عيونك قصيدة اذوب فيها صمتاً - الفصل الثاني - بقلم نهال | روايتك

اسم الرواية: عيونك قصيدة اذوب فيها صمتاً
المؤلف / الكاتب: نهال
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثاني

الفصل الثاني

غالبًاما يُفَضَّلُ الذكور على الإناث، عادةٌ قديمةٌ ضاربةٌ في جذور الجاهلية، حين كان بعض الناس يقتلون بناتهم، ويدفنونهنَّ أحياءً خوفًا من العار، وكأنَّ الأنثى كانت ذنبًا لا يُغتفر … وقد صوَّر القرآن هذا المشهد المؤلم بأبلغ بيان، فقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ مرت الأزمنة، وتبدّلت الوجوه، لكن الفكرة… لم تمت تمامًا. في زماننا هذا، تغيّر المشهد ظاهريًا، أصبحت البنات مُحبّبات، وأُعطين قيمة، وتحوّل الرفض إلى شوقٍ ولهفة. لكن بعض القلوب ما زالت لا تُحسن شكر النعمة. رجلٌ رزقه الله بتوأمٍ من البنات، نعمةٌ يتمناها كثيرون، لكنّه لم يرَ فيها إلا ابتلاءً، وكأن العطاء لم يكن كافيًا… فأُصيبت إحداهنّ بالمرض منذ ولادتها، وكأن القدر يهمس: النِّعم لا تُداس دون ثمن. وعائلةٌ أخرى تمنّت طفلًا طويلًا، دعوا الله ليلًا ونهارًا، لكنّ العقم كان طريقهم القاسي… حتى رُزقوا بطفلة طفلة لم تحمل الذنب، ومع ذلك… تخلّى عنها والداها. وهنا يأتي السؤال الذي يوجع القلب: من الظالم؟ ومن المظلوم؟ وهل الذنب في الذكر أو الأنثى؟ أم في القلوب التي لا تفهم حكمة الله؟   (اعذروني على المقدمة طويل) ـــــــــــــــــــــــــــــــالبدايةــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لم يهتم كل كان ينتظر كلمة ولد، فجاءه القدر بـ بنتين... استدار. تاركً المستشفى. خلفه روحين صغيرتين فتحت أم عنود عيونها ببطء، الألم يعصر جسدها، لكن قلبها كان معلق بشي ثاني. قالت بصوت متعب: "وين عيالي؟" تقدمت الممرضة بتردد: "الله يقومك بالسلامة… زوجك طلع." ارتجف قلبها.وقالت. «طلع؟ وين راح؟» سكتت الممرضة ثم قالت: "والله اعلم بس وحدة من التوأم حالتها خطيرة." انهارت أم عنود، دموعها تنزل بلا صوت. مو لأنها أنجبت بنات… لكن لأنها أحست إنها وحدها. مر يوم ثم يومين. ولا أثر لأبو عنود. لا زيارة، لا سؤال، ولا حتى نظرة لبناته. طلبت تشوف الطفلة المريضة. دخلت عليها، صغيرة شاحبة تتنفس بصعوبة. حضنتها وبكت وكأنها تودع روحها. همست: "سامحيني والله غصب عني مابيدي شي" خرجت من المستشفى بطفلة واحدة فقط وتركت الأخرى وحدها تصارع الموت ... رجعت أم عنود البيت وهي تحس إن الجدران تضيق عليها. مو نفس البيت اللي طلعَت منه قبل أيام، ولا نفس المرأة. فتحت الباب بيد مرتجفة، دخلت وهي شايلة طفلتها، قلبها مو معها. … قلبها هناك، مع ابنتها ثانية الذي تركتها صرخة عنود بسعاده عندما رأت والدتها "يمّه!" ركضت عليها وحضنتها بقوة، عنود وهي تبكي: «وينك؟ حسبتك ما بترجعين.» مسحت أم عنود على شعرها صوتها مبحوح: «رجعت يا يمّه رجعت.» دخلت سكّرت الباب، جلست وهي تحاول تلمّ شتات نفسها رفعت عيونها وسألت: "وين طرفة؟" عنود: "نايمة من بدري." سكتت لحظة ثم سألت السؤال اللي كانت تعرف جوابه: "وأبوك؟" عنود باستغراب: «مب هو معك؟» هنا انكسر آخر أمل مرت الساعات ثقيلة. الليل نزل، والبيت بلا رجل، بلا صوت، بلا أمان جلست أم عنود جنب طفلتها تناظر ملامحها الصغيرة تشوف فيها أختها تشوف فيها الذنب. همست وهي تمسح دمعتها: "سامحيني والله بس الفقر قاسي وأبوك أقسى" حضنت الطفلة لكن حضنها كان ناقص ناقص روح تركتها في المستشفى.. في اليوم الثالث.. سمعت طرق على الباب قامت بسرعة، قلبها يخبط. فتحت طرفة الباب، وفجأة صرخت بأعلى صوتها: "يمّه! أبوي!" طلعت أم عنود تركض، وقف قلبها لحظة وهي تشوفه واقف قدامها نفس الوجه لكن بلا رحمة. قالت ام عنود  بصوت مرتجف: "وينك يا أبو عنود؟ ثلاث أيام ما حسّينا فيك!" ما رد تجاوزها دخل البيت وكأنها ما كانت موجودة راح للغرفة وقف عند السرير شاف ابنته ممددة صغيرة ضعيفة قرب منها تأملها وفجأة تذكّر ~توأم.~ لفّ عليها بحدّة ونظر لام عنود وقال: "وين الثانية؟" سكتت عيونها نزلت للأرض ماكان عنها رد... قال ابو عنود بصوت أعلى: "أسألك وين الثانية؟!" ام عنود انهارت قالت وهي تبكي: "بالمستشفى تعبانة حالتها خطيرة" ابو عنود ضحك ضحكة باردة: "وأحسن" ام عنود رفعت راسها بصدمة: "وش قلت؟!" ابو عنود قال بقسوة: "أربع بنات وش أبغى فيهم؟!" كلماته كانت سكاكين ... عنود وطرفة واقفات يسمعن امهم وابوهم يسجلن الألم في ذاكرتهم للأبد. قالت أم عنود بصوت مكسور: "حرام عليك ذنبهم وش؟" ابو عنود رد بلا تردد: "ذنبهم إنهم بنات" ثم لفّ وطلع مرة ثانية لكن هالمرة… ترك خلفه كسور ما تنجبر. في المستشفى كانت الطفلة الثانية تصارع أجهزة ممرضة تمر... وطبيب يتنهد قال واحد منهم: "الأهل ما سألوا عنها" الثاني: "ما نقدر نخلّيها كذا"     عند قصر الٓ سلطان الجد سلطان (تنهد بعمق، وصوته مليان شوق) «الله… اشتقت لأيامٍ طيبة، أيام كانت القلوب فيها أنقى والحب صادق.» أبو مشاري (ولده الأكبر) "وش فيك يبه؟ ملاحظك هاليومين حنيت للديرة، لا يكون ناوي تزورها؟" الجد سلطان: "إي والله أفكر أزورها، بس مب لحالي… أبيكم كلكم معي، أنتوا وعيالكم." خليل (ولده الأصغر) "سمّ يبه، نجهّز كل شي ونروح للديرة. الجد سلطان "يعني متفقين نروح كلنا؟" وقف أبو مشاري، وبان الغضب على ملامحه وقال: "بس يبه… أنا ما أقدر أروح معك. أنت تدري وضعي بالشركة، عندي اتفاقيات ومشاغل. روح أنت وخليل وأبو فيصل" أبو فيصل (الولد الأوسط) "حتى أنا ما أقدر يبه، ظروفي ما تسمح." خليل(الولد الاصفر) "ولا يهمك يبه أنا وحرمتي معك وما نقصر" الجد سلطان (بصوت فيه ضيق وحزن) "طيب الأسبوع الجاي نروح" خليل (الولد الاصغر) "ليش ننتظر الأسبوع الجاي؟ نطلع بكر لم يكن خليل يعلم أن هذه الرحلة ستكتب له قدرًا جديدًا، وأن الديرة تخبئ له ما لم يكن في الحسبان… عاد أبناء سلطان إلى بيوتهم، وبقي خليل قريبًا من والده، يلازمه ويهتم بكل احتياجاته كعادته دائمًا ... في يوم الوداع، اجتمع الأبناء لتوديع والدهم العناق كان صامتًا والكلمات قليلة. ركب الجد سلطان مع خليل وزوجته عبير، وانطلقت السيارة ... في اليوم التالي وصلوا إلى الديرة، وأقاموا في فندق قريب. كان الجد سلطان سعيدًا للغاية، يزور الأماكن القديمة واحدًا تلو الآخر، يستعيد الذكريات، ووجهه يشرق كلما مرّ بمكان عرفه في شبابه. خليل وعبير لم يقصّرا معه أحاطاه بالاهتمام والحب… حتى جاء اليوم الثاني حين تعب الجد سلطان فجأة، فقررا أخذه إلى المستشفى. كان خليل وعبير يجلسان في صالة الانتظار، والقلق يسيطر عليهما، وفجأة… اخترق المكان صوت بكاء طفلة رضيعة توقف قلب عبير عند ذلك الصوت عبير (بانفعال) "من يخلّي طفلته تبكي كذا؟ لو هالبنت بنتي، ما خليتها تذرف دمعة" قامت من مكانها واتجهت نحو حضانة الأطفال. كانت تنظر للرضّع واحدًا تلو الآخر، حتى وقعت عيناها على طفلة صغيرة، وجهها محمّر من البكاء وكأنها تناديها اقتربت منها ونظرت إلى الممرضة وسألت: "وين أمها وأبوها؟" الممرضة "أمها هربت وتركتها، وما رجعت تسأل عنها" ارتجف قلب عبير وتحدثت داخل نفسها: كيف قسى قلبك؟ تتركين بنتك وأنا أتمنى طفل، وأدعي ربي ليل نهار، وأنتِ الله أنعم عليك وتركتيها؟ رفعت عبير نظرها للطفلة ثم للممرضة وقالت بصوت متردد لكنه صادق: "أقدر أتبناها؟" ـــــــــــــــــــــــــــــــــنهايةــــــــــــــــــــــــــــــــــ