الفصل الرابع انا أراقبك
الظلام كان كثيفًا، كأن المدرسة بأكملها ابتلعتها العتمة. قلب رغد كان يخفق بجنون، أنفاسها سريعة ومتلاحقة، وشعرت وكأنها محاصرة وسط فراغ بارد. حاولت أن تتحكم بنفسها، لكن صوتًا خافتًا كان يرن في أذنيها، همسات بالكاد تُسمع، وكأن شخصًا ما يقف عند كتفها ويهمس مباشرة في عقلها.
حاولت أن تستجمع شجاعتها وتبحث عن هاتفها في جيبها، لكن يداها كانت ترتجفان بقوة. ضغطت على زر المصباح، وأضاء ضوء الهاتف الخافت الممر أمامها. لم يكن هناك أحد. لا أشباح، لا وجوه غامضة، لا حركة… فقط فراغ مخيف وجدران المدرسة التي بدت وكأنها أقدم بمئة عام.
لم تستطع أن تبقى هنا أكثر، عليها أن تخرج قبل أن تفقد أعصابها تمامًا. استدارت بسرعة واتجهت نحو باب الخروج الخلفي. لكن ما إن وصلت إلى الباب، حتى شعرت بشيء غريب… الباب الذي دخلت منه قبل دقائق فقط كان مغلقًا.
شدّت المقبض بعنف، لكنه لم يتحرك. ضغطت عليه مرة أخرى، ثم مرة ثالثة، لكن لا فائدة… الباب كان مغلقًا بإحكام، وكأن أحدًا أقفلها داخل المدرسة.
"مستحيل…" همست رغد لنفسها، وبدأت تبحث عن أي مخرج آخر. لم يكن هناك سوى طريق واحد… العودة عبر الممرات والبحث عن مخرج آخر.
لكن قبل أن تخطو خطوة واحدة، سمعت صوت شيء يسقط في مكان قريب. التفتت بسرعة، وجهت ضوء الهاتف نحو مصدر الصوت، ورأت دفترًا قديمًا ملقى على الأرض عند نهاية الممر. لم يكن هناك أحد… فقط الدفتر، وكأنه سقط من العدم.
ترددت للحظة، لكن فضولها كان أقوى. اقتربت منه بحذر، انحنت والتقطته، ثم فتحته ببطء. الصفحات كانت مليئة بخط يد صغير ومتداخل، وكأن شخصًا كان يكتب بسرعة. قلبت بعض الصفحات حتى توقفت عند صفحة في منتصف الدفتر، وعندما قرأت ما كُتب عليها، تجمدت أنفاسها.
"أنا أراقبك."
الكلمات كانت مكتوبة بخط عريض، وكأن كاتبها أراد أن يترك رسالة واضحة لمن يجدها. شعرت بقشعريرة تتسلل إلى جسدها، وأغلقت الدفتر بسرعة. لكن قبل أن تتمكن من الوقوف، سمعت صوت خطوات خفيفة قادمة من الممر خلفها.
لم يكن هناك وقت للتفكير. أمسكت الدفتر بقوة، نهضت بسرعة وبدأت تركض عبر الممرات. لا تعلم إن كانت تهرب من شيء حقيقي، أم أن عقلها بدأ يلعب بها، لكنها لم تتوقف حتى وجدت بابًا آخر عند نهاية الرواق. دفعت الباب بكل قوتها، فانفتح أخيرًا، واندفعت إلى الخارج وهي تلهث بشدة.
الهواء البارد ضرب وجهها، وشعرت وكأنها خرجت من عالم آخر، عالم مخيف ومليء بالكوابيس. لم تتوقف حتى وصلت إلى بوابة المدرسة، ثم خرجت بسرعة متجهة إلى منزلها، دون أن تلتفت خلفها ولو لمرة واحدة.
عندما وصلت إلى غرفتها، جلست على سريرها وهي تلهث، يداها ما زالتا ترتجفان، والدفتر القديم ما زال في حضنها. أخذت نفسًا عميقًا، ثم فتحته من جديد، محاولة أن تفهم أكثر عن هذه الرسالة الغامضة.
الصفحات الأولى كانت مليئة بأسماء، لكن بعضها كان مشطوبًا بقلم أسود غامق. عندما قلبت المزيد من الصفحات، بدأت ترى ملاحظات غريبة، وكأن صاحب الدفتر كان يسجل أحداثًا معينة.
"اليوم الرابع، الساعة 10:23 مساءً – رأيتها مجددًا، كانت واقفة عند الجدار، تنظر إليّ وكأنها تعرفني."
"اليوم الخامس، الساعة 8:15 صباحًا – اختفت من جديد. لا أحد يلاحظ غيابها، وكأنها لم تكن موجودة."
"اليوم السابع، الساعة 6:47 مساءً – حاولت الحديث معها، لكنها رفضت أن تخبرني أي شيء. قالت لي فقط: ’ابتعد قبل أن تندم.‘"
عينا رغد اتسعتا وهي تقرأ، إحساس غريب اجتاحها… هذه الملاحظات لم تكن عن أي شخص عادي… بل كانت عن تالين!
أغلقت الدفتر بسرعة، وشعرت بقلبها ينبض بقوة. إذا كان هذا الدفتر حقيقيًا، فهذا يعني أن هناك شخصًا آخر لاحظ وجود تالين قبلها… وربما اختفى بسبب ذلك.
لكن السؤال الحقيقي الآن… من كان صاحب الدفتر؟ وماذا حدث له؟
قبل أن تفكر أكثر، رن هاتفها فجأة، جعلها تقفز من مكانها. نظرت إلى الشاشة، وكان الرقم غير معروف. ترددت للحظة، ثم ضغطت على زر الرد.
"ألو؟" قالت بصوت مرتجف.
لكن لم يكن هناك أي رد. فقط صمت… ثم، بعد لحظة، جاء صوت منخفض، بالكاد يمكن سماعه.
"قلت لكِ لا تبحثي عني…"
ثم انقطع الخط.
هل رغد ستتوقف عن البحث بعد هذا التحذير، أم أن الفضول سيجعلها تغامر أكثر؟