الفصل الرابع
مهراوة المقدسة
في العشق لا مجال للتأمّل، عندما يضع القلب قدمه في الركاب.. يصهل فرس الوجود وينقل العاشق إلى انتهاء حقيقة الوجود، ويبلغ بجريه المقتل.
كان يضغط الرفش في الأرض ويسلم القلب إلى الصحراء، ويطرق سمعه أصوات أقدام قافلة آتية من البعيد. القافلة في الطريق، يبدأ القلب لعبة غريبة.
عروسه جالسة تنتظر الغروب، وقدمه تضغط على الرفش، يستخرج التراب من الأرض ويلقي به بعيداً، وشمس حامية تسطع. إنه غارق في اللذّة، ينظر إلى الأفق، يحسّ نشاطاً عميقاً وانبساطاً يدغدغ قلبه.
في مخيلته ترتسم صورة المسيح. يضغط الصليب على صدره يبتسم ويدنيه من فمه، يقبله يقول: "أحبك يا مهراوة المقدسة".
تضع مهراوة رأسها على صدره "هل تحبني أكثر أم تحب المسيح"؟
"ما الفرق! إن المحبة تنشأ من مكان واحد، حيث يوجد القلب، إنه يلف الوجود حتى إنه يراك أنت المسيح أيضاً".
"لقد انتظرت سنين، كم هو حلو امتزاج طعم العشق بالانتظار..".
يستجمع اللعاب في فمه ويتذوق طعم الحلاوة.. ربما كانت حلاوة ابتسامة المحبوب.
ينقبض قلبه.. ينظر إلى السماء، بقي وقت طويل إلى الغروب.. يجب أن يحرث الأرض، يجب أن يرضي أمّه.. إنه أمل الأم الوحيد.. إنه مؤنس لحظات اليأس والشيخوخة.
يهزّ جسده علّه يتحرر من هجوم الخواطر وتداعيها ويبدأ القلب بالاضطراب.
يضغط الرفش على الأرض أكثر، يجعل يده تسرع في العمل فيرتاح يوماً أو يومين، صارت يداه وقدماه سريعتين يحس حضور نظرة أمه، يزيد من سرعته في العمل.
يحاول أن يشغل نفسه بحراثة الأرض ويكون خالياً من دنياه الداخلية والخارجية، يتصبب العرق من وجهه ورأسه، يسمع صوت أجراس الجمال من البعيد، يحس اضطراباً يلف وجوده، لا يهتم للأمر ليس هناك مجال للتأمل، تسرع قدماه.. إن رؤية عروسه تجعل الرمق يجري في روحه من جديد يفكر بمحصوله، يعود إلى العمل، يجب أن يبذر بذوراً أفضل في هذه الأرض. إن حكاية العمل في هذه الأرض تختلف من سنة إلى سنة. قبل سنوات كان يشتغل من شدة البطالة، أما الآن فتناحر الانتظار والعشق يجذبه نحو البيت، يقول لنفسه: "كانت هنا" ويحوّل نظره.
يتقدم الركب من البعيد بهدوء، ويثور تراب وغبار خفيف في الهواء، تظهر عدة هوادج في القافلة، في مقدمة القافلة حصان أبيض يتقدم بهدوء عليه راكب أخضر اللباس جالس على السرج.
ينزع عينيه وقلبه من الأرض، إحساس جديد يتولّد في قلبه.. إحساس لم يجرّبه حتى الآن. يضع قدماً على الرفش وينتظر. يتعجب.. لم يكن عبور أية قافلة من هذا الطريق مألوفاً في هذا الوقت من السنة.
يحاول أن يستجمع خواطره، لا يذكر شيئاً، تمرّ طفولته في ذهنه.. لم تمرّ قافلة من هذا الطريق أبداً.
يجعل من يديه حائلاً على جبهته لتكونا واقياً من الشمس ليتمكن من رؤية الجمّال. يتقدم الحصان بعنقه وذيله الطويلين هادئاً متيناً.
