اسطورة العشق - الفصل الاول - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: اسطورة العشق
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الاول

الفصل الاول

مهتاب إنك تضحك ثانية. أو لا تضحك، ربما أكون قد أخطأت مرةً أخرى، لا أعلم.. ملعقة.. وشوكة.. وطبق.. تسألني مهتاب ((هل سيزورنا أحد؟)) انظر إليها مثل كلّ ليلة. أتمتم: ((ربما.))، وأحدّق في طبقك الذي ما زال خالياً، أسكب الطعام لمهتاب: ((تقدمي)) وأعطيها الملعقة في يدها: ((انتبهي كيلا يسقط!)) أسحب الطبق الكبير إلى الأمام. أقول: ((سيبرد. اسكبي!)). وأنظر في عينيك. إنك تحدق في نقطة ما. أتنظر إلى مهتاب أم إلى البحر؟ لا أعرف. أقول: ((بم أنت مذهول؟)). وأسكب لك الطعام. تسألني مهتاب: ((هل سيأتي أحد؟)). أنظر من حولي.. أنا موجودة هنا، وكذلك مهتاب. طبقك مليء، أما أنت.. موجود أو غير موجود لا أعرف. تسألني مهتاب مرة أخرى بحيرة: ((هل سيأتي أحد؟)). يفلت طبق الرز من يدي.. يدي ترتجف.. أتمتم: ((لا أعرف.. ربما.)). وأمد يدي، آخذ الطبق لأسكب الطعام لنفسي.. تقول: ((دعيني أسكب لك..)). أسحب يدي إلى الخلف.. أخاف.. إحساس مبهم يسري في وجودي كالبرق، تهتز الستارة في ذاك الركن.. أطأطئ رأسي. أريد أن أصرخ لكن لا أفعل، أضع شفتيّ بين أسناني.. أضغط.. أضع الطبق على المائدة، وأنظر إليك، تمد يدك.. أأنت موجود أم غير موجود؟ لا أعرف.. أفتح عينيّ وأغمضهما، لا أراك لكني أرى مهتاب تضع الطعام في فمها. يقدّم التفاز الأخبار، وفي ذاك الرُّكن تهز الريح الستارة، يضيء المصباح وينطفئ، تقول: ((لقد برد طعامك)) وتعطيني الطبق بيدي، أمد يدي ويبقى الطبق معلقاً بين يدَينا. هل يداك موجودتان أم غير موجودتين؟ لا أعرف، آخذ الطبق أولاً. خذه! أريد أن ألامس يديك لكني لا أستطيع.. يتسلل شعاع نور دقيق من بين أصابعي، أقول: ((هذا أحب طعام إليك..)). وأنظر في عينيك. تضع طعامك في فمك بولع، تقول: ((إنه لذيذ.. لذيذ))، وتعطيني الملعقة بيدي: ((سلمت يدا زوجتي..)) -((هنيئاً!)). إنني في دهشة، رأس يدور، ترى عيناي لكل شيء ظلاً مضيئاً، في ذاك الركن، تهز الريح الستارة، تطلق إحدى السيارات زموراً، وتمر عجلة على الإسفلت. أضع يدي على أذني، أخفض رأسي، أغمض عينيّ أتمنى لو أغفو.. أخاف.. ممّ؟ لا أعرف. لقد انتظرتك ليال طويلة، لكن الليلة، لا أعرف لماذا أحسّ بالتعب، إن داخلي في اضطراب.. شيء ما يغلي في أعماقي. لقد فقدت شهيتي. هل أتيت حقاً؟ أنا في انتظارك منذ ثمان سنوات، والآن.. أقول: ((كم الجو بارد!)). تمكث قليلاً، تنزع معطفك، تلقيه على كتفيّ، تقول: ((ما أسرع ما تجمد الماء!)) وتلقي نظرةً على ماء الحوض. أقول: ((لو كان الربيع دائماً!)) وآخذ يدك في يدي: ((كم الجوّ بارد)). تقول: ((ليكن قلبك دافئاً!))