الفصل الخامس
مســـــــتانــه
من طرف جدران الوهم تلك ناداني: "مستانه!".
قلت: "خذني أنا أيضاً معك".
ضحك، قال: "تعلمين أن ذلك غير ممكن".
كان يرسم على لوحة قماشية.. كان البحر مائجاً.
قلت: "كأنك تصف قلبي".
قال: " اني أحب البحر المائج "
قلت: "لكنك هادئ!".
قال: "السماء زرقاء".
قلت: "لكن ليس في الجوّ الإعصاريّ!".
ضحك، أدار وجهه، لوّن الخطوط المتداخلة والمتشابكة، حلّق طائر بحري، هبت الريح، فُتحت نافذة الغرفة، تضوّعت رائحة عطر النارنج في الغرفة.
وضعت أمي منديلاً مبللاً على جبهتي، كان حيدر ينتحب باكياً كالنساء "سهيل" و "شكوفه" جالسان في زاوية الغرفة، أبي يدخن سيجاراً.
سأل الدكتور: "منذ متى وهي مرتفعة الحرارة؟".
قال حيدر: "منذ البارحة يا سيدي الدكتور!".
قال الدكتور: "ليس هناك أمر هام سأعطيها خافضاً للحرارة".
قلت: "مسعود! ألا يمكن أن تصبح المرأة أيضاً غوّاصة".
ضحك وقال: "كيف ستكون امرأة!".
قلت: "أحب أن آتي معك".
ارتدى ملابسه.. كان البحر هائجاً.. قلت: "ليتك لا تذهب اليوم.. البحر مضطرب".
أخذ يدي قال: "تعالي نذهب لنتنزّه خلف حقول القصب قليلاً".
كان الوقت صباحاً. لم تكن الشمس قد أشرقت بعد.. كانت خطانا تترك آثارها على رمال الساحل، وكان طائر بحري يحلّق فوق رأسنا، قلت: "لماذا حيث تذهب، يذهب معك الطائر البحري؟".
ضغط على يدي، قال: "أتغارين؟".
قلت: "ربما!" نظر إليّ، قال: "إن قلبي لك وحدك".
قلت: "أستبعد ذلك".
توقف.. نظر إليّ بغموض، قال: "غيرك..!"
هززت رأسي، وترقرقت قطرة دمع في عيني، سأل: "من؟".
قلت: "البحر!" وبكيت.
مسح على رأسي بحنان، قال: "بالتأكيد سأحضر لك لؤلؤة كبيرة".
قلت: "أنت نفسك لؤلؤة!"
نظر إليّ
أجلستني أمي، كان في يدها كأس من الماء، أمسك حيدر بظهري، حاولت أمي أن تسكب الماء في فمي.
قال حيدر: "لقد سلب عشقك النوم مني عشر سنوات".
قال أبي: "إنّ حيدر زوج مناسب لك".
صرخت، سقط كأس الماء من يد أمي، صرخ سهيل وشكوفه.
قال حيدر: "مهما قلتِ أحبّك.. ومهما أردت من الجواهر أنثر تحت قدميك، لكن لا تردّيني خائباً!"
قالت أمي: "إنّ ذلك لا يرضي الله، حيدر شاب جيد، يستطيع أن يطرد حبّ مسعود من قلبك".
قلت: "مسعود! بدونك كل مكان قاتم!"
أعطاني بيدي زهرة نارنج قال: "بالنسبة للغواص كذلك كل مكان بعيد عن البحر قاتم!"
شيء ما انكسر في قلبي، خفضت رأسي وبكيت رغماً عني،
قلت: "كل الرجال بلا رحمة!"
قلت: "تعلم أني لا أحتمل ذهابك ولا بقاءك!"
داعب الرمال، قال: "إذن لماذا تجعلين قلبي مضطرباً!"
قلت: "إن قلبي أنا مضطرب"
قال: "إنني أحب البحر الهائج"
قلت: "لكن في عمق البحر ماء ساكن".
قالت أمي: "لقد صدق حدسي إن حرارتك مرتفعة، اشربي هذا الماء".
انتحب حيدر باكياً كالنساء، قال بصوت عال: "أنذر لو أصبحت مستانه بخير أن أصطاد سمكاً لطيور البحر شهراً كاملاً".
صرخت، دارت الغرفة حول رأسي، قالت أمي "يا قمر بني هاشم.. أدركني"
اضطرب قلبي وكل ما في داخلي.. قال الدكتور: "ألم تحدث أشياء مفاجئة؟"
بكت أمي وقالت "كانت ابنتي سالمة كالوردة، قبل يومين كنا ننسج حصيراً معاً".
سأل الدكتور حيدر: "ألم تأكل شيئاً".
قال حيدر: "لا يا سيدي! كالعادة!"
كان سهيل وشكوفه يبكيان بهدوء.