تخاطبه أمه: "وهب!".
يسمع صوتاً مبهماً، وبين الخيال والواقع يرى حضور أمه طيفاً باهتاً، تنظر عيناه وقلبه إلى القافلة معاً.
يحس فوران إحساس يلف وجوده، يحدق، يسأل نفسه "من هو؟".
يروقه الجمّال بصلابته وطمأنينته ويتقدم بهدوء وعندما يراه وهب يذكر اسم المسيح المقدس، لقد رأى في المنام عيسى المسيح قد أخذ يده، أخذه معه وسحبه إلى السماء، ينظر إلى السماء، لكنه يعيد نظره بسرعة. إن ما يريده ليس في السماء، لقد سلّم قلبه إلى الجمّال، وأتى العشق بلا إبطاء.
يحس بالوحشية، لقد سلم قلبه لعشق جديد، يذكر عروسه أراد أن يعيد نظره، سمع صوت أمه "وهب!".
لم يكن لديه القدرة على الإجابة، يحس السماء والأرض تلفّاه في داخلهما، ينبض قلبه بسرعة، يحس إحساس منتظر يلقى محبوبه بعد سنين.
يتذكر الليلة الماضية ويحس بطوفان، وكأن الانتظار يزيد من شدة هذا الطوفان، تبعث الدهشة بوجوده كالغرسة الفتيّة، يهب نسيم جديد، الشمس حامية، وتتلألأ، يقترب الركب، ينفلت الرفش من يد وهب، ينظر مبهوتاً ويمرّ الركب، تمرّ الهوادج، يحسّ أن ما يراه على هذه الأرض، وما يجري الآن يختلف عما كان قد رآه في الماضي، وجوه جادّة وقورة، هادئة ومتينة تتقدم وكأن لحن سفر الجمّال قد أبرم عهداً مع الشمس المتأججة الحامية.
تتقدم خطواته بسرعة، يبتعد الركب عنه بعض الشيء، لكنه يأخذ قلبه معه.
يأتي صوت عروسه الفاتن: "وهب!" كأنه ماء رقراق يجري في الصحراء، يدير رأسه لحظة، يحوّل نظره إلى عروسه يحسّ بصداع، أيهما يرجّح؟ العروس أم الجمّال؟
يركض نحو الحصان الأبيض، يسمع صوت أمه وعروسه يدوي في أذنيه: "إلى أين تذهب يا وهب؟!".
يسأل نفسه: "إلى أين أذهب؟" هو نفسه لا يدري.
تتوقف القافلة عن السير، يترجل الجمّال وقد وضع شالاً طويلاً أخضر اللون على كتفه، يتلألأ وجهه كالنور، إن صلابة نظراته وجاذبيتها تكاد تغّيبه عن نفسه، كم هو عجيب هذا الترابط بينهما! هل يعرف أحدهما الآخر؟!
يفكّر، لكنه لا يصل إلى جواب. إن بعض القلوب كالنور، والأنوار تعرف بعضها جيداً، يجد وهب نفسه وقد وضع رأسه في حضن الجمّال وراح يبكي رغماً عنه..
"لم هذا البكاء؟".
يربت الجمّال على رأسه بعطف ويجري مكان يديه ماء غزير يجري على جسد وهب وروحه، تفتح الأبواب، لا يعرف أحد أهي السماء أم الأرض! يرى ساحةً، ومعركة ويغطي الدم وجهه، يضع يديه على وجهه تهمس عروسه: "هل تعرفه؟".
يفكّر في نفسه: لا! إنه لا يعرفه.. لم يكن قد رآه من قبل، لكن ما هذا الإحساس العجيب! ينظر إلى عينيه فيرى محبة عميقة تربطهما معاً.
يركض صوب البيت، يضع متاعه على كتفه.
يقبّل أمه وكذلك عروسه، تنظران إليه باضطراب "إلى أين أنت ذاهب"؟
يشير إلى البعيد، يقول: "إن هناك حيث تتصارع السماء مع الأرض" لم تسألاه شيئاً، إنهما تعرفان، فعينا وهب تقولان لهما كل شيء.
