🕯️الفصل الثاني: خطوات في الظلال
كانت الخرِيبة أكثر ظلامًا مما تتصور العيون الحيّة.
كل زاوية، كل شقٍّ في الجدار، كان يهمس باسمها، يفتش عن حضورها، يراقب نبضها.
تقدمت ليان بخطوات مترددة، تتبع الصوت الغريب الذي انبثق من الهاتف قبل قليل، صوت أخيها الذي كان بين عالمين، ليس حيًا ولا ميتًا، بل في مكانٍ يلتقي فيه الزمن بالظل.
> "ليان... أسرعي..."
تردّد الصوت داخل جدران الخرِيبة، متصدّعًا، كأنه يأتي من مسافة بعيدة جدًّا، وكأن الهواء نفسه يحمل كلمات أخيها بصعوبة، مخنوقًا بين الأروقة المظلمة.
اقتربت من ردهةٍ طويلة، الأرض فيها مغطاة بالغبار، وكل خطوة تصدر صريرًا يشبه صرخة.
ثم رأت ظلًا يمر بسرعة على الجدار، ظلّ غير مرتبط بجسم، كأنه كائن حيّ يتربص بها، يختبر شجاعتها أو يرسم نهايتها.
تذكرت الدفتر الذي وجدته، الكلمات الغريبة التي قالت إن من يدخل الخرِيبة يسمع من لا يعودون.
> "هل أخي منهم؟" همست لنفسها.
تقدمت أكثر، يديها ترتجفان، ونبض قلبها كأنه يوشك أن يخرج من صدرها.
ثم توقف الصوت فجأة. صمتٌ رهيب، صمتٌ يوجع العظام.
ثم، جاء همس آخر، أقرب، حادّ:
> "ليان... إلى هنا... أسرعي... قبل أن يغلق الباب..."
تجرأت، ولمست بابًا مهترئًا في نهاية الرواق، فتحتُه بحذر.
في الداخل، كان شيءٌ لم تره عيناها من قبل: غرفة صغيرة، لكن على الأرضية كان نور خافت ينبعث من دفتر آخر، دفاتر قديمة متراكمة، كل واحد يصف روحًا ضائعة.
وبين دفاتر الغرفة، كان هناك ظل أخيها، نصفه مغمور في الظلام، ونصفه مشوّه، كأنه يُمزّق بين العوالم.
رفع يده، وعينيه لا تعكسان الحياة، بل الفراغ نفسه.
> "ليان... لا تلمسي الدفتر..." همس بصوتٍ يختلط بالرياح.
"من يلمس الكلمات، يُكتب اسمه بين من لا يعودون..."
اقتربت يدها من الصفحات، لكنها توقفت، شعرت بالحرارة تتسلل إلى عظامها، والدفتر يهمس باسمها، كأنه يريد ابتلاعها في الورق نفسه.
حين حاولت التراجع، أغلق الباب فجأة بقوة، وأصبح كل شيء مظلمًا، كل الأصوات تتقاطع، أصوات أخيها وأصوات خافتة أخرى لم تعرفها، كأنها صرخات من الماضي والحاضر والمستقبل مجتمعًا في لحظة واحدة.
ارتجفت، لكنها لم تتراجع.
> "سأجدك..." قالت لنفسها، وهي تعلم أن الخرِيبة ستختبر كل ما فيها من خوف وعزم، وأن صوت أخيها هو المفتاح، وربما اللعنة نفسها.
وهكذا بدأت رحلتها بين الأروقة الملتوية، بين الظلال التي تتحدث، والدفاتر التي تُنطق بأرواح من لا يعودون.
كل خطوة تقترب بها من أخيها، كل خطوة تهوي بها أكثر نحو عالم لا تشبهه الدنيا ولا تخالطه الحياة.