مُخــاض النـــور
في البدء، لم تكنِ لي.. كنتِ "لله"، وكنتُ أنا أسترقُ النظر إلى رزقي فيكِ من وراء حجاب الحياء. كان الحب حينها يسكن المسافة، وتلك المسافة هي التي منحتنا الطهر؛ فكلما ابتعدتِ، اقتربتِ في روحي أكثر.
كان الحب العفيف قبل أن يجمعنا ميثاق غليظ، عبارة عن "هالة" من القدسية. أذكرُ كيف كان مجرد مرور طيفكِ في خاطري يجعلني أعتدل في جلستي احتشاماً. لم تكن الغيرة حينها "سكينًا" تمزق صدري، بل كانت "سياجًا" يحميكِ في خيالي. كنتُ أغارُ من أعين الغرباء، ومن كلمةٍ عابرة قد تخدش وقاركِ، كانت غيرة "الفارس" الذي يحمي حمىً لم يطأه بعد.
لذة الحرمان الجميل
ما أصعب الانتظار وما أجمله! كانت الرسائل المتبادلة بالعين، والدعوات المخبأة في سجود الليل، هي وقود أيامي. كنتُ أكتفي بأن أعلم أنكِ بخير، وأنكِ "هناك" تنتظرينني كما أنتظركِ. في تلك الأيام، كان الحب "عطاءً" مطلقاً؛ كنتُ مستعداً لأن أحارب العالم لأجلكِ دون أن أنتظر منكِ شيئاً، سوى أن تظلي تلك النجمة البعيدة التي تنير عتمة طريقي.
"كنتُ أحبُّ فيكِ غيابكِ بقدر ما أحبُّ حضوركِ، لأن الغياب كان يمنحني فرصة أن أصنع منكِ تمثالاً من النور في قلبي، لا يطوله بشر، ولا تلويه الأيام."
لماذا كان الحب أهدأ حين كنتِ بعيدة؟ ربما لأن "اليقين" لم يكن قد تملكني بعد. كنتُ أخشى الله فيكِ، فكانت التقوى تجمح جماح رغبتي. لم تكن الغيرة من إخوتكِ أو أهلكِ تخطر ببالي، بل كنتُ أرى فيهم "رائحتكِ" وأحبهم لأنهم منكِ. كنتُ أرى في أخيكِ سنداً يحميكِ حتى آتي أنا، وفي أبيكِ حصناً يصونكِ حتى أستلم الأمانة.
فما الذي تغير؟ كيف تحول ذلك "الحصن" في عيني اليوم إلى "شريك" في اهتمامك؟ وكيف تحول "السند" إلى "منافس" على وقتك ؟؟