فصل التاسع والأخير
شيوا القابلة للكسر
ألست معك يا ((شيوا))؟ تعالي هنا!
كنّا في السنة الماضية عندما تحدَّثت بصوت عالٍ وعصبية وقطبت جبينك وكنت تحس بالغصّة في أعماق قلبك، كان شيئاً عجيباً جداً! لم تعتد أبداً التحدث إلي بصوت عالٍ. لم يحصل مرة أن آلمت رأسي بصراخك، كلما كانت والدتي تتكلم معي بعصبية كنت تقول باعتراض: ((فتاة حساسة ولطيفة كورقة الورد! يجب عدم تأنيبها)).
كنت كفراشة تدور حولي، كانت أمي تقول: ((لقد أعطت ثمارها! لقد بلغت السماء وخرقتها، هذه البنت الوحيدة قد أصبحت ملازمة أبيها..)).
لكن لعدة ليال لم تحتمل سلوكي! كنت تغضب بسرعة! كنت تقول إنه لا رغبة لك في فعل شيء، كنت تخرج من البيت صباحاً توصي بكل شيء، ومن الإدارة أيضاً كنت تتصل عدة مرات وتسأل عن أمي، كنت تقول: ((يجب أن نخرج من المدينة!)) لكن أمي لم تكن تفعل ذلك. كانت تقول: ((إنها تتمنى أن تضع مولودها في بيتها)) كانت تقول: ((هكذا أفضل)).
كانت أمي في حالة نفسية جيدة. ومع وجود كل ذلك الضجيج، لكن لم تكن مهتمة! كان لونك يشحب بسرعة!، لقد كنت تقول في سرّك إنك تخاف من أجلي ومن أجل أمي، كنت تقولي ((لو تألمت أمك في منتصف الليل، ماذا نفعل وليس لدينا أي وسيلة طبية! والمشافي مزدحمة ومليئة بجرحى الصواريخ، كيف سنسعفها؟)).
كنت تقول حقاً. عندما أحست السيدة ((بتول)) بآلام المخاض استغرق نقلها إلى المشفى عدة ساعات، وفي النهاية وضعت مولودها في السيارة، كنت تقول إنك تخاف شيئاً كهذا! منذ مدة كنت تجلس في زاوية الغرفة تدخن سيجاراً ولم تولني أية أهمية، وعندما كنت أتجه إلى النافذة، كنت تصرخ.
تلك الليلة أيضاً، -كالآن- كان الجو غائماً والريح تعصف، كان قد بقي للعيد ثلاث ليال، كنت أقف إلى جوار النافذة عندما دخلت وصرخت: ((تعالي هنا يا شيوا! كم مرة يجب أن يتكلم الإنسان مع طفلة؟)).
تلك الليلة، صرخت كثيراً، لم يكن فكري في المنزل، كان فكري عند أمي، عندما قبّلتني أمي وودعتني، أحسست أن شيئاً انهار في قلبي وأصبح فارغاً، إن البيت كان كالقبر وكأنه يصفّر بدون أمي، حتى أنت لم تستطيع ملء الفراغ الذي تركته أمي، كان البيت بدون أمي مملاً وحزيناً، ولم أعرف لمَ لم تدركِ أنت أيضاً هذا الشيء!
في تلك الليلة صرخت كثيراً، وبصوت صراخك أحسست شيئاً يتكسّر في داخلي، رغماً عني وقفت الغصّة في حلقي، كنت دائماً تقول لي ((قابلة للانكسار)) لأني أبكي بسرعة، كنت تقول: ((إن الفتيات يستطعن أن يكنّ أكبر مصدر لعصير الحصرم!)).
وكم كنت تحاولين استفزازي.
في تلك الليلة لم أستطع النوم عندما كنت أنظر إلى سقف الغرفة، كنت أتوقع انهياره في كل لحظة، مع أنك كنت تلقي عليّ الغطاء وتترك المذياع يعمل، كان قلبي يضطرب وكانت كل أفكاري عند أمي.
كنت أظنك قد نمت، لكن كنت مستيقظاً! كنت تقول، إن تفكيرك كله عند والدتي.
