الفصل الثاني
العلامة هي قلبي
كانت مصرّة على أن يفتحوا التوابيت، لم يكن أحد ليتحمل هذا العبء، غضب الضابط وقال: ((أرجوكِ لا تزعجينا.. كل هؤلاء مفقودون وليس فيهم علامة أو شيء مميز!)).
لكن المرأة أصرّت ثانية: ((لقد كنت لطيفاً معنا إلى هذا الحدّ، اسمح لنا..)).
-((بم تفيدك كومة من العظام؟)).
كان ذاك الذي سحب يدها والدها.
((لا يا أبي اصبروا، إنّ قلبي يشهد..))
فقال الضابط بلهجة ألطف: ((انظري أيتها الأخت! لقد أتيت شهراً بأيامه ولياليه، ورأيت الكثيرين عن قرب، لكن..))
((تابع: ذلك غير جيد من أجل نفسيّتك)).
((صدّقيني أريد صالحك)) وأراد أن يغلق الباب، لكن المرأة وقفت وقالت: ((اذهب أنت! لن أزعجك.. فقط اسمح لي برؤية هذه الجثث قبل أن..)).
((كيف تشاهدين خمسين جثة؟!)).
((……)).
((اذهبي! أرجوك)).
طأطأت المرأة رأسها، أرادت أن تقول: لقد انتظرت ثماني سنوات، كنت أنظر إلى الباب والجدار ثماني سنوات لقد طفت ثمان سنوات حول القبور المجهولة، والآن تمنعني من هذه الجثث!. لكنها لم تقل شيئاً.
وضع الأب يده على كتفها، دفعها خارج المدفن، تراجعت المرأة، قالت للضابط: ((أرجوك.. فقط هذه المرة..)).
سكتت قليلاً وقالت: ((إن لم أجده أذهب.. صدقني أذهب.. أختفي..)) وتمتمت هذه الكلمة الأخيرة.
قال الضابط وهو يعبث بالمفتاح في يديه: ((ليس هناك من يساعدك الآن..)).
((لا حاجة لذلك.. أنا أقوم بذلك وحدي..)) وجمعت عباءتها تحت إبطها.
كان هناك خمسون تابوتاً مصطفّة بعضها فوق بعض وقد كتب على كلّ منها: ((شهيد مجهول – منطقة عمليات شلمجه- كربلاء الخامسة)).
وضع عسكريان بمساعدة بعضهما التوابيت على الأرض، وصفّا خمسة منها إلى جانب بعضها.
نزعوا غطاء التابوت الأول فظهرت قطعة قماش أبيض صغيرة كان الشهيد يحملها على صدره، وانتثر الغبار والتراب حولها، وظهرت جمجمة مع قرآن صغير قد احترقت أطرافه.
اضطربت عينا الأب، وصرخ بشدة: ((تعالي نذهب، ستصابين بالجنون!)).
((اذهب أنت! أنا آتي فيما بعد.))
((ليس لهؤلاء علامة، بم تفيدك كومة من العظام؟..)) ونظر إليها غاضباً.
((لا يا أبي! أرجوك! إن كنت منزعجاً اذهب إلى الخارج..)).
((هل تريدين قياس قامته!)).
وأغلق غطاء التابوت بغضب ودوّى صوت الضربة في فضاء الصالة الخالي الساكت. ((تعالي نذهب!)).
((لا يا أبي لن آتي.. إني أجزم بأني سأجد ضالتي هنا..)).
((لنفرض أنه موجود فهو لا يعدو أن يكون كومة من العظام)).
أرادت المرأة أن تقول شيئاً لكنها لم تفعل، شيء ما انكسر في قلبها وانهار.
((يوم نصحتك بعدم الزواج من ذاك الشاب لم تصغِ إلى كلامي. وبعد ذلك قلت: ليس له الذهاب إلى الجبهة، لم تصغ ثانية! الآن تأتي عمّ تبحثين؟)) وضرب الجدار بغضب.
