الفصل الثامن انت لم تخرجي
رغد لم تعد تملك رفاهية الإنكار. كل شيء حولها كان يصرخ بأن هناك شيئًا خارقًا للطبيعة يحدث، شيئًا لا يمكن تفسيره بالمنطق، ولا يمكن الهروب منه بسهولة. كانت يداها ترتجفان وهي تحدق في آثار الأقدام التي انتهت عند سريرها مباشرة. شعرت أن الهواء في غرفتها أصبح أثقل، وكأنها ليست وحدها.
لكنها لم تكن مستعدة للبقاء هنا، نهضت بسرعة من السرير وخرجت من الغرفة، هذه المرة تأكدت من إغلاق الباب خلفها بإحكام، وكأنها تحاول أن تحبس شيئًا ما في الداخل. جلست في غرفة المعيشة، احتضنت نفسها، وبدأ عقلها يعمل بجنون.
تالين ليست مجرد فتاة غامضة… تالين شبح.
لكن لماذا هي الوحيدة التي تراها؟ ولماذا لم يحدث شيء كهذا لأي شخص آخر في المدرسة؟
قررت رغد أن هذا لا يمكن أن يستمر، كان عليها أن تجد طريقة لمعرفة المزيد.
في صباح اليوم التالي، وصلت إلى المدرسة قبل الموعد المعتاد. كانت الساحة لا تزال شبه فارغة، لم يكن هناك سوى بضعة طلاب يتحدثون مع بعضهم، والعمال ينظفون الممرات. مشيت بخطوات سريعة، متجهة نحو القسم الإداري، نحو المكان الذي قد تجد فيه إجابات أخيرة.
عندما وصلت إلى مكتب الأرشيف، وجدت الباب مفتوحًا قليلًا. نظرت حولها بحذر، لم يكن هناك أحد يراقبها، لذا دفعت الباب ودخلت بسرعة.
الملفات كانت على الرفوف، كما تركتها في المرة السابقة. بدأت تبحث بعينين قلقتين حتى وجدت مجددًا الملف الذي يحمل اسم تالة إبراهيم.
لكن عندما فتحته هذه المرة، شهقت بصوت عالٍ.
الصورة… اختفت.
الصفحة التي كانت تحمل صورة تالة قبل يوم واحد فقط، أصبحت الآن فارغة. لا أثر لها، لا اسم، لا تاريخ… وكأنها لم تكن موجودة أبدًا.
تراجعت بصدمة، حدقت في الملف كأنها تأمل أن تعود الكتابة، لكن لا شيء تغير. شيء ما كان يمحو كل أثر لتالة وكأنها لم تكن هنا من الأساس.
ثم… سمعت الصوت مجددًا.
"قلت لكِ… لا تبحثي عني."
التفتت بسرعة، قلبها كاد يسقط في قدميها.
تالين كانت تقف عند باب الغرفة، عيناها داكنتان أكثر من أي وقت مضى، ووجهها كان بلا تعبير. لم تكن تتحرك، فقط تحدق بها بنظرة جعلت الدم يتجمد في عروق رغد.
لم تكن تعرف ما يجب أن تفعله، لم تكن تعرف إن كان الهروب خيارًا متاحًا. لكنها لم تكن بحاجة للهرب… لأن تالين تحركت أولًا.
في لحظة، اختفى كل شيء من حول رغد، شعرت بأن الأرض تحتها لم تعد موجودة، وكأنها سقطت في فراغ لا نهاية له.
ثم… كانت في مكان آخر.
الممرات بدت أقدم، الجدران متشققة، وأصوات بعيدة تتردد في الأجواء. حاولت أن تتحرك، لكن قدميها لم تستجيبا، وكأنها مجمدة في مكانها. ثم، سمعت صوت ضحكات طلاب… ورأت شيئًا جعل عينيها تتسعان في رعب.
تالين… أو بالأحرى تالة، كانت هناك.
لكنها لم تكن وحيدة.
رأت مجموعة من الفتيات يقفن أمامها، وجوههن مليئة بالاستفزاز والتهكم. كانوا يتحدثون معها، لكن أصواتهم كانت مشوشة، كأنها قادمة من بُعد آخر. لم تستطع رغد سماع كل شيء، لكن فجأة، تحول المشهد أمامها إلى شيء أكثر ظلامًا.
رأت كيف دفعت إحدى الفتيات تالة بقوة نحو الجدار، كيف سقطت على الأرض وهي تبكي، وكيف كانت تحاول أن تدافع عن نفسها لكن لم يكن هناك من يسمعها.
ثم… توقف كل شيء.
الغرفة امتلأت بصمت ثقيل، وكأن الهواء نفسه توقف عن الحركة. ثم، رأت الشيء الذي لم تكن مستعدة لرؤيته.
رأت كيف دُفعت تالة نحو باب السطح… وكيف فقدت توازنها… وكيف سقطت.
شهقت رغد، وضعت يديها على فمها، شعرت أنها غير قادرة على التنفس. كانت تشاهد اللحظة التي ماتت فيها تالة، اللحظة التي تحولت فيها إلى شيء آخر… شيء لا ينتمي لهذا العالم.
وفجأة، عاد كل شيء إلى طبيعته.
وجدت نفسها واقفة مجددًا في غرفة الأرشيف، لكن هذه المرة، كانت تالين أمامها مباشرة، عيناها مليئتان بالغضب والحزن.
"الآن عرفتِ الحقيقة."
ثم اختفت، تاركة رغد وحدها… مع ذكريات لم تكن تعرف أنها ستكون جزءًا منها.
الآن بعدما عرفت رغد كيف ماتت تالة، هل ستتمكن من مساعدتها؟ أم أن الغموض سيزداد خطورة؟