الفصل4 عشر اكثر من ما يبدو عليه
لم تستطع رغد التحرك لعدة ثوانٍ، وكأن عقلها لم يستوعب ما حدث للتو. الظل الذي ظهر، الصوت الذي همس بالتحذير، الأجواء التي بدت وكأنها خرجت من عالم آخر… لم يكن أي من هذا طبيعيًا.
لكن ما جعلها تشعر برعب أكبر هو كلمات غيداء.
"لقد بدأ الأمر من جديد…"
نظرت رغد إلى غيداء بعيون مليئة بالأسئلة، لكن غيداء لم تقل شيئًا، فقط كانت واقفة، تلتقط أنفاسها، يداها ترتجفان بشكل واضح.
أخيرًا، وبعد لحظات من الصمت الثقيل، قالت رغد بصوت منخفض: "غيداء… ما الذي يحدث هنا؟"
رفعت غيداء رأسها، لكن نظرتها لم تكن فقط خائفة… بل كانت نظرة شخص يحمل سرًا ثقيلًا. شخص لم يعد قادرًا على حمله وحده.
"هناك شيء آخر في هذه المدرسة… شيء لم أخبركِ به من قبل."
رغد لم تقل شيئًا، فقط انتظرت.
تنهدت غيداء ببطء، ثم قالت: "الجميع يعتقد أن تالين كانت الوحيدة التي اختفت بطريقة غريبة… لكن الحقيقة هي أنها لم تكن الضحية الأولى."
شهقت رغد بصمت، لكن لم يكن لديها وقت لاستيعاب الصدمة، لأن غيداء أكملت حديثها بسرعة.
"قبل تالين بسنة… اختفى طالب آخر."
رغد شعرت بأن أنفاسها تتباطأ. "اختفى؟ كيف؟"
أخفضت غيداء نظرها، وكأنها تحاول تجميع أفكارها. "اسمه كان ياسر. كان طالبًا عاديًا مثلنا، لم يكن لديه مشاكل كبيرة، لكنه كان فضوليًا… فضوليًا جدًا."
رغد انتظرت أن تكمل، لكنها شعرت أن هناك شيئًا يمنع غيداء من الحديث بسهولة.
"في أحد الأيام، بدأ يتحدث عن أشياء غريبة… قال إنه كان يسمع أصواتًا في المدرسة بعد انتهاء الدوام، يرى ظلالًا تتحرك في الأروقة، وأحيانًا يشعر أن هناك شخصًا يراقبه. لم نكن نصدقه في البداية، كنا نظن أنه يحاول لفت الانتباه… لكن بعد فترة، بدأ يزداد خوفه."
رغد شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. "وماذا حدث بعد ذلك؟"
نظرت غيداء إلى رغد مباشرة، ثم قالت بصوت منخفض وكأنه سر خطير:
"ذات يوم… لم يعد ياسر إلى المنزل. اختفى تمامًا."
توقفت رغد للحظة، شعرت بأن عقلها لم يعد قادرًا على التعامل مع كل هذه المعلومات. "كيف؟ هل بحث عنه أحد؟"
"طبعًا بحثوا عنه، الشرطة، الإدارة، الجميع، لكن لم يعثروا على أي أثر له. الشيء الوحيد الذي وجدوه كان… حقيبته."
"حقيبته؟ أين وجدوها؟"
"في المكان نفسه الذي اختفت فيه تالين… السطح."
شعرت رغد بأن قلبها سقط في قدميها.
"لا أحد يعرف ما حدث له، لا يوجد أي دليل على أنه خرج من المدرسة، ولا يوجد أي تسجيلات تظهره وهو يغادر، وكأنه تبخر من المكان."
"لكن…" رغد كانت تحاول أن تستوعب الأمر، "لماذا لم يتحدث أحد عن هذا؟ لماذا لم يُذكر اسمه على الإطلاق؟"
نظرت غيداء حولها بحذر، ثم قالت بصوت منخفض: "الإدارة… أرادت أن تمسح اسمه من الذاكرة. لم يرغبوا في أن يخاف الطلاب، لذلك لم يُنشر أي شيء رسمي عن اختفائه. لكننا نعرف، نحن الذين كنا هنا وقتها… نعرف أنه لم يكن حادثًا طبيعيًا."
رغد شعرت أن عقلها بدأ يترابط أخيرًا، لكن شيئًا لا يزال غير منطقي.
"إذا كان هذا صحيحًا، فلماذا لم تظهر روحه مثل تالين؟ لماذا لم يحاول التواصل مع أحد؟"
لكن غيداء لم تجب فورًا، بل نظرت إليها بنظرة غريبة، وكأنها كانت تفكر في شيء أكثر رعبًا.
"ومن قال لكِ أنه لم يظهر؟"
شهقت رغد، جسدها كله قشعر. "ماذا تعنين؟"
أخذت غيداء نفسًا عميقًا، ثم قالت: "أنا أعتقد أن الظل الذي رأيناه… هو ياسر."
رغد لم تستطع استيعاب ذلك فورًا، لكنها بدأت تفكر في الأمر بجدية. ماذا لو لم يكن ياسر مجرد طالب اختفى؟ ماذا لو كان هنا طوال الوقت، مثل تالين، لكن بطريقة مختلفة؟
"لكن لماذا لم يظهر من قبل؟ لماذا بدأ الأمر الآن فقط؟"
نظرت غيداء إلى رغد بجدية، ثم قالت: "لأنكِ أنتِ من كسرت الصمت."
رغد شعرت بأنفاسها تتباطأ.
"أنتِ التي بدأت بالبحث عن تالين، أنتِ التي ذهبت إلى الأرشيف، أنتِ التي اكتشفت الحقيقة… أنتِ التي جعلت كل شيء يعود إلى الظهور."
شعرت رغد أن كل شيء بدأ يصبح أوضح. لم يكن مجرد فضول عادي… لقد أيقظت شيئًا كان نائمًا منذ سنوات.
لكن قبل أن تقول أي شيء آخر، سُمع صوت غريب في الممر…
صوت خطوات.
كان بطيئًا، ثقيلًا، لكنه كان يقترب.
نظرت رغد إلى غيداء، التي كانت عيناها متسعتين في رعب، ثم التفتت إلى نهاية الممر.
كانت هناك ظلال… تتحرك.
لم تكن مجرد واحدة، بل كانت عدة ظلال.
كأنها أشباح تمشي معًا، تقترب ببطء، بدون ملامح، بدون وجوه.
ثم، في لحظة واحدة، توقف كل شيء.
وتردد صوت آخر، لكنه لم يكن من تالين هذه المرة… كان أعمق، وأشد برودة.
"لا يمكنكِ العودة الآن."
ثم… انطفأت الأضواء.
الآن بعد أن عرفت رغد أن ياسر لم يكن مجرد طالب اختفى، بل أصبح جزءًا من الظل الذي يطارد المدرسة، كيف ستتمكن من معرفة الحقيقة؟ وهل هذه الظلال تعني أن هناك المزيد من الضحايا؟