قال مسعود: "هذه الدموع تصيبني بالجنون، لا تبكي يا مستانه".
قلت: "آتي لأجلس في زورق، بما أنك ذهبت إلى البحر فسأحرس الزورق، أعدك لن أزعجك"
قال: "إن سفر البحر صعب، هو للرجال".
قلت: "آتي إلى جوارك.. أعدك.."
سأل: "أتتقنين السباحة؟"
قلت: "لا! لم أجد مكاناً أتعلم فيه"
قال: لو أتى إعصار فإن الزورق سيذهب تحت الماء، ولن تتمكني من الخروج من الأمواج".
قال حيدر: "لن أدعك تذهبين إلى الساحل ثانية، تحملت خمس سنوات ولن أتحمل أكثر".
قلت: "حيدر! إن البحر هو كل أملي!"
قال: "دائماً ذهنك عند طير البحر".
قلت: "مسعود! كم أنظر إلى طير البحر لترجع!"
قال: "إن طير البحر وحيد"
قلت "بدونك وحيد".
قال: كنا ثمانية أيام فوق الماء.. كان مسعود أيضاً في حال جيدة.. وفي صباح اليوم التاسع صار البحر هائجاً.. كان مسعود تحت الماء.. انكسر القارب.. أنا تخبطت في الماء.. ولم أر مسعوداً ثانية".
ألقيت بنفسي في البحر، ركض حيدر خلفي، أخرجني من الأمواج، عضضت يده، كانت يده تعطي رائحة خفية، هربت، ركضت نحو حقول القصب، كان المطر يهطل، كان الماء يقطر من ملابسي، كانت حقول القصب خالية، جلست على الأرض تربعت، صرخت: "مسعود!"
كان طائر البحر يحلّق فوق رأسي، انحنيت، قبّلت مكان أقدام مسعود كانت رائحة عطر النارنج تفوح من الأرض، سقطت في المستنقع، هجمت الأسماك نحوي، جلس طائر البحر على صدري، من طرف جدران الوهم تلك ناداني: "مستانه!" هبّت رياح شديدة واهتزت أعواد القصب.
ضمني حيدر إلى جانبه بشدة، ضربت أمي على رأسي، أخرجوا الأطفال من الغرفة، حقنني الطبيب بحقنة.
قال "إنها متشنّجة!"
كان والدي يدخن سيجارة.
قلت: "أبي! إن حب مسعود لن يخرج من قلبي أبداً، لا تدع عمري يمضي بالتعاسة".
قال حيدر: "إني سأسعدك يا مستانه"
قلت: "أمي! أليس العشق مميتاً!"
قالت: "مستانه! إن هذا التفكير طفولي، في الدنيا صعود وانحدار، إن مسعوداً لا يرضى أن تبقي وحيدة حتى نهاية عمرك على كل امرأة أن تتزوج. بعد مدة سيبتعد عنك أبناؤك سوف ينساك الجميع".
قلت: "حيدر! سأعيش معك، أربيّ أطفالك، لكن قلبي في البحر".
قال: "كوني أنت لي، وليكن قلبك حيث يشاء!"
قلت: "أبي! هل ستجبرني على شيء أنفر منه".
قالت أمي: "إن صلاحك فيه".
ناداني ثانية: "مستانه"، أعطى صوته رائحة عطر النارنج هبت الريح في حقول القصب. قلت: "مسعود! أنتم الرجال كلكم بلا رحمة!"
قال وهو يحدق إلى البعيد: "إن البحر أقلّ رحمة من الرجال!"
قلت: كل سفر صعب يسهل بحضورك".
قال: "عندما أعود سأعلّمك السباحة وكذلك الغوص!"
قلت: "ستمر الأيام صعبة عليّ حتى تعود"
قال: "لقد فقد طائر البحر زوجه منذ سنة، انظري كم يغرّد بحزن".
قلت: "إن قلبي يحترق لحاله"
قال: "في كل عشق احتراق" وجلس على الرمال.
وضع قماش الرسم ورسم، قال: "مستانه! هل سمعت حكاية الطائر المجنون؟"
رفعت حاجبيّ، قال: "إن الطائر المجنون يطير مع المحبوب في كل مكان".
قال حيدر: "لقد جعل حياتنا مختلة.. سوف أقتله"
سقطت على قدميه، قلت: "إن طائر البحر هو كل أملي"
صرخ فيّ: "أمل المرأة الوحيد هو زوجها"
بكيت.. قلت: "حيدر! أعدك أن أكون أفضل مما أنا عليه، أن أعتني بالأطفال، وأن أطهو لك كل ما تحب من الطعام، وأن أنفّذ كل ما تقول، لكن لا تأخذه مني".
قال: "بشرط أن تنزعي هذه اللوحة عن الجدار".
