الفصل الثاني عشر
زوّار الليل
في الساعة الثالثة صباحاً أفاقَ طارقٌ لصوت باب غرفته وهو يُفتح من الخارج مع العلم أنّه تأكّد من إغلاقه بالمفتاح قبل الذهاب الى سريره. وبالرّغم من الظلام الذي عتّم معالم الغرفة إستطاع أن يميّز أشكال ثلاثة رجال يلبسون الزي العسكري يركضون نحوه، بينما كان أحدهم يصَوّب نور المشعل اليدوي الى وجهه، وكان الثاني يضع يده الغليظة فوق فمه ليمنعه من الصراخ مستبدلاٍ يده بشريط لاصق غطّى فمهُ تماماً وكاد يسد منْخِريه.
تمّ كُلّ ذلك بسرعة مذهلة وبتنسيق بارع وقبل أن يتمكن طارق من أي ردّ فعل. ولكنّ نبضات قلبه تسارعت دون إنذار وشعر طارق بخطر محدق جسيم. ولكنّه إطمأنّ قليلاً عندما وضع الرّجُلُ الثالث القيد حول معصميه إذ أدرك أن الفريق لم يأتِ لقتله ولكنْ للقبض عليه. وكان قد نام في ملابسهِ الدّاخليّة كالمعتاد ولذا ألبسه أحدُهم البنطلون والقميص ثم دفعوه نحو المصعد وحملوا حقيبته معهم الى السيّارة العسكريّة خارج باب الفندق. وفي طريقهم اليها لاحظ طارق أحد الجنود يضع أصبعه على شفتيه يأمر بالصمت عندما مرت المجموعة أمام مدير الفندق الّذي كان يلبس ثياب النوم المخطّطة والّذي هزّ رأسه بالإذعان والموافقة.
كان ما يسمى بمركز الأستخبارات وهو في الحقيقة مركز الإستجواب والسّجن والتعذيب على مسافة ثلاثة كيلومترات من الفندق. فأخذت السيّارة المزدحمة ورائحة البول تنبعث منها المقبوض عليه في قيوده وفي حالة الرعب تلك الى المركز حيث رمِيَ في زنزانة صغيرة مظلمة تفوح هي أيضا برائحة البول والعفَنِ ثمّ أقفل الباب الحديدي وراءه. بعد قليلٍ بدأ نظره يعتاد على الظّلمة فرأى في ركن الزنزانةِ سريرا من الحديد عليها فراشٌ قذرٌ تصعد منه رائحة البول والغائط. عند ذلك أصيب طارق بحالة رعب شديد لأنّه لم يكن يتصوّر قبل ذلك أنّ الحال سيؤول الى ذلك الوضع وخاصّة ذلك الإنعزال الكامل ألّذي كان أبعد شيئ عن حياته. لم يكن خائفا من الموت لأنّه أدرك أنه كان يمكن للفريق أن يخنقوه في السّيارة لو أرادوا وأن يرموه في الشارع أوأن يدفنوه في مكان ما.
كانوا قد سلبوه حقيبته وحزام بنطلونه ومفاتيحه ومفكّرته وجواز سفره. اصبح فجأة رجلاً بدون هويّة في عالم بدون بشر وزنزانة بدون ضوء. وشعر فجأة بحاجة ماسّة للتبَوّل ولكن معصميه كانا في القيد خلف ظهره. وبعد محاولات عديدة أدخل يديه في السروال من الخلف وجرّه إلى أسفل ممزفاّ بذلك الزّرار الأمامي بما يكفي أن يتبوّل في المرحاض القذر في الرّكن الآخر من الزنزانة. ورقد على جانبه متقلّباً بين الأيسر والأيمن محاولاً النوم ولكن دون جدوى بسبب الأفكار الّتي بدأت تنهش دماغه طارحةً أسئلة كثيرة مثل لماذا عاد إلى اليمن بعد أن قرر أن يتركها دون رجعة ولماذا خلقنا بذلك الحنين الى الماضي والأهل والأصحاب ولماذا تدخّل في مشكلة يمنى ولماذا لا يغمض عينيه ويصمّ أذنيه أمام الباطلِ كما يفعل الآخرون ولماذا درس الطب دون الهندسة أو القانون ثمّ ماذا سيكون مصيره الآن وكيف سيعذّب وكيف سيقتل في النّهاية ومن في العالم سيأبه أو حتى سيسمع بذلك؟
كان ما زال يقظاً عندما سمع أذان الفجر وبعد ذلك صوت الباب الفولاذي وهو يُفتح بصعوبة ليدخل إلى زنزانته جنديٌّ مُسِنٌّ يلبس زيّاّ عسكريّاً لم يرَ المكواه وهويحملَ بعض الخبز والفول المدمّس في طبق من الألمنيوم وكاساً من الماء. كان يتنحنح كثيراً ثم بدأ يكُحّ مما أنتهى بأن بصق على أرض الزنزانة التي لم تعرف مكنسة قط. نظر الى طارق دون أن يبدي أي شعور نحوه ووضع الأكل على الأرض قريباً من السرير ثم استعمل مفتاحاً ليفتح به القيد الّذي كان قد سبّب احمراراً على معصمي طارق.
