الفصل 5
الفريسة
اتى الى غرفتها كما كانت تتوقع .
و لكن اثناء الفترة التي مرت بين ما قالته في الصالة بأنها تريد ان تتزوجه و بين الانتهاء من تناول الطعام عادت تارا الى رشدها .
اقرت بأن اليوناني بخبرته الواسعة بالنساء قد يشعل فيها انفجارا يدمرها تدميرا تاما .
استفاقت تارا و عاد اليها منطقها و سلامة تفكيرها .
و فيما هما ينتظران القهوة في غرفة الجلوس كانت قد اتخذت جميع الاحتياطات لاعلان الحرب عليه مرة ثانية .
فاستعادت رزانتها و كرامتها .
اقرت داخليا بضعفها امام وسائله و اساليبه و لكنها عزمت بكل جد على الا تقع فريسة له .
و ستحاربه على طول الخط و تتحكم باندفاعاتها العاطفية قدر الامكان .
كان وجهها شاحبا و لكنها كانت متزنة عندما فتح الباب . و رأت ليون واقفا بقامته الطويلة و لون بشرته الاسمر و عينيه السوداوين النفاذتين و ابتسامته التي لا تخلو من دلائل النصر و التهكم .
- لست جاهزة لاستقبالي ؟
كان كلامه هذا طلبا اكثر منه استفهاما .
- هل تريدينني وصيفا لك يا سيدتي العزيزة ؟
رفع حاجبيه و هو يسألها ثم اغلق الباب .
و بالرغم من تصميمها على المقاومة تأثرت بوجوده المغناطيسي .
ماذا عمل لها ؟ كيف يمتلك اي رجل مثل هذه القوة ؟ هل كل امرأة يلتقي بها تقع ضحية له ؟
- انا ... انا غيرت رأيي في الزواج منك .
و دهشت لهدوئها و هي تتكلم .
- لا اعرف لماذا اتيت الي ، لكن ...
فقال بصوت منخفض :
- تارا ، كفاك كلاما طفوليا . آن الآوان لكي تعترفي بالأمر الواقع بعد كل الذي حصل هناك منذ ساعة . لو اني حملتك الى السرير في حينها لكنت ملكا لي الآن .
- ملك لك ؟ النساء اليونانيات ملك لأزواجهن ، اليس كذلك ؟
اجابها بهدوء :
- المتزوجات منهن طبعا ، و هذا ما يجب ان يكون .
- من يتظاهر بالبعد عن الحقيقة ؟ انت تعرف الغرب حق المعرفة كما تعرف اليونان . لكن الأمر يختلف في الغرب .
- هل تتوقعين المساواة بين الزوج و الزوجة ؟ لا مساواة بيننا يا تارا . انا سيد بيتي و كل شخص ... حتى امرأتي ... يعرض نفسه للخطر اذا تناسى ذلك .
تكلم بدون هياج ولكن بلهجة السيد .
و لكنها قالت متعبة :
- ارجوك ، اذهب . اريد ان انام .
- هل انت متعبة ؟
لم يبد عليه و هو يتكلم انه كان متأثرا او غير متأثر و لم يفصح وجهه عن اي شعور داخلي .
- نعم ، متعبة .
- تكونين متعبة ايضا لو كنت في شهر العسل ؟
لم يمض على اختطافها من خطيبها الا بضع ساعات .
اخذت تبكي مرة اخرى . كانت هذه الليلة ...
- اذهب عني ! اني اكره وجودك هنا ، وجهك ، كبرياءك اليونانية الفاسدة .
اخرج ! اخرج !
وبدل ان يخرج مشى نحوها و هي تتراجع حتى وقفت عند السرير .
- هل خاب ظنك ؟ هل الأمر كذلك ؟ لكن لا لزوم لكل هذا .
قاطعته مذهولة :
- خاب ظني ؟
- اي انك محرومة ... من رفيق يطارحك الغرام منذ اسابيع . مررت بهذه المحنة مرة او مرتين . يشعر الانسان انه مهزوم عندما لا يحصل على ما يشتهي .
