رواية السيا في بلاد الاسرار والعجائب - الفصل الثاني حين تفتح الغابة عينيها - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: رواية السيا في بلاد الاسرار والعجائب
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثاني حين تفتح الغابة عينيها

الفصل الثاني حين تفتح الغابة عينيها

كان الليل يتمدّد كلما تقدّمت إليسا خطوة، كأن الظلام لا يفرّ منها بل يرحّب بها. الزقاق انتهى، لكن الإحساس بالتيه لم ينتهِ معها. الشوارع بدت مألوفة وغريبة في آنٍ واحد، كأن المدينة التي عاشت فيها سنوات قررت فجأة أن تكشف وجهها الحقيقي. كانت القلادة ما تزال دافئة، نابضة، وكأنها كائن حيّ يستيقظ ببطء. كلما لامستها، عاد ذلك الهمس الخافت، لا كلمات واضحة هذه المرة، بل إحساس بالاتجاه، بالنداء. لم تكن تعرف إلى أين تذهب، لكنها كانت متأكدة من شيء واحد: التوقّف لم يعد خيارًا. مرّت بجانب واجهات محال مغلقة، انعكاس صورتها على الزجاج جعلها تتوقّف لحظة. الفتاة التي رأتْها لم تكن تلك الفريسة المنكسرة التي سقطت في الزقاق قبل قليل. عيناها ما زالتا متعبتين، نعم، لكن في عمقهما شيء آخر… حذر يشبه حذر الذئاب، وفضول يشبه فضول الملوك قبل المعركة. – ما الذي يحدث لي؟ تمتمت. لم يجبها أحد، لكن الهواء من حولها تغيّر. شعرت بثقلٍ غير مرئي، كأن المكان يراقبها. عند أول منعطف، توقّفت فجأة. الشارع الذي تعرفه اختفى، وحلّ مكانه ممر طويل تحفّه أشجار لم تكن هناك من قبل. أوراقها سوداء، لكن أطرافها تلمع بضوء فضي خافت، يشبه ضوء القمر. تراجعت خطوة، وقلبها يخفق بعنف. – هذا مستحيل… لكن القلادة شدّتها إلى الأمام، لا بقوة، بل بإصرار. خطت داخل الممر، وما إن فعلت حتى اختفى صوت المدينة خلفها، كأنه لم يكن. لم يعد هناك سيارات، ولا أضواء، ولا عالم تعرفه. فقط الغابة. كانت الأرض تحت قدميها دافئة، نابضة، وكأنها تسير فوق قلبٍ عملاق. كل شجرة مرّت بجانبها همست باسمها، ليس بصوت، بل بإحساس. لم تعد تشعر بالجوع، ولا بالبرد، بل بشيء أثقل: المعرفة دون تفسير. في عمق الغابة، رأت الظلّ. لم يكن له شكل ثابت، يتبدّل مع كل رمشة عين. مرّة بدا كامرأة، مرّة كطفل، ومرّة كوحشٍ مكسور. توقّف أمامها، وركع. – تأخّرتِ، قالت نبرة متعددة الأصوات. – عن ماذا؟ سألت إليسا، ورغم خوفها، خرج صوتها ثابتًا على غير عادته. – عن نفسك. ساد صمت ثقيل، ثم انشقّ الظلّ قليلًا، وظهرت عينان تلمعان بالحزن. – هذه الغابة كانت مملكة، قالت الأصوات. لم يحكمها الصيادون يومًا، بل الحماة. لكن التوازن كُسر، والملكة سقطت… وبسقوطها، صرتِ أنتِ الفريسة. ارتجف قلب إليسا. – أنا لست ملكة، ولا أريد أن أكون شيئًا. أنا فقط… أريد أن أعيش. اقترب الظل، ومدّ يدًا غير مكتملة. – العيش في هذه الغابة يعني الاختيار. إمّا أن تُطارَدي، أو أن تتعلّمي كيف تقفين. لمعت القلادة فجأة، وانبعث منها ضوء قوي جعل إليسا تغمض عينيها. حين فتحتهما، شعرت بشيء ينكسر في داخلها… شيء قديم، هشّ، اسمه الخوف. لم تختفِ الغابة، لكنها لم تعد تخيفها كما قبل. رفعت رأسها، ونظرت إلى الظل بثبات. – إن كنتُ قد وُلدت فريسة، قالت، فلن أموت كذلك. ابتسم الظل، ابتسامة حزينة وفخورة في آنٍ واحد. – إذًا، مرحبًا بكِ في بداية الطريق يا إليسا. وفي تلك اللحظة، أغلقت الغابة أبوابها خلفها، لا لتحبسها… بل لتصنع منها شيئًا لم تتخيّل يومًا أنها ستكونه.