((ليت أبي لم يكن هنا! ليتني كنت وحيدة!))، وأغمضت عينيها، أرادت أن تقول: ((اذهب خارجاً)) لكنها لم تفعل، لم تعرف، ثم تلعثمت..
قال الضابط: ((انهضي، قلت لك إن ذاك ليس جيداً من أجلك!)).
وضعت يدها على الجدار ونهضت: ((لا أصدّق أني في حال جيدة..)).
ونظرت إلى والدها كانت تريد أن تقول للضابط: ((خذه من هنا)) لكنها لم تفعل، أخفت غضبها وحدّقت في الجثة.. قال الضابط: ((هذه الجثث مجهولة ليس لها علامة تدل على شخصها)).
أرادت أن تقول: ((العلامة هي قلبي)) لكنها لم تفعل، وخفضت رأسها، فتحوا غطاء التابوت الثاني، كان الحذاء سالماً، وظهر طقم من اللباس الأخضر معلقاً على هيكل عظمي.
سألها الضابط: ((هل أنت واثقة من استشهاده؟)).
((نعم!)).
((هل رآه رفاقه؟)).
((نعم!)).
وجلست.. لم تقو قدماها على الوقوف.. انحنت ركبتاها رغماً عنها، أزاحت الجمجمة المتصدّعة جانباً والتقطت الحذاء، ونظرت إليه بدقة ومسحت أسفله، قالت: كل ما أريده موجود في الحذاء)).
((هل وضعت علامة؟..)).
((نعم!)).
((قد تكون قد محيت تحت الثلج والمطر؟)).
((لا أظن)).
((هل أستطيع أن أسأل ماذا كانت تلك العلامة؟)).
((اسمي.. كنت قد حفرته على باطن الحذاء.. حككته حكاً. كان يودّ الذهاب.. ودون أن ينتبه حفرت اسمي على حذائه بدبّوس. في تلك الليلة كنت أنوي أن أكون في رفقته دائماً وفي كل مكان.. كنت أتصور أن الشيء الوحيد الذي يصاحبه دائماً في كل مكان هو حذاؤه، في ذلك اليوم لم أكن أتصور أني يوماً ما سأضطّر للاستفادة من اسمي للتعرف على جثته)). وبرقت عيناها.
سأل الضابط: ((هل كان لديكم فقيد قبل هذا؟)).
((لا)).
تابعت: عندما يكون لأحدنا فقيد، فإنه يجد أنّ هذا المحبوب موجود في كل مكان.. في كل مكان يذهب إليه.. كل مكان يجلس فيه. حتى عند النوم.. جالساً أو واقفاً، عند العمل، وفي الفراغ، دائماً في كل مكان يبحث عنه)).
رفعت رأسها وأدارت بصرها في أطراف المدفن وقالت: ((أحس أنه الآن هنا.. عيناه في كل ناحية، حتى إنه يراني من الخلف، لكن عندما أنظر لا أراه.. لا أعرف هل هو موجود أم غير موجود!)).
وابتسمت ثانية: ((هل فهمت معنى الحضور؟..)).
ومسحت قطرات العرق عن جبينها.. قالت: "في الليلة الأخيرة عندما أراد الذهاب.. كان جميلاً جداً.. كان هادئاً.. كنت أخاف من صمته..".
سألته: "هل ستعود سريعاً؟". أجاب: "هذا بيد الله".
كان الوقت ليلاً وقد تساقط ثلج كثير، كان الشارع خالياً.. وكانت آثار أقدامنا تبقى على الثلج.
قال: "أول علامة، كانت آثار أقدامنا تبقى على الثلج".
قلت: "ماذا؟".
قال: "في الحرارة يذوب كل شيء".
"إذن أنت تبقى..".
"سآتي دائماً وفي كل مكان".
في ذاك اليوم لم أكن أعرف أنه كان يقول صدقاً، لم أكن أعرف أي معنى يحمل مجيؤه لكنه أتى.. صدقني لقد أتى الآن أيضاً.. لقد تكاثر بعدد خلايا هذا المحيط.
نظرت إلى الضابط.. خجلت.. كانت ركبتاها بلا إحساس.. اتكأت على الجدار.
