الفصل الثالث عشر الرسائل من العدم
لم تنم رغد تلك الليلة، ظلت مستيقظة تحدق في الدفتر الذي بقي مغلقًا أمامها، وكأنها تخشى أن ينفتح من تلقاء نفسه ويكشف المزيد من الكلمات. كان جسدها متعبًا، لكن عقلها لم يتوقف عن التفكير…
"لم أنتهِ بعد."
كانت الجملة الوحيدة المكتوبة، لكنها كانت كافية لإشعال نار الخوف داخلها. كيف يمكن أن تظهر كلمات جديدة في دفتر لم تمسكه منذ أيام؟ هل يعقل أن تالين… لا تزال هنا؟
مع حلول الصباح، نهضت بتثاقل من سريرها، نظرت إلى نفسها في المرآة، فوجدت وجهها شاحبًا، عيناها تحملان أثر التعب والسهر. لم تكن مستعدة ليوم دراسي جديد، لكن لم يكن لديها خيار.
خرجت من المنزل وهي تحاول أن تتجاهل إحساسها الثقيل، لكن مع كل خطوة نحو المدرسة، شعرت وكأن هناك شيئًا غير مرئي يرافقها… شيء لا يمكنها رؤيته، لكنه موجود.
عندما وصلت إلى المدرسة، لم تكن الأجواء كما كانت من قبل. لم تكن الضوضاء المعتادة، لم يكن هناك ضحك أو أحاديث جانبية كثيرة، بل كان الجو مشحونًا بصمت غريب، وكأن الجميع شعروا بأن هناك شيئًا غير طبيعي يحدث، حتى لو لم يعرفوا سببه.
رغد جلست في مقعدها، لكن عيناها لم تتوقفا عن البحث. نظرت إلى غيداء، التي كانت تجلس في آخر الفصل، تحدق في الطاولة أمامها بلا أي تعبير، وكأنها تحاول الهروب من واقع لا مفر منه.
لكن ما أقلق رغد أكثر… هو أنها رأت شيئًا لم تكن تتوقعه.
عندما دخلت المعلمة إلى الفصل، أخرجت بعض الأوراق وبدأت في توزيعها على الطلاب، ولكن عندما اقتربت من رغد، وضعت ورقة مختلفة تمامًا على طاولتها.
نظرت إليها رغد باستغراب، كانت الورقة قديمة بعض الشيء، مختلفة عن أوراق الاختبار التي كان المعلم يوزعها. وعندما فتحتها، شعرت أنفاسها تتوقف.
"لا تثقي بأحد."
كان نفس الخط الذي ظهر في دفترها الليلة الماضية.
نظرت بسرعة حولها، لكن لا أحد كان يراقبها. الطلاب كانوا منشغلين بأوراقهم، والمعلمة لم تكن منتبهة لما يحدث معها.
لكن عندما رفعت عينيها، التقت بنظرة غيداء.
كانت تنظر إليها مباشرة، نظرة مليئة بالخوف… وكأنها تعلم ما الذي يحدث.
بعد انتهاء الحصة، نهضت رغد بسرعة، خرجت من الفصل وهي تشعر أن قلبها ينبض بجنون. لم يكن هناك تفسير منطقي لما يحدث، لكن شيئًا واحدًا أصبح واضحًا لها… تالين لم تختفِ تمامًا، وهناك شيء لم تفهمه بعد.
في الممر، شعرت بيد تُمسك بذراعها. استدارت بسرعة، فوجدت غيداء تقف أمامها، عيناها متوترة، وكأنها لم تعد قادرة على تحمل الصمت أكثر.
"يجب أن نتحدث."
رغد لم ترفض، لأنها كانت بحاجة إلى إجابات، أكثر من أي وقت مضى.
ذهبتا معًا إلى زاوية نائية من المدرسة، بعيدًا عن أعين الطلاب والمعلمين.
تنهدت غيداء بعمق، ثم قالت بصوت منخفض، وكأنها تخشى أن يسمعها أحد:
"أنتِ رأيتِها، صحيح؟ رأيتِ تالين؟"
رغد لم تجب فورًا، لكنها شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. "أنتِ تعلمين أنها كانت هنا."
أخفضت غيداء عينيها، ثم قالت: "لم أكن أريد أن أعترف، كنت أظن أن الأمر سينتهي… لكن الآن، لم أعد متأكدة."
رغد شعرت أن قلبها يضرب بقوة. "ماذا تقصدين؟"
نظرت غيداء إليها بعينين تحملان خوفًا عميقًا.
"أنا أيضًا… تلقيت رسالة مثل التي حصلتِ عليها اليوم."
رغد شهقت بصمت.
"أنا لم أكتبها، ولا أحد غيري رآها، لكنها كانت هناك، وكأنها جاءت من العدم." غيداء ابتلعت ريقها، ثم أضافت بصوت مرتجف: "لكنني متأكدة أنها ليست تالين من تفعل هذا."
رغد لم تفهم. "ماذا تعنين؟"
أخفضت غيداء صوتها أكثر، ثم قالت كلمات جعلت القشعريرة تسري في جسد رغد بالكامل.
"تالين لم تكن الوحيدة التي اختفت هنا."
عقل رغد تجمد لوهلة، لكنها لم تستطع إيقاف السؤال الذي خرج من فمها فورًا:
"من أيضًا؟"
لكن قبل أن تجيب غيداء، انطفأت الأضواء فجأة في الممر.
وقف الزمن للحظة، الصمت كان ثقيلًا لدرجة أن رغد شعرت بأنها تسمع دقات قلبها. الجو أصبح باردًا بطريقة غير طبيعية، وكأن المدرسة بأكملها دخلت في بُعد آخر.
ثم… في نهاية الممر المظلم، ظهر ظل يتحرك.
كان طويلًا… بلا ملامح واضحة… بلا وجه، لكنه كان يقترب.
رغد شعرت بأنفاسها تختفي، وغيداء أمسكت بيدها بقوة، وكأنها تحاول أن تتأكد أن هذا ليس مجرد كابوس.
لكن الظل توقف فجأة، وكأن شيئًا آخر كان يمنعه من التقدم.
ثم، بصوت منخفض، كأنه قادم من أعماق الأرض، قال همسة واحدة:
"لا تبحثي عن الحقيقة."
ثم… اختفى.
الأضواء عادت، والبرودة تلاشت، لكن شيء واحد بقي في المكان…
الرعب.
رغد التفتت إلى غيداء، التي كانت تحدق بها بعينين متسعتين، وجهها شاحب تمامًا.
ثم همست بصوت بالكاد يُسمع:
"لقد بدأ الأمر من جديد…"
إذا لم تكن تالين وحدها من علق في هذا المكان، فمن يكون الظل الذي ظهر؟ وما الذي يخفيه ماضي هذه المدرسة؟