرف عليك بما فيه الكفاية .
تجاهلت تارا هذا التعليق ، و لكن إلين اصرت على معرفة ذلك فسألت :
- كم طالت مدة التعارف بينكما ؟
- لا يهم ان يعرف الناس طول مدة تعارفنا .
- انه لا يحبك ... لا ، لا تقاطعيني ! لو كان يحبك لأخذك معه . غاب عنك مرتين و لم تكوني معه في أيهما .
و نظرت إلين الى تارا بإمعان ثم أضافت :
- كان من المستحيل ان يسافر دون أن يأخذني معه عندما كنا مترافقين .
- كان في امكاني الذهاب معه ، لكني فضلت البقاء هنا .
- هذا يعني انك لا تحبينه ايضا . هل تزوجته من أجل ماله ؟
كاد الغيظ يخنقها .
تأكد لتارا ان الغيرة تقتل إلين و لا تبالي بما تقول .
وقفت تارا و قالت و هي تشير بيدها الى الباب :
- بما انك اتيت لتقابلي ليون ، فأنا متأكدة انك لا ترغبين في البقاء اكثر من ذلك .
ان عشائي ينتظرني . و سأعلم ليون بأنك اتيت و قد يتصل بك تلفونيا .
بلعت إلين هذه الاهانة و وقفت بكل رشاقة فاتجهت نحو الباب و هي تنظر الى تارا نظرة احتقار .
و كانت تجيبها بثقة اكثر منها تحية عندما قالت :
- طابت ليلتك .
- و ليلتك يا آنسة فلورو .
رافقتها تارا حتى الباب الأمامي رغم وجود ستاماتي ليفتحه لها .
- عشاؤك جاهز يا سيدة ليون .
- اشكرك يا ستاماتي .
نظرت تارا اليه و رأت الدهشة و الاستغراب اللذين لاحظتهما في عيني كليانش عندما قدمها ليون على انها زوجته . و تذكرت كلمات كليانش حينذاك :
- زوجتك يا سيد ليون ؟ و الآنسة ... ؟
كاد يلفظ اسم إلين و لكنه توقف في الوقت المناسب .
كان كل خدم ليون و جميع سكان هذه الجزيرة الصغيرة يعرفون العلاقة المتأصلة بين ليون و نموذجه إلين ، و كلهم كانوا يتوقعون ان يتزوجها .
هل يهتم ليون بها ؟ يصعب ان تصدق تارا ان ليون يهتم بأحد غير نفسه .
الحب شيئ يكاد لا يعرف منه شيئا .
*