عيونك قصيدة اذوب فيها صمتاً - الفصل الثالث - بقلم نهال | روايتك

اسم الرواية: عيونك قصيدة اذوب فيها صمتاً
المؤلف / الكاتب: نهال
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثالث

الفصل الثالث

كان عِوضها أن تتبنّاها عائلةٌ استحقت قلبها قبل اسمها فاحتوتها كما لو كانت قدرًا كُتب لها متأخرًا، وعوّضتها عن أمٍ وأبٍ تخلّيا عنها في لحظةٍ لم تختَرها لكن هل كان ذلك نهاية الألم؟ أم بداية حكايةٍ لم تُروَ بعد؟ صدقني يا عزيزي القارئ، قصّتي لم تنتهِ هنا… بل بدأت الآن. وفي ختام هذه الصفحة، أود أن أشكر كل بنتٍ فزعت لي، وكل قلبٍ صدق دعمه، شكرًا لكم للمرّة الثانية، وبامتنانٍ لا يكفيه الكلام. ـــــــــــــــــــــــــــــالبدايةـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نظرت الممرضة لعبير باستغراب، ثم قالت بهدوء: «التبني مو بهالسهولة يا أختي، فيه إجراءات طويلة وموافقة رسمية.» انحنت عبير قرب الطفلة، مدّت إصبعها الصغير، فتوقفت الطفلة عن البكاء فجأة… وكأنها شعرت بالأمان. ابتسمت عبير، والدمعة خانتها. في تلك اللحظة دخل خليل، كان وجهه متعبًا وقلقًا. وقف مكانه لما شاف المشهد. خليل «عبير… وش صاير؟» رفعت رأسها له، وعيناها تلمعان: «خليل… شوفها.» اقترب بخطوات بطيئة، ونظر للطفلة. كانت هادئة الآن، تحدّق بوجه عبير وكأنها تعرفه. خليل (بصوت منخفض) «بنت صغيرة…» عبير «أمها تركتها وهربت. تخيّل… تركتها تبكي لحالها.» سكت خليل لحظة، ثم قال: «الله يعوّضها خير…» هزّت عبير رأسها، وصوتها يرتجف: «وأنا؟ متى الله يعوّضني؟» نظر لها خليل بصدمة، يعرف وجعها… يعرف كم تتمنى تكون أم. عبير «قلبي تعلّق فيها يا خليل، من أول ما سمعت بكاها.» مدّت يدها للطفلة، فقبضت الطفلة على إصبعها بقوة صغيرة. تنفّس خليل بعمق، وكأن القرار أثقل صدره، ثم قال: «الخير اللي يكتبه الله ما يضيع… بس هالأمور يبيلها تفكير.» رفعت عبير نظرها له، وفي عيونها رجاء: «خلّنا نسأل… خلّنا نحاول.» صمت خليل… ثم قال بهدوء حاسم: «نسأل.» ابتسمت عبير لأول مرة منذ زمن طويل. ثبتت الممرضة نظرها فيهم، وقالت: «إذا ناوين فعلًا، راح أبلّغ الإدارة الاجتماعية… بس تعرفون؟» توقف الاثنان. الممرضة «هالبنت ما لها أحد.» في تلك اللحظة… وصلهم صوت الأذان من بعيد، يملأ المكان سكينة. شدّت عبير الطفلة لقربها وهمست: «يمكن الله جابنا هنا عشانك.» ولم يكونوا يعلمون… أن هذه الطفلة ستكون بداية حكاية جديدة، وأن القدر ما جمعهم صدفة. بعد ساعات … خرج الطبيب يطمئنهم أن حالة الجد سلطان مستقرة، ويحتاج فقط للراحة. دخل خليل وعبير عليه بهدوء. كان مستلقيًا على السرير، ملامحه مرهقة، لكن عينيه ما زالتا مليئتين بالحياة. الجد سلطان  كان الجد سلطان مستلقيًا على السرير الأبيض، ملامحه شاحبة لكن عينيه يقظتين دخل خليل بهدوء، وخلفه عبير، وعلى وجهها تردد وخوف. الجد سلطان "تعالوا وش صار؟ شفت القلق بعيونكم" جلس خليل قربه، وأمسك يده خليل "يبه فيه موضوع لازم تعرفه" نظرت عبير للأرض، ثم رفعت رأسها وقالت بصوت خافت: «سمعنا بكاء طفلة بالمستشفى… أمها تركتها وهربت.» شدّ الجد سلطان حاجبيه، وقال بحزن: «لاحول ولا قوة إلا بالله…» عبير «قلبي تعلّق فيها يبه… تعلّق قوي. حسّيت إنها مو غريبة عني.» سكت الجد سلطان لحظة، ثم نظر لعبير نظرة فاحصة، كأنه يقرأ قلبها. الجد سلطان «وأنتِ… وش تبغين؟» رفعت عبير عيونها المبللة: «أبغى أكون أمها.» ساد الصمت. تنفّس الجد سلطان بعمق، ثم قال بصوت هادئ لكن حازم: «الأم ما هي اللي تولد وبس… الأم هي اللي ترحم، وتخاف، وتضحي.» نظر لخليل وقال: «وأنت؟ راضي؟» خليل «راضي يبه… إذا الله كتبها.» أغمض الجد سلطان عينيه لحظة، ثم فتحها بابتسامة خفيفة: «إذا نيتكم صافية، الله بيسهّلها… وأنا أول واحد معكم.» تنفست عبير وكأن جبل انزاح عن صدرها. الاتفاق بعدها بأيام، تم الاتفاق بين خليل وعبير وإدارة المستشفى. كُتبت الأوراق على أن الطفلة مجهولة الأبوين، وأهلها متوفين. كان القرار صعبًا… لكن خليل وعبير اختاروا الطريق الأصعب، خوفًا من تعقيدات التبني، وخوفًا أكثر… أن تكبر الطفلة يومًا وتعرف الحقيقة فتتألم. خرجت الطفلة من المستشفى بين ذراعي عبير، ملفوفة بغطاء أبيض، وكأنها خرجت من حياة… ودخلت أخرى. سافرت العائلة، وابتعدوا بها عن الديرة، وبدأت حياة جديدة، باسم جديد، وهوية جديدة. بعد أسبوعين … كانت أمّ عنود واقفة عند الموقد، تحرّك القدر بشرود رائحة الأكل ما كانت حاضرة ببالها… اللي حاضر هو اسمٍ واحد فقط. بنتها توقّفت يدها فجأة. تذكّرت الصغيرة اللي تركتها في المستشفى أسبوعين كاملين، ولا مرّة سألت عنها. انسابت دمعتها دون استئذان، وكأنها تعاقب نفسها كيف قدرت؟ كيف قدرت تترك روح بريئة تصارع الموت وتمشي دخلت عنود بهدوء، وشافت أمها تبكي. اقتربت منها، مسحت دمعتها، وحطّت يدها على رأسها بحنان. عنود: «وش فيك يمّه؟ ليه تبكين؟» تنفّست أم عنود بصعوبة، وصوتها كان مكسور. أم عنود: "ندمانة ندم ما يتوصّف. ما قدرت أنساها لحظة. أفكّر كيف تركتها، كيف قلبي قسا لهالدرجة وأخلّي بنتي بالمستشفى لحالها" نزل رأس عنود، وقالت بصوت مليان حزن وأمل بنفس الوقت: «نقدر نرجعها يمّه صح؟» ما ردّت أم عنود. لكن الفكرة علقت في قلبها مثل الشرارة. إيه  ليه لا؟ خلّت القدر، وطلعت من المطبخ. لبست عبايتها بسرعة، وقلبها يرجف بين خوف وأمل. أمل يشدّها وشوق يخنقها. ما راح أتركها بعد اليوم مهما صار. وقبل لا تفتح الباب، جاها صوت من وراها. أبو عنود: "وين رايحة؟" التفتت له، بس ما ردّت. خطت خطوة للباب، فجأة مسك يدها بقوة، والغضب باين بملامحه. أبو عنود (بعصبية): "أنا أسألك وين رايحة؟" ام عنود: انفجرت بالبكاء. "لبنتي… للبنت اللي تركتها" ابو عنود: ضحك باستهزاء، ونظر لها بحدّة. "الحين بعد أسبوعين؟ تحسبينها للحين عايشة؟" ام عنود: رفعت رأسها، وعيونها مليانة دموع لكن فيها قوة أم. "إحساس الأم ما يخيب. أنا متأكدة إنها عايشة. وراح أرجعها وما راح أتركها مرّة ثانية، لو وش يصير" فتحت الباب وطلعت خطواتها سريعة وقلبها يسبقها. راحت للمستشفى… وفي داخلها أمل كبير وشوق أمّ تبي تضم بنتها وتقول لها: سامحيني تأخرت عليك. وقفت ام عنود أمام باب المستشفى، قلبها يرجف لم تنم ليلة واحدة منذ تركت طفلتها الندم أكل روحها. تقدمت بخطوات مترددة وسألت الممرضة: 'أنا جيت أسأل عن بنتي" نظرت لها الممرضة في الملف، ثم رفعت رأسها وقالت بهدوء قاتل: "بنتك… توفّت" تجمّد ام عنود: "وش وش تقولين؟" الممرضة: "تعبت كثير، وما قدرت تتحمّل" انهارت عزيز أرضًا، صراخها شقّ المكان. "أنا السبب أنا اللي تركتها! خلّيتها تصارع الموت لحالها!" ضربت صدرها، وبكت بحرقة: "يا رب سامحني يا رب سامحني" خرجت من المستشفى مكسورة، لا تعلم أن ابنتها ما زالت على قيد الحياة تنمو بين ذراعين مليئتين بالحب. رجعت للبيت... رجعت أم عنود مثقلة بخيبة ثقيلة دموعها تنهمر بغزارة وندَم يحفر في صدرها حفر دخلت البيت وأغلقت الباب خلفها بهدوء قاتل مجرد ما شافها أبو عنود.. ابو عنود: رفع عينه وقال بنبرة باردة: "بشّري عايشة؟" ما ردّتتخطّته وكأنها ما شافته، ودخلت غرفتها وأغلقت الباب وهناك انهارت بكاء بحُرقة، بكاء وحدة انكسر قلبها ألف مرة. كانت عنود تراقب المشهد من بعيد، شايفة الحزن في عيون أمها، لكنها عاجزة ما تفهم وش اللي صار ولا ليه أمها بهالحال ترددت لحظة ثم دخلت الغرفة أول ما شافت أمها، توقفت أنفاسها. ما قد شافت أمها منهارة بهالشكل اقتربت منها بسرعة. حضنتها بقوةوبكت معها بلا أسئلة، بلا فهم، بس قلبٍ يحتضن قلب.. جلس أبو عنود في المجلس، كوب الشاي قدّامه لكن ما ذاقه. كان يبرد مثل قلبه. صوت بكاء أم عنود واصل له من آخر البيت كل شهقة كانت تضربه بصدره، لكنه ما تحرّك. كان يدري يدري إن اليوم هذا بيجي. همس لنفسه بصوت واطي: "كنت أحسبها بتموت ويريحنا كلنا" سكت فجأة كأن الكلمات خنقته ــــــــــــــــــــــــــــــــنهايةــــــــــــــــــــــــــــــــــــ