العروس تعرف أن عينيّ وهب كصفحة قلبها، وهي أيضاً تقرأ قلب وهب بالإشارة.
تركض إلى الحصان الأبيض الذي يقف وهب إلى جواره، تضرب ركبته وترجو الجمّال أن يأخذها هي أيضاً، يجهزون محملاً للمرأتين ويعزمون على المسير، يتركون المزرعة والبيت على حالهما ويسلمون قلوبهم للحال الحاضر.
يضع وهب رأسه على كتف الجمّال، تنظر العروس إليه من البعيد، فتسكن، تعرف أن نظرة واحدة في حال الهجران كافية ليهدأ القلب، إن قلبها يسعد بحضور وهب. يتحادثان من البعيد تتمنى لو تسأله عن المقصد، تسأل.. لكنها لا تسمع جواباً، يعبث ضجيج الصمت بقلبها، تتكئ برأسها إلى ستارة المحمل، تغمض جفنيها بهدوء علّها تجد السكينة، تصبح السماء بيضاء.. يملأ الغبار الأرض بشكل لم يسبق له مثيل من قبل، يقترب الركب والسيوف في أيديهم، ويعلو صوت الصياح من كل جانب.. يشق صوت تقارع السيوف الفضاء.. تتهادى هوادج كثيرة من السماء على الأرض.
يسرع وهب على حصانه نحو الخيمة، يأخذ عروسه ليودّعها، تلبيه أمه وتمنع العروس من اللحاق به.
يبتعد حصان وهب وتهوي عليه سيوف ويلقي وهب الكثير من المحاربين على الأرض.
يعلو صوت حوافر الخيل في الفضاء، ومن البعيد هودج من نور ينتظر راكباً..
يصل النزاع إلى أوجه، تصرخ امرأة، تحاول الأم منع العروس لكنها تركض نحوه، لا تقوى قدماها على الجري كأن قلبها يجري مع قدميها وربما أكثر. تأخذ وهب في حضنها ويجري الدم من يدي وهب على وجهه ورأسه يتمتم: "أشهد أن لا إله إلاّ الله".
تأخذ رأس وهب بيدها وتكرر شفتاها ما تمتمت به شفتا المحبوب: "أشهد أن لا إله إلاّ الله".
تريد أن تأخذه إلى الخيمة لكنها لا تقوى على ذلك، ويستقرّ أحد السهام في رأسها، لا تعرف أهو دم قلب وهب أم دم رأسها، لقد امتزجا معاً إنه عشق لا نظير له، يجري الجمّال نحوهما يريد أن يفصل المرأة عن وهب، ربما كان هناك أمل في النجاة، لكن العشق لا يترك مجالاً للتفكير.
أتستطيع مهراوه العيش بدون وهب؟
تنظر إلى وهب، تريد أن تسأله شيئاً ما. يبتسم وهب وكأن ابتسامته قد أعطت عروسه فرصة لتسأل. تسأل العروس بهدوء السحر عن اسم الجمّال، يبتسم وهب ويقول: "حسين".
يسحب يده على الأرض، يحمل بعض التراب، يدنيه من أنفه، يشتم ويقول: "هنا كربلاء" ويغمض عينيه، كأن المطر كان يهطل من السماء، هودج النور على استعداد، يضعون وهباً في داخله، وكذلك العروس تتنازع السماء والأرض على جسد المرأة، دم المرأة قد يُسكب على الأرض ناموس الله، تصرخ الأرض، يهتز المحمل، مهراه تصحو، تقفز عن الجمل، تركض نحو وهب وهو جالس على الحصان، الجمّال ينظر في تلك الجهة، تتعلق المرأة بقدمي وهب، تقول: "أين تذهب يا وهب..؟ يترجل وهب عن الحصان يهدّئ روعها، يأخذ يدها، يقول: "إلى حيث تتحد السماء مع الأرض".
ويبتسم