ارتعد جسدي، هذه اللوحة هي حضور مسعود في قلبي، ضرب الباب وقال: "إنني زوجك".
"أحبك على قدر الزوجية، إنني أريد قلبك كله.
صرخت، ارتعش جسدي، أمسك حيدر بيدي ورجلي، قال الطبيب: "عجيب فالحقنة التي أعطيتها كانت أقوى دواء ضد التشنج".
كان حيدر ينتحب مثل النساء.
قلت: "مسعود! سوف أنظر لطائر البحر حتى تعود!"
قال: "إن عشقك يحرقني".
قلت: "إنني لا أحتمل احتراقك"
قال حيدر: "لا أستطيع التحمّل، لماذا لا تفهمي يا امرأة".
قلت: "كنت تعرف أن قلبي في مكان آخر"
-"لقد مضت خمس سنوات، يكفي هذا"
-"لو كان هذا بيدي ما كنت بدأت"
جلست على الرمال، أنمت "سهيل" و"شكوفه" على الأرض وجعلت لهما مظلة، مظلة منسوجة من قصب الساحل، مظلة تعطي رائحة عطر النارنج.
قلت: "مسعود! إن الألم هو عامل الارتباط الحقيقي للبشر"
قال: "طائر البحر وحيد!"
قلت: "إذن لم يكن غريباً طيران الطائر المجنون"
ضحك، قبّلت خاتمي.
قلت: "حيدر! أصبحت زوجتك لكن لن أخلع خاتم مسعود من يدي".
قال: "أريدك أنت، وخاتم مسعود لك"
جلس طائر البحر على كتفي، غرّد لي، كان تغريده يفوح برائحة عطر النارنج.
شددت شعري بكيت وبكت أمي، ضرب حيدر رأسه بالجدار، وحقنني الدكتور بحقنة ثانية.
قلت "حيدر ! إن طائر البحر هو كل أملي".
قال: "لو لم يكن لكان حيدر كل أملك"
قبّلت قدميه، قلت: "طائر البحر لا ذنب له، لم يفعل لك شيئاً".
قال: "لقد سلب كل فكرك!"
-"لقد سلب مسعود فكري وذهب".
قال: "كم أنت عنيدة وقاسية يا مستانه!"
قلت: "إنك غريب عن العشق يا حيدر".
ناداني ثانية: "مستانه!"
قلت: "خذني معك"
كان يرسم على لوحة القماش، كان البحر هائجاً، قلت.. "كأنك تصف قلبي!"
قال: "إنني أحب البحر الهائج"
قال الدكتور: "أستبعد أن تبقى على قيد الحياة".
نزعت أمي اللوحة عن الجدار باكية، وضعتها فوق صدري، كانت اللوحة تفوح برائحة عطر النارنج.
أخذ مسعود يدي وقال: "تعالي نجري على الساحل".
كان الساحل خالياً.. والبحر مائجاً.. والمطر يهطل.. كان الماء يقطر من لباسي.. ركضت.. سبقني.. قلت: "ليس إنصافاً، إن خطواتك كبيرة".
خفف من سرعته، أخذ يدي وقال: "نجري معاً" كان طائر البحر يحلّق فوق رؤوسنا.
ضحك حيدر، كان يحمل بندقية في يده، وفي اليد الأخرى طائر البحر، والدم يقطر من يديه قلت: "حيدر! إن رائحة الضبع تفوح منك".
ضحك، قهقه وقال: "قتلت نقطة اتصالك الوحيدة مع مسعود".
ضحك ثانية، أراد أن يضمني، أمسكت طائر البحر من يده وركضت، نحو الساحل، كان المطر يهطل، وكان لباسي يقطر ماءً. كان الساحل خالياً، والبحر هائجاً، لحق بي حيدر، قلت: "مسعود! تعال هذا أيضاً لك!"
ابتلعته الأمواج ضحك حيدر، انحنى، انحنيت، وقبلت مكان قطرات الدم، كانت الرمال تفوح برائحة عطر النارنج.
قال الدكتور: "ضعوا قطعة قماش في فمها، أخاف نتيجة الحمى أن تقطع لسانها".
قالت الأم: "حيدر! ما هذا البلاء الذي أصيبت به ابنتي؟".
ضرب حيدر رأسه بالجدار قال: "أحبها يا سيدتي عشقتها إلى حدّ العبادة".
قال مسعود: "إن أردت فلن أذهب"
قلت: "إن رغبة المعشوق بنظر العاشق أرجح من العشق، اذهب في أمان الله".
قال والدي: "إنها بنت عنيدة سمجة!"
قلت: "أبي! إن الرجال يعاملون بالعشق!"
ربطوا قدميّ إلى السرير، كان الطبيب يقف فوق رأسي، كان المطر يقطر من السقف.
ناداني ثانية: "مستانه" كان صوته يفوح برائحة عطر النارنج.
((