، وتنظر في عينيّ، شيء ما مثل النسيم يداعب شعري، أقفز من مكاني أنظر خلفي فلا أرى شيئاً. يتطاير شعري على وجهي، تسألني مهتاب: ((ماذا حصل يا أمي؟)) وتنهض من مكانها. آخذ يدها بيدي: ((لا شيء.. لا شيء..)) أجلس في مكاني، وأحسّ بهواء ثقيل يجري في الغرفة. أتنفّس بصعوبة، تظلم الغرفة وتضيء، الرعد والبرق ينيران الفضاء. يتقدّم رجلان عجوزان يسيران على الأقدام.. ويجلس في مواجهتنا غراب. أقول: ((إنني أتشاءم من الغراب))، تقول: ((أنا لا أتشاءم من شيء أبداً))، أقول: ((عندما كنت طفلة خطف الغراب سمكتي الحمراء))، ولا أعرف لِمَ تجتمع الدموع في عينيّ. تقول: ((في النهاية لكل منا يوم..)). أقول: ((يومها كانت السمكة كل حياتي)). تأخذ يدي في يدك: ((هذه سنة الحياة)). وتلمس بيدك قطرة مطر علقت في الهواء. أقول: ((أن يُسْلبَ الإنسان ما يحبّ؟)) ((وأن يمتَحَنَ الإنسان)). أدور في ساحة المتنزّه، أنواره ساكتة، يسود سكوت.. نتبادل نظرات.. أحسّ أنّي أريد أن أصبح جزءاً من وجودك، إن لم أكن كذلك. أسأل نفسي: ((ألسنا روحاً في جسدين؟)). أحدّق في العصافير المحلّقة حول الأغصان داخل أوراق الشجر اليابسة.. والمغرّدة جماعات. أقول: ((ليتك استطعت ألا تذهب! أو ليتك تأخّرت قليلاً. دع طفلنا يرى النور، بعد ذلك..)) وأسكت.. تصرخ العصافير، يدوّي صوت النشيد الذي يسير عليه الجنود في فضاء المتنزّه، تهرب جماعة العصافير، يتعثّر أحدها في أطراف المرج ينعب الغراب، ويصوّب نظره إليه، أركض نحوه.. أتمدد على المرج، ينبض قلبه الصغير داخل أصابعي.. أضع يدي على رأسه، أدفئه بعباءتي، تسري رعشة مبهمة في داخلي.. جسده يرتعش.. يضرب الجنين بقدميه، أحسّ قلبي يضعف.. يعلو صوت صفّارة الإنذار، أضع العصفور في جيبي دون تفكير. يقول الطبيب: ((يجب أن تخفّفي من ضغط العمل يا سيدتي! تجري ورائي، تمسك يدي.. تصرخ: ((أين تذهبين؟)). تخاطبني معاتباً: ((يجب أن تكوني هادئة الأعصاب قليلاً)). أقف متكئة على جذع إحدى الأشجار.. ألهث.. تغرد العصافير فوق رأسي.. يتحرك الجنين في داخلي.. أحس قلبي يضعف. كأن شيئاً يُقْتَلع من وجودي.. تقول: ((تعالي لنجلس بجانب ذاك الجدار)). أقول: ((إني متعبة.. أريد الجلوس)). ونجلس على المقعد.. أحس ساحة المتنزّه تدور حول رأسي.. يضيء الجو، يمتزج نور برتقالي مع آخر رماديّ. صوت المدافع المضادة للطائرات يصيب رأسي بالدوار، رائحة البارود تدخل في مشامّي وصوت الانفجار يجعلني أصرخ، أسقط منهكة على الأرض، يغدو الجو قاتماً من الغبار والتراب.. أرى كل شيء داكناً. أقول: ((إلهي! ساعدني!)). تأخذ يدي، ترفعني، أحسّ بجفاف في حلقي.. وقلبي يضرب بشدّة، تنقبض عضلات بطني ويضغط الجنين بشدّة على إحدى الجوانب. تضع عباءتي على رأسي ((لا تخافي هانيه! لا تخافي!)). يندفع الناس بجهة الباب الغربي للمتنزّه، ينهالون، يصيحون، وتعلو صفارة الإنذار، أضع رأسي على مسند المقعد، أقول: ((أحسّ بالعطش)) وأحرّك لساني الجاف داخل فمي. تفتح حقيبتي.. تسألني: ((ألديك كأس؟))، وتحضر لي الماء، تضع الكأس في ملامسة فمي، تقول مهتاب: ((أريد ماءً يا أبي..)). تحدق النظر فيّ، تسألني: ((ألا تتناولين طعامك؟)) أنظر إليها، أقول: ((أتريدين طعاماً؟)). -((لا! أشعر بالعطش)). ((تناولي طعامك، بعد ذلك!)). -((أريد ماءً)). أنهض.. تأتي ورائي، أو لا تأتي.. أحسّ نسيماً يمر فوق شعري.. وعندما أخرج من المطبخ أحس نوراً خفيفاً يمر أمامي.. أريد أن أصرخ لكن لا أفعل.. أحس ماءً يرش على النار. أفتح عيني وأغمضهما.. أأستطيع رؤيتك؟ لا أعرف.. تقول مهتاب: ((أحس بالعطش يا أبي!)). أضع كأس الماء أمامها: ((دعي طعامك ينتهي، بعدها..)). لا تصغي إلى كلامي.. وتشرب الماء جرعة واحدة.. تنظر إلي وتقول: ((أحسست بعطش شديد)). تزلقني بنظرة، تنهض، وتجلس على ساقيّ. تقول: ((ألن تتناولي الطعام يا أمي؟)). تضع يدها على كتفي وتسأل ككل ليلة: ((هل سيأتي أحد؟)).أنظر إلى طبقك الذي ما زال مملوءاً.. أتمتم بشيء أنا نفسي لا أفهمه. تقول: ((لقد اكتفيت)) وتحدّق في التلفاز. لقد أطلقوا صباح اليوم سراح سبعة آلاف.. كانت الحافلات تتحرك متتالية وكنت أجري وراء الحافلة.. آخذ سبحتك من يدك.. أريد أن أصرخ: ((اكتب لي رسالة)) لكن لا أستطيع، تحول سيارة بيني وبينك وتنعطف الحافلة، تلوح بيدك خلف النافذة.. يهطل المطر.. تبتلّ عباءتي.. أشعر بالبرد.. تعبق الغرفة برائحة الرطوبة، تبعد مهتاب يديها من حول عنقي وتقول: ((أشعر بالبرد يا أمي!)) وترمي بنفسها في أحضاني. أزيد من حرارة المدفأة، أقول لك: ((خذ اللباس السميك فالجوّ بارد، ومن الممكن أن تصاب بالزكام..)) تضحك، تقول ممازحاً: ((إن حرارة الشمس تجعل الإنسان يشعر بالدفء)).. وتضع ملابسك في حقيبتك الخضراء، كنت أقف في زاوية الغرفة أرمقك بنظري. أسألك: ((هل ستكتب لي رسالة؟)). تتجه إلى النافذة، تفتح الستارة، تقول بلهجة ساخرة ممازحاً: ((أكتب لك رسالة حين أنظر إلى وجه القمر.. إذا ما نظرتِ إلى القمر كل ليلة يمكنك قراءة رسالتي)). تضحك ثانية وتنظر إليّ. تقول: ((كلّ ليلة سأكتب لك رسالة)). أقول: ((ألا يمكنك العودة سريعاً؟)) تتجهّم، وتطأطئ رأسك.. تقول: ((أنتِ من أردتِ أن أذهب..)). أسند رأسي إلى الجدار، أقول: ((لا أقول لك لا تذهب لكن حاول العودة بسرعة)). يدوّي صوت نشيد العمليات: ((كلّ من كان عاشقاً للحرب وبلاده بسم الله!)). أحسّ قلبي يندفع.. أجري إلى المطبخ.. أصبح لون المصابيح باهتاً.. كل شيء يبدو لي بنفسجي اللون، آخذ كيس الفستق والسكاكر وأضعها في حقيبتك، أحدّق في عينيك ولا أكتفي. أريد القول: إن عينيك تخلقان خضرة الحياة في وجودي لكن لا أستطيع. تقول: ((إني ذاهب، فاذهبي إلى بيت والدك))، وتغلق حقيبتك. أحسّ بقلبي قد توقف عن الخفقان، أخفض رأسي، أريد القول إنهم غير راضين عن ذهابك، وعن تشجيعي لك.. لكن أصمت، إن سكون الغرفة الزرقاء اللون يجعلني ألامس أطرافك برقة.. أحس أنك أصبحت جميلاً.. جميلاً جداً.. أجمل مما أنت عليه دائماً، أتمنى ألا تنتهي هذه اللحظات أبداً، أسأل نفسي: ((هل سأراك ثانية؟)). وتغصّ عيناي بالدموع.. ليتني أستطيع مرافقتك. لماذا علينا نحن النساء أن نبقى في البيوت؟ لم لا نستطيع؟.. تقول: ((ليس في صالحك البقاء وحيدة في البيت يمكن حين الغارة أن..)). وأحاول إخفاء غضبي، أريد أن أقول: بذهابك لا شيء مهماً بالنسبة لي، لكن لا أقول.. وتصبح الغرفة مظلمة، تضيق وكأن جدرانها قد تقدمت إلى الأمام. تقول: ((كلما شعرتِ بالضيق..)) وتشير إلى القمر. أنظر إلى مهتاب.. لقد نامت على ساقيّ. أقول: ((مهتاب مشوّشة جداً)). وأنهض من مكاني أفرش لها فراشها، أقول: ((إنك صبور هادئ كعادتك، لكن..)). تضحك.. تقول: ((الصبر طلسم يكسر الألم..)). وتزيح الستارة جانباً. أقول: ((كم البحر جميل)) وأفتح النافذة.. تفوح في الغرفة رائحة الرمل والساحل، رائحة رطوبة البحر، ورائحة عطر