اقترب منها قليلا ثم توقف . فقالت لتكسب بعض الوقت :
- يبدو انك تعرف .
- طبعا اعرف . و النساء لا يعرف لهن قرار . كثيرا ما يوافقن و من ثم يرفضن . طبعا ، كل رجل يعرف قيمة نفسه يقبل هذا الرفض على انه تحد له ، و لكن احيانا لا قيمة لتحد من هذا النوع .
فهمت من نظرته اليها انه يهزأ بها ولذا قررت ان تلزم الصمت .
و اخذ يقترب منها على مهل .
- كما قلت لك ، لا لزوم لأن تشعري بالحرمان . تأكدي من أني سأكون احسن بديل لعريسك . و بالفعل ، في سرك تفضلينني عليه .
- انت متغطرس و متكبر و وثني !
كان يلامسها تقريبا و فاحت منه رائحة حلاقة طرية كأريج الصنوبر بعد المطر .
رفع يده و توقعت ان يصفعها الا انه رفع ذقنها الى اعلى و عانقها .
- تبدين جذابة جدا عندما تغضبين لذا اريد ان اطيل مدة غضبك . و مع ذلك ايضا اريد ان اذلك . انت مثيرة يا تارا كما كنت في اول لحظة و قعت عليك عيناي .
و قالت بعد فترة :
- ارجوك ، اذهب .
- انت وعدت ان تتزوجيني و لا أرى ضرورة للانتظار و يمكننا ان نبدأ شهر عسلنا الآن ...
- كان ذلك منذ ساعتين عندما وعدتك بالزواج .
اخافتها نظرته التي كانت تأكلها اكلا و هي تجول من رأسها الى عنقها و صدرها .
لكنها اضافت :
- غيرت رأيي . لن اتزوجك ابدا !
احمرت عيناه و زفر من انفه فذكرها بحيوانات مفترسة تتأهب للهجوم على فريستها التي ترتعد من الخوف . كيف وقعت في هذا المأزق ؟
هذا يحدث للغير فقط و يقرأ الناس عنهم في الجرائد .
يشفقون عليهم ثم يلقون بالجريدة جانبا و ينسون كل شيئ .
و لم تحلم تارا مطلقا ان هذا سيحدث لها ذات يوم .
و لابد ان الناس يقرأون عنها في انكلترا ، يقرأون عن العروس المختطفة و هي في طريقها الى حفلة الزفاف تحت عناوين ضخمة على الصفحات الاولى .
سيطالعها القراء باهتمام كبير و هم يتناولون طعام الافطار .
و تصورت ديفد الذي يكون قد جن من الحزن ، و لكنها سرت لأنها وحيدة لا اهل لها .
- ستتزوجينني و ستسرين بهذا الزواج .
طرد صوت هذا الرجل من افكارها كل شيئ ... الناس و الجرائد و ديفد و حل محلها ، و سمعته يدللها و يغنجها بنعومة :
- تشجعي و استرخي و تقبلي ما اقدمه لك ، و سترين ان متعتك معي ستفوق بكثير متعتك مع الرجل الذي كنت ستتخذينه زوجا لك .
- اتركني ! اذهب ! لا استطيع التفكير ! الا ترى ان قلبي تحطم ؟
- القلوب لك لا تتحطم . بحق السماء ، تخلصي من تعلقك بحب العذاب ! هذا من وحي خيالك فقط !
- لا قلب لك و هذا هو سبب عدم فهمك لوضعي .
- لكني افهم كيف سأجعلك تنسين ...
و بحركة خاطفة ضمها اليه و ارقد وجهه على وجهها .
جمعت كل قوتها لتقاومه و مع كل بادرة للمقاومة كان يتشدد في عناقه .
و تسارعت نبضات قلبها .
- مازلت تقاومين ، ما هذه القوة التي فيك ؟ و كلما زادت مقاومتك كان انتصاري افضل .
