الفصل الخامس كل الطريق تؤدي اليها
الهاتف سقط من يد رغد، عيناها كانتا متسعتين في صدمة لا تستطيع استيعابها. الصوت الذي سمعته كان واضحًا، كان صوتًا أنثويًا خافتًا، وكأنه قادم من مكان بعيد… لكن ما أرعبها أكثر أنه لم يكن صوتًا غريبًا، كان مألوفًا جدًا. كان صوت تالين.
شعرت بقشعريرة تجتاح جسدها، يدها امتدت ببطء والتقطت الهاتف من الأرض. نظرت إلى الشاشة… لا يوجد أي رقم، ولا حتى سجل للمكالمة. وكأنها لم تحدث أبدًا.
بدأ عقلها يصرخ في وجهها بأسئلة بلا إجابة. كيف؟ من أين جاء هذا الصوت؟ ولماذا تشعر وكأن تالين تتحكم بكل شيء حولها؟
الدفتر القديم ما زال في حضنها، كأنها تمسكت به دون وعي منها، وكأنها تعرف أنه مفتاح كل هذه الألغاز. قررت أن تكمل القراءة، لكنها شعرت بعيونها تثقل من الإرهاق والتوتر.
أغلقت الدفتر ووضعته بجانبها على السرير، لكن الخوف منعها من إطفاء الأنوار. بقيت مستيقظة لساعات، تحدق بالسقف، تفكر بكل شيء حدث منذ أن دخلت تلك المدرسة. في النهاية، غلبها النوم، لكنه لم يكن نومًا هادئًا.
استيقظت فجأة عند الفجر على صوت خفيف… صوت ورق يتقلب. فتحت عينيها بسرعة، وتنبهت لحقيقة مرعبة. الدفتر الذي كان بجانبها… لم يعد هناك.
ارتفع صوت أنفاسها، نظرت حول الغرفة بسرعة، حتى رأته. كان هناك، على مكتبها، مفتوحًا على صفحة جديدة، رغم أنها لم تلمسه.
حاولت أن تسيطر على خوفها، تقدمت ببطء والتقطت الدفتر بأصابع مرتجفة. لم تكن هناك كتابة سابقة… بل كانت هناك جملة واحدة فقط، مكتوبة بخط لم تره من قبل.
"أنتِ تقتربين جدًا… لا تجعليها تراكِ."
أغلقت الدفتر بسرعة، وشعرت بيدها تتجمد. من كتب هذه الجملة؟ وماذا تعني؟ من المقصود بـ"لا تجعليها تراكِ"؟ تالين؟ أم شخص آخر؟
كان واضحًا أنها لم تعد تملك رفاهية التجاهل. إذا كانت هذه الأحداث رسالة، فإنها رسالة واضحة… هناك شيء في هذه المدرسة، شيء لا يجب أن يعرفه أحد، ومن يحاول الاقتراب منه… يختفي.
لكنها لم تكن وحدها. كان هناك شخص آخر قبلها، شخص دوّن كل هذه الملاحظات، شخص حاول أن يفهم… لكنه لم يكمل قصته. لماذا؟ هل حدث له شيء؟ هل تعرض لما تحاول تالين تحذيرها منه؟
عقلها امتلأ بالأسئلة، لكنها كانت تعرف أن عليها البحث عن إجابات في مكان واحد فقط… المدرسة.
عند الظهيرة، وصلت رغد إلى المدرسة وهي تشعر بأن الجميع يراقبها، رغم أن الطلاب كانوا يتصرفون بطبيعتهم. مشت عبر الممرات وهي تمسك بحقيبتها بقوة، نظراتها تراقب كل زاوية، كل شخص، وكأنها تتوقع أن يظهر شيء غير طبيعي في أي لحظة.
قررت أن تبدأ بحثها من مكان واحد… قسم الأرشيف.
كل مدرسة لديها أرشيف، حيث يتم الاحتفاظ بالسجلات القديمة للطلاب والموظفين، مكان يحتفظ بأسماء من درسوا هنا قبل سنوات. وإذا كان هناك أي سجل لتالين، فمن المؤكد أنه سيكون هناك.
كانت الغرفة في نهاية ممر جانبي نادرًا ما يمر به أحد. عندما وصلت، وجدت الباب مغلقًا، لكنه لم يكن محكم الإغلاق. دفعت الباب ببطء، فصدر صوت صرير خفيف جعل قلبها يخفق بسرعة.
دخلت إلى الداخل وأغلقت الباب خلفها. المكان كان مليئًا برفوف طويلة تحتوي على ملفات مرتبة حسب السنوات. رائحة الورق القديم ملأت أنفها، وشعرت أن الجو هنا أكثر برودة من باقي المدرسة.
بدأت تبحث. فتحت بعض الملفات، نظرت إلى الأسماء، حاولت العثور على أي إشارة إلى تالين. قلبت الملفات عامًا بعد عام، حتى وصلت إلى دفاتر سجلات قبل خمس سنوات… ثم توقفت.
أصابعها تجمدت وهي تنظر إلى الصفحة أمامها.
كانت هناك صورة لطالبات من دفعة قديمة… ووسط الصف، كانت هناك فتاة تعرفها جيدًا.
تالين.
لكن ما جعلها تشعر بصدمة أكبر… أن تحت الصورة، كان هناك اسم، لكنه لم يكن اسم "تالين".
كان اسمًا آخر تمامًا.
"تالين" لم تكن تالين. كانت شخصًا آخر. شخصًا لم يعد يجب أن يكون هنا.
لكن قبل أن تتمكن من التفكير أكثر، سمعت شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقها.
خطوات… قادمة من خارج الغرفة، تتجه نحو الباب مباشرة.
ثم… توقف الصوت.
صمت ثقيل عم المكان.
ثم، بعد لحظة… بدأت مقبض الباب يتحرك ببطء.
هل رغد ستكتشف هوية تالين الحقيقية؟ ومن الذي يحاول الدخول إلى غرفة الأرشيف؟