قال الضابط: "اسمحي لي أن أشاهد البقية بنفسي.." ونظر إلى المرأة.
بقيت عيناه محدّقتان في نقطة ما، أراد أن يقول شيئاً، لكن لم يفعل، وضعوا التوابيت على الأرض فتشوها واحداً واحداً، دققوا النظر في الأحذية، مسحوها… فكر في نفسه: أمن الممكن أن يكون أثر ذلك الحك قد محي بمرور الزمن؟ قال لنفسه: "ليتنا نستطيع أن نجده".
كان قلبه يضطرب قليلاً، كان هناك شيء ما يغلي في داخله كالنار تحت الرماد يريد أن يفور، يريد أن يصرخ، يتمنى لو يحترق مع هذه الجثث في مكان ما، لو أن النار اشتعلت في الخيمة التي كان موجوداً فيها لكان الآن إلى جانب هذه التوابيت يحاول الناس التعرف عليه.. وبلا شعور جرى على لسانه: "الله".
كان سيغيب عن الوعي، وهو الذي كان يلوم المرأة قد وقع أسير هذا البلاء، كأن قلبه من الحجر.. استاء من نفسه.. ليته لم يأت مع المرأة.. ليته لم يسمح لها.. لكن لا فائدة من التردد الآن.
كان العسكريان يقفان مقابله.. ووراءه المرأة ساكتة تنظر إليه، وكان الوالد قد ذهب، قالت المرأة: "قد تعبت.. الآن جاء دوري".. تقدمت.. جلست إلى جانب التابوت وقالت: "عندما كنت صغيرة كنا ندرس العلوم، كنا نعد عظام اليد والقدم، كنت أظنّ أنه في المختبر وحده يمكننا أن نرى الإنسان مجزّءاً، حتى في الكليّة.. في دروس التشريح لم أكن قد رأيت أنّ…"
سكتت وقالت: "الآن أرى كلّ ذلك بعيني.. عظميّ الساعد، عظميّ الركبة، عظميّ الفخذ.. الجمجمة… الغشاء المحيط بالدماغ…".
قالت وهي تمسح الحذاء بيدها: "أشياء باقية أكثر من الإنسان".
ونظرت حولها… كان مهدي قد أتى. كان ينظر إليها بغضب.. كان يريد أن يبعدها من المقبرة.
كانت تشعر بالدوار، خجلت من نفسها، عمّ تبحثين بين الجثث، عن المهدي السماويّ أم الأرضيّ؟ لم تكن تعرف.
أصابت رعشة خفيفة جسدها.. كان مهديّ مقطب الجبين، وكان الضابط مطأطئ الرأس.
قالت المرأة وكأنّها قد استعادت وعيها: "أعذرني فقد آذيتك".
"لا ليس مهماً، لا يبقى غير الذكريات".
"هل كنت أيضاً في الجبهة؟".
"نعم"
ونهضت من مكانها، لا فائدة من الانتظار، يجب أن تهرب من هذا المكان بسرعة، أحسّت أن حضور الأنوار الساطعة على الجثث أقوى من طاقتها، عشرات النظرات تسبر وجودها، كانت تحسّ أن الأشعة النورانية قد بدأت تمطر عليها.
سألت نفسها: "هل لهؤلاء أرواح أم هم بلا روح؟" قالت المرأة: "الروح ناظرة على الجسم.. دائماً.. وفي كل حال".
قال الضابط: "إذن لم تجديه؟"
قالت: "تابوت واحد.. ربما..".
واتجهت إلى التابوت الأخير.. كانت تحسّ بعدم رغبة في فتحه، كان الانتظار والأمل حافزين على الحياة. لقد انتظرت لوجود أمل لديها، فإن يئست من العثور على جثّة مهدي.. لن تستطيع أن تصنع له قبراً، ولعادت ثانية كما كانت في السنوات الثماني السابقة تائهة في الحي والشارع، عاجزة.