و عندما رفع عينيه في وجهها ...
احمرار الخوف و اضاف :
- قلت انك غيرت رأيك بصدد زواجك مني ، و لكنك لن تغيريه ، اليس كذلك ؟
في هذه الاثناء لمست يداه شعرها فشعرت بالفرح يسري في كل جسمها .
نسيت كل شيئ و اصبح ديفد بعيدا عن فكرها بملايين السنين .
و اعاد ليون سؤاله :
- هل غيرت رأيك يا قطتي الصغيرة ؟
رفعت رأسها و اجابت بصوت لا يخالطه الشك :
- كلا يا ليون ، لم اغير رأيي في الزواج منك .
- اتريدين ان تتزوجيني ؟ قولي .
- اريد ان اتزوجك .
كان الآن يلتهمها بنظراته .
- جميلة انت حقا !
و هنا تصورت تارا في موقف يشبه تماما موقف غيرها من النساء امامه .
قرفت من هذا المنظر.
فكم عدد النساء اللواتي كان ينظر اليهن هكذا ؟
تصورت تلك النسوة و هن واقفات امامه كما هي واقفة الآن ، يسيطر عليهن و على حواسهن بقوة الرغبة .
و فجأة تراءى لها ديفد اللطيف ، و تراءت لها غرفة النوم في الفندق حيث كانت ستذهب اليه بارادتها لو انها تزوجت به .
ارتجف جسمها ... و هطلت الدموع من عينيها بعد ان حبستها كل تلك المدة .
- ما بك ؟
كان بكاؤها هذه المرة نحيبا جنونيا .
هزها ليون من كتفيها و صرخ في وجهها :
- استجمعي قواك . تحملت الكثير و لكن هذا افضل شيئ . منذ لحظة كنت سعيدة و الآن تبكين كالبنت الصغيرة .
فركت عينيها و رأت وجهه في ضباب .
لاحظت ان هياجه لم يعد كالسابق ، فقد خمد ، لكنها قد تكون مخطئة .
و عندما تكلمت كان صوتها ناعما ذا نغمات حلوة تماما كما كان ديفد يحب ان يسمعه :
- الم تفهم موقفي بعد يا ليون ؟ كان من المفروض ان يكون اليوم بداية شهر عسلنا انا و ديفد ، الشهر الذي لن ينساه كل محب طيلة ايام حياته مهما تبع ذلك من ملذات او احزان .
كانت عيناها الدامعتان الجميلتان تتوسلان اليه .
- و بدلا من ان اكون معه في اول ليلة من شهر عسلنا الذي كنت انتظره بفارغ الصبر اراني هنا في قبضة رجل متسلط لا يحبني .
رجل حول يوم زفافي الى سواد و يأس و شقاء ، رجل حرمني حتى من فستان عرسي الذي رماه في البحر ... هذا الفستان الذي تحافظ عليه كل امرأة كما تحافظ على كنز .
و هذا شيئ لا تستطيع ان تفهمه يا ليون ...
خنقها البكاء و لم تستطع متابعة كلامها.
و لكنها قالت بعد فترة :
- لن اكون صادقة اذا قلت انك لا تغريني وتغويني و تجبرني على قبول او قول اشياء لا اعنيها ... مثل ... قبولي الزواج منك .
ونظرت اليه متوسلة مرة ثانية الى وجهه الذي كان عابسا الآن و لكن خاليا من القسوة .
و لاحظت عصبا في عنقه يخفق كأنه يتأثر بالكلام او يبلع ريقه .
و تابعت حديثها :
- هل تصدق اني جادة عندما اقول اني اريدك زوجا ؟ انا احب شخصا آخر . ... كلا ، لا تغضب ، اتوسل اليك الا تغضب من جديد . ليست لي القوة الكافية لأتحمل .
لم اعد اتحمل . الا ترى ذلك ؟
اطمأنت قليلا عندما رأت وجهه يدل على زوال غضبه .
كان يصغي اليها بكل انتباه .
