الفصل6عشر العاقلون بين العوالم
لم يكن هذا المكان المدرسة… لم يكن حتى عالمًا مألوفًا.
عندما فتحت رغد عينيها، وجدت نفسها واقفة في ممر طويل مظلم، لا نهاية له، الجدران كانت باهتة، كأنها قديمة ومهترئة، والأرضية مكسوة بطبقة رقيقة من الغبار، وكأن أحدًا لم يطأ هذا المكان منذ زمن طويل.
لكن الأكثر رعبًا كان الصمت…
لم يكن هناك أي صوت، لا أصوات خطوات، لا همسات، لا شيء سوى سكون ثقيل يكاد يخنقها.
التفتت بسرعة، تبحث عن غيداء، لكنها لم تكن بجانبها.
"غيداء؟!" نادت بصوت منخفض، لكنه بدا وكأنه يختفي في الفراغ قبل أن يصل إلى أي مكان.
حاولت التقاط أنفاسها، عقلها يعمل بجنون محاولًا استيعاب ما حدث. قبل لحظات فقط، كانت في المدرسة، كانت تركض، كانت تحاول الهروب، لكن الآن… الآن هي عالقة في مكان لا تعرفه.
أخذت خطوة للأمام، شعرت بأرضية الممر تصدر صريرًا خفيفًا تحت قدميها. لم تكن تريد التحرك، لكن الوقوف هنا دون فعل شيء لم يكن خيارًا أفضل.
بدأت تسير ببطء، كل خطوة تأخذها كانت تحمل معها إحساسًا غريبًا، وكأنها كلما تحركت، كانت تبتعد أكثر عن الواقع.
ثم، بعد دقائق من المشي، رأت شيئًا جعل قلبها يتوقف للحظة.
كان هناك باب في نهاية الممر.
باب خشبي قديم، بلا مقبض، بلا علامات، فقط واقف هناك… ينتظرها.
ترددت، لكن لم يكن لديها خيار آخر. اقتربت منه، ووضعت يدها على سطحه البارد، ثم دفعته ببطء.
الباب انفتح بلا صوت، وكأنه كان ينتظر أن يتم فتحه منذ وقت طويل.
عندما دخلت، وجدت نفسها في غرفة مظلمة، إلا من ضوء خافت يتسلل عبر نافذة صغيرة مغطاة بالتراب.
لكن ما جعلها تتجمد في مكانها كان الشيء الذي كان يقف في وسط الغرفة.
فتى… لكنه لم يكن مجرد فتى عادي.
كان يبدو شاحبًا، عينيه غارقتان في الظلام، وكأنهما لا تحملان أي حياة، وملابسه قديمة، كأنها تعود لسنوات مضت.
"ياسر؟" همست رغد دون وعي، لأن الشيء الذي كان يقف أمامها… كان مطابقًا للوصف الذي سمعته عنه.
لكن الفتى لم يتحرك، لم يتحدث، فقط كان واقفًا هناك… يحدق بها.
شعرت برغبتها في الهروب، لكن شيء ما جعلها تتجمد. كان عليها أن تعرف، أن تفهم…
"هل أنتَ… ياسر؟"
الصمت استمر، لكن بعد لحظات، فتح الفتى فمه ببطء شديد، وكأنه لم يستخدمه منذ زمن طويل.
"لقد تأخرتِ كثيرًا."
صوت منخفض، باهت، لكنه جعل القشعريرة تسري في جسد رغد بالكامل.
"ماذا تعني؟" سألت بصوت مرتجف.
رفع الفتى عينيه، وبدا وكأنه يحدق مباشرة داخل عقلها.
"أنتِ لم تفهمي بعد، أليس كذلك؟"
شعرت رغد أن هناك شيئًا أكثر من مجرد قصة أشباح هنا. "لماذا أنا هنا؟ ماذا تريد مني؟"
الفتى لم يبتسم، لم يظهر أي تعبير، فقط قال بصوت بارد:
"أريد أن أريكِ الحقيقة."
ثم، قبل أن تتمكن رغد من الاستيعاب، تغير كل شيء.
الجدران تلاشت، الأرضية اختفت، ووجدت نفسها في مكان آخر تمامًا.
داخل ذكرى… لم تعشها من قبل.
رأت مجموعة من الطلاب يقفون في ساحة المدرسة، يضحكون ويتحدثون، كانت الأجواء طبيعية، لكن عندما ركزت أكثر، رأت بينهم ياسر.
كان واقفًا هناك، وجهه مليء بالحياة، عكس الصورة التي رأتها قبل لحظات.
لكن ما جعل قلبها ينبض بقوة هو أنها رأت تالين أيضًا.
كانت هناك، تقف بعيدًا، تراقب المشهد بصمت، وكأنها تعلم أن شيئًا سيحدث.
ثم، فجأة، بدأ المشهد يتغير.
رأت كيف بدأ ياسر يتحدث عن شيء لم يفهمه الطلاب الآخرون، كيف كان يخبرهم أن هناك شيئًا خاطئًا في المدرسة، كيف بدأ يخبرهم عن الأصوات التي يسمعها، عن الظلال التي يراها.
لكنهم لم يصدقوه.
ضحكوا عليه، أخبروه أنه يتخيل أشياء، قالوا له إنه يبحث عن الانتباه.
ثم… بدأت الأمور تصبح أكثر سوءًا.
رأت كيف بدأ الطلاب يتجنبونه، كيف أصبح معزولًا، كيف بدأ يختفي ببطء من حياة الجميع.
ثم، رأت الليلة التي اختفى فيها.
كان يقف وحده على سطح المدرسة، ينظر إلى الأسفل، وجهه كان مليئًا بالحزن والخوف.
ثم… سقط.
لكن قبل أن تراه يسقط بالكامل، عادت رغد إلى الواقع فجأة.
وقفت في الغرفة مجددًا، لكنها هذه المرة كانت تعرف الحقيقة.
التفتت إلى الفتى، الذي لا يزال يحدق بها بنفس النظرة الباردة.
"لم يكن حادثًا…" همست رغد.
لكن ياسر هزّ رأسه ببطء. "لقد دفعوني… مثلما دفعوا تالين."
رغد شعرت بأن جسدها تجمد في مكانه.
"لكن لماذا؟ من هم؟ ولماذا قتلوك؟"
نظر إليها ياسر للحظة، ثم قال بصوت منخفض:
"أنتِ تعرفينهم بالفعل."
رغد لم تفهم… إلى أن بدأت أصوات خطوات تتردد خارج الغرفة.
استدارت ببطء، وقلبها ينبض بجنون.
كانت الظلال قد عادت… لكن هذه المرة، كانت تتحرك بسرعة نحوها.
ثم، قبل أن تفعل أي شيء…
اختفى الضوء.
الآن بعدما اكتشفت رغد أن ياسر لم يكن مجرد ضحية أخرى، بل كان يحمل سرًا أكبر، من هم الذين دفعوه؟ ولماذا المدرسة تخفي هذه الأسرار؟