كان الأطباء قد قالوا إن عدة ساعات قد بقيت حتى ولادة الطفل، لم يقبلوا ببقائك في المشفى، يعني لم تستطيع البقاء هناك أيضاً! لأني كنت وحدي في المنزل! لم يكن ممكناً أن أبقى وحدي في البيت! لقد سألتني: ((أتحبين أن يكون عندك أخ أم أخت؟)) شعرت باللذة من الأمرين كليهما، قلت: ((إن كان توأماً سيكون ذلك أفضل، يعني بنتاً وصبياً)).
وفي تلك الليلة كم طاب لك كلامي هذا.
كنت أضع يدي على صدرك عندما نمت، لم أعرف كم ساعة قد نمت، عندما فتحت عيني كنت قد ارتديت ملابسك، وكانت ابتسامة مرة على شفتيك، قبلتني وقلت إنك ذاهب إلى المشفى لتحضر أمي، كم أوصيتني ألا أذهب نحو النافذة، في ذاك اليوم لم أترك يديك قلت: ((بابا! لا يمكن أن آتي معك؟)) رفعت حاجبيك وقلت: ((نعود بسرعة)) ودعتني وأغلقت الباب خلفك.
بذهابك أصبح المنزل خالياً، أحسست بالوحدة كان قلبي يضطرب، كان الوقت صباحاً، لكن البيت كان كانقباض الغروب حزيناً. رفعت صوت المذياع، كان ذلك خارجاً عن إرادتي، كأنك وأمي قد أخذتما معكما قلبي كله!
اتجهت إلى النافذة دون تفكير، كنت أذكر كم أوصيتني، لكن لم أستطع، كنت دائماً أحب أن أقف إلى جوار النافذة وأنظر إلى حديقة الجيران، في ذاك اليوم فتحت المرأة العجوز في وقت مبكر جداً باب بيت الدجاج والديوك تقدّم الدجاج والديوك وكان صغارهم يركضون خلفهم على المرج، كنت أحب أن أشاهد ذلك، أصرّ الصغار أن يذهبوا فوق أجنحة أمهاتهم، وبعضهم بمجرد أن خرجوا كانوا يركضون نحو أمهاتهم ويصيحون، كانت رؤيتهم تسليني.
كنت أشاهدهم عندما اهتز الزجاج، أخذت برأسي بين يديّ لا أعرف صرخت أم لا؟
أحسست أن الزجاج قد تحطم على رأسي، تذكرت كلامك، قلت: ليتني أصغيت إلى كلامك، لكن.. أبي! في ذاك الوقت لم يكن الزجاج قد تحطم ولا السقف قد انهار، كانت الغصّة في حلقي.. واللعاب قد جف في فمي، كنت خائفة جداً، لم يكن ذلك بيدي! تحطمت أعصابي وبدأت بالبكاء.
كنت تقول حقاً عندما قلت إن البنات قابلات للكسر. لقد بكيت جداً ذاك اليوم، عندما صار الوقت ظهراً، لم تكونوا قد أتيتم، صار العصر، ولم تأتوا! كنت كالدجاجة التائهة تعدو من هذا الطرف إلى ذاك، لم يتركني البكاء لأهدأ، كنت قد ألقيت المذياع، كان كل صوت يدخل في رأسي كالصاروخ، كنت دائماً أفكر، الهاتف كان يرن، كنت في حالة دوران بين الهاتف وباب البيت.
ومضت سنة! ولم تأتِ يا أمي! لقد ذهبت لتحضر أمي مع أخي أو أختي، لكنك لم تأت! قالوا: إنكم قد بقيتم جميعاً تحت الأنقاضّ قالوا إنه لا أثر لأجسادكم!..
عندما انتشر الخبر في كل مكان أتي الجيران إلى بيتنا، كان كل منهم يسعى لأن يواسيني بشكل من الأشكال أحضروا لي الغداء والعشاء عدة أيام.
جدي أيضاً كان قد سمع الخبر وأتى من القرية.. ذاك اليوم فتحت الباب ورأيت جدي، وأحسست بالغصّة وضعت رأسي على كتفه.
لقد أصبح جدي هرماً جداً، لم أكن قد رأيته منذ سنتين، لقد أصبح ظهره منحنياً ويداه ترتجفان، كان يقول إن قدماه تؤلمانه، كان يقول منذ أن توفيت جدتي لا يوجد من يواسيه، كان يقول إنه يعمل حارساً عند رب عمله ويقتات بخبز يومه.