الياسمين. يضطرب رأسي تقول الممرضة: ((معلوم أين أنت..)) وتقطّب جبينها، تقول: ((لو كان عندك استعداد لذلك فإن طفلك سيأتي طبيعياً))، وتضغط بطني بيدها يلفّ الألم وجودي.. أصرخ. تقول: ((لقد حان الوقت.. عليكِ أن تعملي بكل تلك الشعارات..)). وتركب الحافلة، أريد أن أركب أنا الأخرى، لكني لا أستطيع أتذكّر أن عليّ البقاء، تتوقف مخيّلة الإنسان عن العمل أحياناً. وأنت جالس خلف النافذة تفتح الزجاج، تقول: ((الآن وقت..)). أصرخ: ((لا أستطيع، لا أستطيع يا دكتور..!)) وأقبض على شعري.. أضرب بيدي على السرير.. أصرخ ثانية.. يأخذون يدي.. تضغط الممّرضة على بطني، تقول: ((حرام لم يبق شيء..)) وتلقي بنفسها عليّ.. يصرخ الدكتور: ((أكثر.. أكثر قليلاً..)). أصرخ.. يلفّ الألم وجودي.. تنفرج أركان جسدي الأربعة عن بعضها. تقول: ((بنت وصبيّ يكفيان..)). أسأل: ((ماذا نسميهما؟)). تجرف موجة عالية الرمل من تحت أقدامنا، تقول: ((أرى البحر في المنام كثيراً كثيراً!..)) وتتقدم نحو الأمواج.. تملأ يديك بالرمل وترمي به وجهي. يصرخ الدكتور: ((إنك تقتلين طفلك! حاولي!)) أقول: ((لا أستطيع)). وأحدّق بالمصباح فوق سريري تتماوج الأنوار الملونة أمام وجهي.. تتلوى كالأمواج. ترتخي يداي وقدماي ويدور رأسي، ينسحب الرمق مني كالحقنة التي تُفرغ، وتهرب مني روحي كالخروف الذي يذبح، لا أحرك أطرافي.. أسترخي على السرير يضرب الدكتور وجهي: ((إن طفلك يختنق..)) ويرش كأساً من الماء على وجهي. أقول: ((ارجع بسرعة)) وأصب كأساً من الماء خلفك ويطالعني شالك الأخضر كعينيك.. أركض.. أركض: ((خذني معك أنا أيضاً)) اضرب على السرير أحسّ أنّي قد شارفت على النهاية. تقول: ((إن الولادة موت للمرأة.. موت يولّد الحياة)) أصرخ: ((هادي!)) وأبكي. تجتمع الممرضات حولي، يثبّتن قدمي بالسرير، ويمسكن يديّ أيضاً. تقول: ((المرأة عند الولادة تروي قصة مجاهد ضرّج بالدماء)). أعلّق بين السماء والأرض.. أشعر بانعدام الوزن، هناك شيء يقتلع من وجودي. ويدوّي صوت الطفل في مسامعي. يقول الدكتور وهو يحمل الطفل مقلوباً ويقطع الحبل السري: ((أتريدين بنتاً أم صبياً؟)). ((لا شيء بعد اليوم مهماً بالنسبة لي، وأغمض عينيّ آوي إلى رمال الساحل كموج البحر الذي يتقدم بهدوء، تأخذ سمكة من الماء، تستدير نحوي، تقول: ((ألقها في الماء)). يحرّك الطفل يديه وقدميه فوقي، تقول الممرضة: ((مبارك! مبارك!)) وتفك قدميّ عن السرير يقول الدكتور: ((زرّقوا الدم)) ويأخذ يده في يدي، أصرخ: ((اتركني! اترك)) وأجري خلفك، تطلق ساقيك للريح، تسقط ووجهك إلى الأرض.. يمتزج الدم بالتراب.. يطرق أذنيّ صوت تثاؤب، أنظر إلى سقف الغرفة.. أقول: ((إنني أتشاءم من الغراب))، تقول: ((أنا لا أتشاءم من شيء)). أقول: ((في الذهاب كل شيء جميل، أما البقاء فيجعل الإنسان مسكيناً)). تقول: ((مهتاب موجودة)). أنظر إلى مهتاب.. تقول: ((متى يعود أبي؟)). أقول: ((غير معلوم.. عندما..)). تقول: ((الحرب قد انتهت..)). أنظر إلى المائدة التي ما زال الطعام موضوعاً عليها.. طبقك قد برد طعامه في الزاوية، لم تمسّه يد. تقول: ((كلّما أحسست بالضيق..)) أنهض.. أمدّ يدي.. أقول: ((أحسّ بضيق شديد!..)) أزيح الستارة جانباً.ll