وضعت رأسها على التابوت، أرادت أن تقسم على مهدي.. أرادت من الله أن تجد علامة المحبوب، أرادت ذلك.. وبكت بكلّ وجودها. أحسّت أنها وصلت إلى طريق مسدود.. طاقتها شارفت على الانتهاء، كانت قد تعبت.. قد وقفت جانب النافذة ثماني سنوات.. ثماني سنوات أصبحت فيها عيناها نافذة.. كانت الريح تهبّ والجوّ يبرد، والثلج أيضاً يهطل، قال مهدي: "أول علامة!" قالت: "في الحرارة يذوب كلّ شيء".. وذاب.
كانت السماء قد أمطرت ناراً واشتعل البحر، صار يسبح في السائل، لقد رأت مهدياً يغوص في البحر، يصرخ ويسحب نفسه من السائل المذاب، كانت تركض خلفه، احترقت عباءتها بالنار وكذلك يداها ورجلاها، شرارة نار كانت تشتعل في وجودها، وكان مهدي يهرب ويصرخ.. كان الماء يهطل من السماء.. وكانت ترى مهدياً غارقاً في الدماء.. كان الدم والنار يفوران دوماً.
قالت: -"كنت قد أعطيت وعداً.."
- "أن أحضر دائماً، في كلّ مكان".
صرخت المرأة فجأة واستدارت إلى الخلف.. وقعت عباءتها إلى أحد الأطراف، استوحشت من التابوت، أشارت إلى التابوت الأسفل وقالت: "م.. مهـ.. مهدي…" وغابت عن الوعي.
كان الضابط ينظر إليها باضطراب، وضع علامة على التابوت وأخرجه بمساعدة الجنود من التوابيت المصطفّة..
وضع الجميع في جهة.. واستخرج ذاك التابوت ووضعه على الأرض، فتح غطاء التابوت فملأت الفضاء رائحة عطر جذّاب.. كانت رائحة ياسمين، أو رائحة عطر التفاح.. استنشق الضابط.. كانت رائحة ليالي العمليات تمنى لو يعرف في أي عملية استشهد مهدي.. لقد تذكّر… شلمجه كربلاء الخامسة.
فتح باب التابوت بهدوء وهو يبكي، أصبح الهواء ثقيلاً، كان يتنفس بصعوبة.. كانت رجلاه ترتعشان، ولم تقو ركبتاه على الوقوف.. جلس على الأرض إلى جانب التابوت ومسح سطحه… تمنّى لو يقبّله لكنه بتروٍ وتأنيب تراجع بوجهه إلى الخلف. سأل نفسه: "ماذا حصل؟" نظر إلى المرأة.. كان الجنود يرشّون وجهها بالماء.. تساءل ثانية: "ماذا رأت المرأة؟".
فتح الكفن الأبيض بهدوء، كانت يداه ترتجفان… فتح عينيه وأغمضهما عدّة مرات.. أحاط الخوف بوجوده… لِمَ كان خائفاً؟
فتح الكفن بهدوء.. رأى تلك العظام.. عظميّ الساعد.. عظميّ الفخذ.. جمجمة وقرآناً صغيراً… وحذاء…
استخرج الحذاء.. مسح أسفله.. لم يكن هناك شيء. لم يجد أيّة علامة! هل تخيّلت المرأة شيئاً… هل استولى عليها وهم هذه المدّة كلّها؟.
استاء من نفسه، لماذا أصغى إلى كلام المرأة كلّ هذه المدة.. لماذا استسلم لأحاسيس امرأة..
أصبح عصبيّاً.. انحبس دمعه وحلّ مكان ذاك اللطف الذي كان قد استولى عليه الغضب، يجب أن تذهب المرأة من هنا قبل أن تستعيد وعيها، يجب أن يضع نهاية لهذه اللعبة. يجب أن يجد أباها.. ففي موقع كهذا يجب ألا توجد امرأة..
جمع العظام بعضها فوق بعض.. وضع الحذاء على العظام.
أراد أن يرفع الجمجمة فسمع صوتاً.. صوت ضربة.. خاف.. تراجع إلى الوراء.