- ان قلبي يتحطم سواء آمنت بذلك ام لم تؤمن .
هنا ، هنا يا ليون ! انه يؤلمني ...
دلت على قلبها باصبعها وظل ليون مسحورا بمشهد اصبعها المرتجف و هو يلمس صدرها .
و توسلت اليه ثانية :
- لا تؤذني اكثر من ذلك . ارجوك . اتركني و اذهب عني ، اذا كانت لك ذرة من الشعور .
وقف و تناول عباءة خفيفة ساعدها على لبسها .
لم تدر ما تقول من شدة الدهشة . استدارت بعد ان ألبسها إياها و اخذ يرتبها على جسمها .
وضع يديه على كتفيها بكل لطف و نظر في عينيها اللتين ما زالتا تدمعان .
لم تفهم ما في عينيه السوداوين . كل شيئ في هذا الرجل غريب .
مد اصبعه برشاقة و ازال دمعة عن وجنتها و قال :
- استريحي قليلا اذا استطعت يا تارا ، و آمل ان تكوني احسن غدا .
ليلة سعيدة يا طفلتي ، و حاولي الا تبكي .
فتح الباب و خرج تاركا اياها متعبة ، ضعيفة و في حالة عقلية كانت تفضل عليها الموت .
لم تنم تلك الليلة . و بالرغم من حزنها و تعاستها كانت تتوقع ان يسوء وضعها اكثر من ذي قبل .
و ليون الذي ما زالت تعتبره وحشا مفترسا لم يحاول الاعتداء عليها بل توقف عند حد لم تكن تتوقعه .
كانت طيلة الليل تفكر على صوت محركات الزورق بعدة اشياء .
منها ما يتصل بعضه ببعض و منها ما ليس له معنى .
الا ان شيئا واحدا كان واضحا كل الوضوح و حيرها كثيرا هو سلوك ليون .
* * *
تحولت بأفكارها الى ما كان سيحصل لولا اختطافها .
فكرت في حفلة عقد القران و قرع اجراس الفرح و تجمع النساء و الاطفال ليشاهدوا العروس الجميلة و ذراعها في ذراع عريسها .
هذه اجمل ساعة في الحياة عندما يأتي الجميع ليشاهدوها هي لا غيرها في يومها المجيد ، اليوم الأوحد الذي تعيشه العروس مرة واحدة في العمر . تصورت الموائد الممدودة في احسن فندق بالمدينة .
تصورت المصور و هو يأخذ صورتها بينما تقطع كعكة العرس .
و سجل معاملات الزواج الذي كانت ستوقع اسمها فيه .
تبادل الانخاب و التهاني و التمنيات بالسعادة و الرفاه و البنين .
تصورت سو تساعدها على تغيير ملابس العرس الى ملابس السفر .
و السيارة التي كانت تنتظرهما لتأخذهما الى المطار حيث يستقلان الطائرة الى اسكوتلاندا ...
لقضاء شهر العسل هناك ... فكرت في ديفد و في حالته النفسية و افكاره و قلقه .
هو الآخر قد يكون متمددا مثلها في فراشه يتصور ما كان سيحصل .
في تلك اللحظة صرخت تارا تناديه في ظلام سجنها ... ارادت ان تقول له روحا لروح انها تحبه و انها ستحارب لتعود اليه .
و الشيئ الآخر الذي كان واضحا ايضا هو مشكلة الهرب .
لأنها تعتقد ان ليون لن يحتفظ بها سجينة مدة طويلة .
و قد بدأت تقبل بفكرة زواجها منه و تعرف انه اذا خيرها بين ان تكون زوجته او ان تكون امرأته سرا فانها ستقبل بالخيار الاول .
و بدا لها الآن انه مكتوب عليها ان تتزوجه ... و مع ذلك فانها ستهرب .
و ملأها الأمل في ان تستطيع الهرب قبل الزواج و لكن املها هذا لا وجود له نظرا لأساليبه المنيعة التي يستعملها لابقائها في قبضته .