لم يبق جدي عندنا أكثر من أيام قليلة، قال أنه يجب أن يذهب بسرعة وإلا فإنه سيفقد عمله، عندما ذهب نامت عندي السيدة بتول عدة ليال أخرى، وبعد ذلك قالت إن عندها طفلاً صغيراً ولا تستطيع أن تبقى ليالٍ خارج بيتها، طلبت مني أن أذهب إلى بيتها، لكن لم أقبل، لم تكن تحب أن أذهب وحدي إلى أي مكان كنت تقول: "إن البنت يجب ألا تذهب وحدها إلى مكان فيه من ليس بمحرم".
قلت للسيدة بتول: "أنت لا تزعجي نفسك، أنا سأتدبّر أموري، لكن السيدة بتول لم تقبل، أرسلت مرضية أختها عندي، كانت مرضية أكبر مني بعدة سنوات، كانت فتاة جيدة كانت تقول إنها ترثي لحالي.
بعد ذلك، صرت أطبخ طعامي بنفسي، لم أدع مرضية تفعل شيئاً، لقد علمتني أمي كيف أطبخ الرز.
ذاك اليوم، كنت أقف كثيراً حول النافذة وأنظر إلى الفراخ..
ومن اليوم الذي أخذت فيه الهرة أحد الفراخ، لم يفترقوا عن أمهم وكانوا دائماً يدورون حولها.
أصبح الجو دافئاً، وتساقطت براعم الأشجار، انتهى قصف الصواريخ، عاد الناس من الحدائق وأطراف المدن إلى بيوتهم وذهب الأطفال إلى المدارس.
في أحد أيام الثلاثاء، أحضرني عدد من النساء بسيارة رمادية اللون إلى هنا، إن لباس المولود الجديد عندي حتى الآن، كانت أمي قد رتبته في الخزانة، وكذلك كانت قد وضعت لحافه وفراشه على السرير.
يوم أردت أن آتي هنا، أخذت هذه الأشياء كلها معي، والآن اختفت عباءة أمي التي يفوح عطرها منها، وذلك المعطف الرمادي الذي اشتريته لك يوم عيد ميلادك قد علقته على المشجب في غرفتي.
إني أراكم دائماً حول غرفتي وفيها، وأحس برائحتكم، الآن أيضاً في غرفتي نافذة، ومقابل نافذتي تماماً حديقة كبيرة، فراخ هذه الحديقة كثُر لكن هؤلاء الفراخ ليس لديهم أب أو أم! إنهم فراخ من توليد الآلات! كبروا في الأجهزة. ولا يمكن ليد الهرة الوصول إليهم لأن هذه الحديقة محاطة بشريط شائك.
إن المكان جيد هنا، والأطفال هنا كثيرون، كل يوم نلعب معاً عدة ساعات وندرس، معلماتنا عطوفات، الطباخون يطهون لنا الطعام، والغسّالون يغسلون ملابسنا، لكن لا يوجد هنا أب، لا يوجد من أضع رأسي على صدره! لا يوجد من يلاطف شيوا القابلة للكسر!
الجدران هنا رمادية اللون، والهواء هنا محصور والجو غائم، والليالي هنا طويلة، الغرف هنا صغيرة، والأطفال هنا يلبسون لباساً موحداً.
اليوم، عندما أخرجت ملابس عيد السنة الماضية التي كنت قد اشتريتها لي وأريتها للأطفال، نظر الجميع إليّ بانزعاج، اليوم عندما أردت أن أرتدي ثوبي الموشّى خجلت من الأطفال.
قالت لي المعلمة أن أضع لباسي في الخزانة، وأنا أصغيت إلى كلامها ووضعت لباسي في الخزانة إلى جوار معطفك، وألقيت بعباءة أمي فوقه ولففت كل ذلك بلحاف وفراش أمي.
اسمع! إنهم ينادون بالمكبّر: "على بنات الطابق الثالث التوجه لتناول الغداء!".
الجو غائم إلى الآن.. السماء تبرق.. والزجاج يهتز من صوت الرعد الريح تهزّ ستارة الغرفة وشعري ينسدل على وجهي، لكن لا أعرف لمَ لا يهطل المطر؟!
((