أنّب نفسه: "أتخاف من ميت!" أشار إلى الجنديّين… لم يبق في روحه رمق. نهض.. كان يجب أن يذهب.. يجب إخراج المرأة من المدفن بسرعة، تراجع إلى الخلف.
كانت المرأة تقف خلفه، كان وجهها يبدو وقوراً وقديراً وعليه انبساط نورانيّ عجيب.. لم يبق شيء من ذاك الاضطراب.. كانت قامتها منتصبة..
قال: "يكفي يا سيدتي.. قلت إن…" ومضى بجهة الباب، يجب أن يجد الأب.
جلست المرأة بهدوء إلى جانب التابوت.. رتّبت عباءتها على رجليها.. مسحت وجهها بيدها.. مسحت دموعها… ضحكت.. لقد أتى مهدي.. لقد وفى بوعده.. لقد أنقذ امرأة من التشرّد، ولكن كيف؟ التابوت هو التابوت.. الجنازة هي الجنازة.. ألم تبحث بنفسها في هذا التابوت.. ثالث تابوت فتحته.. استخرجت الحذاء.. قبّلته.. مسحت به عينيها.. أدخلت يديها فيه.. مسحت بهدوء.. لم يكن هناك شيء، كان أسفل الحذاء قد تمزق.. هل أخطأت المرأة؟
خافت.. انفلت الحذاء من يدها.. هل خدعها الوهم؟
لا! كانت متأكدة، لم تخطئ.. لكن كيف يمكن إدراك ذلك؟ كان اللباس محترقاً، وكانت الأشياء قد بليت داخل الجيب، عدّة قطع من الورق قد اسوّدت، هل كانت رسائل مهدي؟ تجمّد الدمع في عينيها، كم انتظرت رسائله…
قال الضابط: "انهضي يا أخت! يجب أن نذهب…"
ارتعدت المرأة فجأة، أحسّت شيئاً يصرخ فيها.
صرخت: "لن أذهب.. لن أخرج من هنا"، واختنق الصوت في حنجرتها.
وقالت للضابط بهدوء: "حسناً.. اسمح لي.."
-"لقد رأينا الجميع أرجوك.. انهضي…"
-"الآن قد وجدته اسمح لي أن أجلس إلى جواره.." ونظرت في عيني مهدي.. كانت الجمجمة قد تصدعت.. لم تر تلك العينين العسليتين المخمورتين.. سحبت اليدين و…"
صرخ الضابط: "إنها أكثر جثة مجهولة المعالم ليس فيها أية علامة لا لباس ولا أشياء في الجيب وقد ذهب أسفل الحذاء…"
ارتفعت حرارة المرأة.. شيء لا يصدّق.. كيف يمكن أن تخطئ؟ لقد رأت مهدياً بعينيها، بقميصه الأخضر وبنطاله الأبيض، باللباس الذي كان قد ذهب به إلى الجبهة، قالت: "لقد رأيته أيها القائد!" سكت القائد.. تسمّرت عينا المرأة في نقطة… كيف؟ كان داخل التابوت بعض العظام وحذاء قد تمزّق نصفه.
قالت: "لقد رأيته، صدّقني رأيته.. ذهب داخل هذا التابوت…".
وبدأت بالبحث.. كانت يداها ترتجفان لشدّة الهيجان.. وضعت عظام الساق جانباً.. عظمي الساعد.. والتقطت الجمجمة.. انطلق صوت ضربة جعلها تتراجع إلى الوراء.. خافت.. صرخت.. جسدها يرتجف.. لا تذكر أنها تخاف من مهديّ.
قال الضابط: "لنذهب…"
رجته المرأة: "اصبر قليلاً… أرجوك"، حاولت أن تكون مسيطرة على نفسها.. جلست إلى جانب التابوت هادئة ويداها ترتجفان..! أخذت الجمجمة بيدها.. أدخلت أصابعها في تجاويف العينين.. لامست يداها سلسلة حديدية باردة.. لقد مرّ رقم مهدي في ذهنها "187891". سحبتها إلى الخارج بهدوء، كان مكتوباً على القطعة الحديدية "187891".
((