اتى صباح اليوم التالي و وجدها تنتظر .
عبس عندما نظر الى وجهها .
- انك لم تنامي .
كان بلباس بحري جميل و سترة زرقاء عليها صورة مرساة عند جيب الصدر .
نظرت اليه تارا و لم تستطع التوفيق بين هذا الرجل الانيق الهادئ الواقف امامها و بين الوحش الآخر فيه .
- كلا ! و من الطبيعي الا يغمض لي جفن .
رأت شيئا يتحرك في عينيه و عصبا يخفق في عنقه و لكنها لم تحاول تفسير ذلك .
امسك بيدها و قال :
- في اليونان قول مأثور ... و تعرفين ان قدماء الاغريق كانوا فصحاء في ايامهم .
ظلت تنظر اليه و هي لا تفهم اين اختفت غطرسته و سخريته اللتان كثيرا ما اذلتاها .
- ما هو هذا القول ؟
- نتشاجر احيانا ثم نتوافق .
فلنتوافق كلانا يا تارا فنرتاح .
ارتعشت شفتاها لهذا التغيير المفاجئ و للطف عينيه و اقتراحه الرقيق .
انزاح عن صدرها شيئ من تعاستها بسبب كل هذا .
- انا ... اعني ... طبعا اذا كان هذا ما تريد .
- هذا ما اريد . تأكدي من ذلك . هل نختم ذلك بخاتم العناق ؟
عانقها و لكن عناقه هذه المرة كان ناعما و لطيفا و كله رقة .
شعرت بشيئ يؤلمها في صميم قلبها و لم تعرف له سببا . و احست ان بامكانها ان تتقرب اليه لو انهما التقيا في ظروف غير هذه .
- لا افهمك . انت مختلف هذا الصباح .
رأت عينيه تفكران ثم تعبسان . كان في صراع مع احساساته المتناقضة .
- لأول مرة في حياتي لا افهم نفسي يا تارا .
بدا غاضبا من نفسه . و قال منزعجا :
- هل انت جاهزة لتناول الفطور ؟ و لا تقولي انك لا تشعرين بالجوع .
و حذرها بلطف :
- و الا اجبرتك ان تأكلي سواء شئت ام ابيت .
رافقته طائعة . و ارتاحت لهذا التحول الذي جعلها تشعر لأول مرة بانها في امان .
لم يغير ليون موقفه و بقي مخلصا لوعده .
و كان كل ليلة يتمنى لها ليلة سعيدة و يتركها مطمئنة .
و احيانا كان ينظر اليها منتقدا حزنها و كآبتها اللذين لم يختفيا بعد ، و مرة غضب لأنه كان يريدها ان تبتسم .
فكانت تبتسم احيانا و تقول ان الابتسامة لا تغير شيئا من حالتها او شعورها .
- انت عنيدة يا تارا . و ايا كان رأيك في قولي ، فقد انقذتك من زواج كان سيتحول الى كارثة .
- انت لا تعرف الشعور بيني و بين ديفد .
- انا اعرف اي رجل يعجبك .
- لن تكون انت هذا الرجل في كل الأحوال .
- سترين كيف ان زواجنا سيعطيك لذة لا تتصورينها .
قالت ببرود :
- ارى انك لم تتغير .
- فيما اتغير ؟
كانا واقفين على ظهر اليخت في لباس السباحة .
- ظننت انك قد تعيدني الى بيتي .
- لا تحلمي بذلك . انا اريدك و تحملت الكثير لأحصل عليك . انا من نصيبك و انت من نصيبي لتكوني أما لأولادي ...
- كلا ، لا اريد اولادك !
لاحظت الغضب في عينيه . و لم تستطع النظر الى تلك العينين النفاذتين فخفضت عينيها و بدأت تتصور رسوما و صورا تتراقص على الخشب حيث كانت واقفة .
- بالرغم من اي شيئ آخر سأعطيك اولادا و هذا ما قررته ، اذ ان حياة زوجية بلا اولاد ينقصها عنصر حيوي مهم .
- مهم ؟ و ما هو المهم فيه ؟
صحيح ان صوته كان جافا و صارما الا انه عنى شيئا قد يكون مهما .
وكانت تود ان تفهم هذا الشيئ .
- مهم لنجاح الحياة الزوجية .
هل كان ينوي ان يقول انه مهم لسعادة الزوجين ؟
- الا تعطي السعادة الزوجية اهمية اكبر ؟
و بعد ذلك لم يتكلم كلاهما . فيم كان يفكر ؟ توترت اعصاب تارا وظنت انها قد تكشف شيئا من اعماقه ، و لكن هذا كان ظنا عابرا يجب ان تنساه .
- سنصل جزيرة كورفو غدا ، و سأنزل الى البر لآتي بصديقي الكاهن كي يقوم بمراسيم الزفاف .
انكمش قلبها و سرت قشعريرة في جسمها .
وقالت و هي تشعر بجفاف في شفتيها :
- لم تقل لي اننا نقترب من كورفو .
- لا حاجة بك لأن تعرفي . اعرف انك تأملين في اغتنام الفرصة للهرب كلما توقفنا في احد الثغور بقصد التموين . و اعتقد الآن انك تعرفين قدرتي في التنظيم و حرص بحارتي على تنفيذ اوامري ليراقبوك كلما توقفنا في مكان ما .
و في كورفو سأقفل عليك الباب مثل كل مرة .
كانت تفرك يديها حينا و تلويهما حينا آخر . و اخذت تتكلم و هي تبلع ريقها :
- لا اريد الزواج منك . استحلفك بالله ، اتركني و اعدك بأني لن اتكلم بشيئ .
- و كيف تفسرين غيابك كل هذه المدة ؟
كان مهتما بسماع جوابها .
- سأختلق اي شيئ . فقدان الذاكرة مثلا ... غيري يفقد ذاكرته ايضا !
- لا تكوني سخيفة !
كانت لهجته كأنها موجهة الى طفلة .
- انسيت انك خطفت ؟
- لن انسى ذلك طيلة حياتي !
- قد تعتبرين يوما ان اختطافك كان بركة عليك . ارتدي الثوب الذي اشتريته لك من لشبونة . لونه يناسب جمالك و طرازه ايضا . هل احببته ؟
هزت رأسها لأنها تذكرت ثوبها الجميل الراقد في قعر البحر . اما الثوب الذي تكلم عنه ليون و هو واحد من بين اثواب اخرى كان يجمعها كلما توقفا في مرفأ فكان بلون المرجان الذهبي ، مشدودا عند الصدر و اسفله كله ثنيات . و كانت اكمامه طويلة تضيق عند المعصمين .
الفستان جميل و كامل كل الكمال و لكنها بدأت تكرهه لأنه سيكون فستان عرسها .
- لا بأس به .
و بعد فترة قالت :
- اليست هناك وسيلة لاقناعك باعطائي حريتي ؟
هز رأسه بالنفي و عبس و لم تترك له فرصة الكلام اذ قالت :
- لن يزوجنا كاهنك هذا ! سأتهدده ، و بالرغم من انك ستبقيني سجينة فاني سأخيفه من العقاب حتى يرفض زواجنا مهما كان مدينا لك .
- اذن سأصرفه اذا انت رفضتي ، و ستصبحين امرأتي بالسر .
هذا هو الخيار الثاني الذي ذابت امامه كل احتجاجاتها و تهديداتها .
- هل سيزوجنا على اليخت ؟
- طبعا . فاني لا اخاطر بأخذك الى الشاطئ .
- اذن لا خيار لي ... الا في الزواج منك .
المعروف ان الزواج بالقوة مستحيل ، و لكن بسبب الوضع الذي هي فيه الآن فاما الزواج و اما ... الخيار الآخر ... فاذن ستتزوج و ستبقى تخطط للهرب ... و سوف تنجح .