بالرغم من وضعه المزري فرحَ طارقٌ بانتهاء عزلته الكاملة ورؤيته لآدميٍ آخر فبدأ الحديث: "يظهر أنّهم يصَحّونك في ساعة مبكّرة جدّاً. أنا آسف لأنني السّبب في ذلك؟"
ولكنّ الجندي لم يرد. وخمّن طارقّ أنّه تحت أوامر تمنعه من إنشاء أي علاقة بالمحتجزين، فأضاف "لو ذهبت إلى الصيدليّة إشترِ زجاجة صغيرة من دواء أسمه تسيفان ليخفف السعال الحاد الّذي لديك واللخام الأصفر والأخضر الّذي تبصقه لأن هذا اللخام يدلّ على أنّ لديك التهاباً في الرئتين. هل تأتيك الحمّى أثناء الليل؟"
"نعم ولكن في بعض الليالي فقط." ردّ الحارسُ بعد قليلٍ من التّردّد.
"في بداية الإلتهاب تبدأ الحمّى بهذا الشكل ولكن إذا تركتها من غير علاج ستصبح الحمّى شديدةً ومستمرّةً وستشعر بتدهور ملموس."
"وما أدراك؟ أنت لستَ طبيباً!"
"بلا، أنا طبيب كندي .. طبعاً من أصل يمني، ولكنّي هاجرت منذ ثلاثين سنة وعدت هنا للكشف على بعض المعدّات الطبّيّة الحديثة في مستشفى الثورة ولمدة أسبوع فقط."
"إذن، لماذا أنت هنا؟ هذا المكان للمجرمين فقط."
"لا أدري! كلُّ ما أعرف هو أنّهم التقطوني من الفندق أثناء النوم. كان المفروض أن أغادر من مطار صنعاء الليلة."
"لا حولَ ولا قوّةَ إلاّ بالله. هم لا يطلعونني على ما يجري هنا. أنا أتبع الأوامر فقط. ممنوع الكلام!"
"شكراً لك على هذه المشاعر. ما أسمكَ؟"
"علي أحمد."
"شكرا. وأنا طارق."
"تقصد الدكتور طارق. كان الله في عونك."
في التاسعة صباحاً سمع طارقٌ حديثاً خافِتاً خارج زنزانته. بعد ذلك لاحظ أن شخصاً كان ينظر داخل زنزانته خلال النّافذة الصغيرة الّتي تستعمل لمراقبة السّجين. ثم سمع المفتاح يفتح بابه الذي دخل منه السّجّان علي أحمد يتبعه رجلٌ سمين أسود البشرة في سن الأربعين حسب تقديره. كان يلبس نظّارات شمسيّةً ويرتدي الزّيّ العسكري من القماش الكاكي النظيف والمكويّ بعناية فائقة على عكس لباس علي أحمد.
"آه، صباح الخير بروفسور!" ولكنّه لم يُقَدّم يدهُ للمصافحة كما هي العادة، ممّا أقلق طارق.
"صباح الخير، ولو أنّه ليسَ صباح خيرٍ بالنسبة لي."
"لكنّك لم ترَ شيئاً بعد."
"أعتقد أنّ هناك نوعاً من الإلتباس. أنا حاجز تذكرة سفر إلى كندا في مساء هذا اليوم. جئت هنا لغرض واحدٍ فقط وهو الإشراف على تدشين بعض الأجهزة الطبّيّة لمستشفى الثورة ولا أفهم لماذا جئتم بي إلى هذه الزنزانة."
"نحن هنا نستقصي أموراً تتعلّقُ بالأمن القومي. هذه مهمّتنا ولدينا أسئلة كثيرة نريد منك أجوبتها."
" الأمن القومي؟ صدّقني هذا آخر شيء أريد أن أخوض فيه. أنا على أتَمّ الإستعداد لللإجابة على أسئلتك. ومن يكون الأخ الكريم؟"
عند ذلك أمر الضابطُ علي أحمد أن يحضر له كرسيّاً وأومأ لطارق أن يقعد على فراشه, ثمّ قال: "اسمي طه وسؤالي الأوّل هو لماذا عدتَ بعد كل تلك السّنين؟"
"لقد شرحت قبل لحظات ..."
"لا لا ما السّبب الحقيقي لمجيئك؟"
"كما قلت لك ..."
"هذا يعني أنّكَ لا تريد أن تعترف. دعني أذكّركَ بأن لدينا وسائل ناجحة لاقتلاع هذه الإعترافات."
شعر طارق بنوبة من الغثيان عندما سمع تهديد طه وبدأ يتسال ما إذا كان إحدٌ قد وشى به في جريمة لم يرتكبها وبدأ يقارن بين ذلك والشهادات الأمنيّة التي تصدرها الحكومة الكنديّة بدون أن تخبر المتّهم بجريمته المزعومة ثم تسجن الشخص لمدّة بلا حدود. وتجنّباً لذلك فقد سرد على القبطان طه سيرة حياته منذ الطّفولة لأنه كان واثقاً تماماّ من براءته."
"ومن هم أفراد أسرتك في اليمن؟"
"لم يبق منهم أحَد."
"وأصدقاؤك؟"
"هؤلاء أيضا لم يبق منهم أحدٌ. مات الكثيرون. وهاجر البعض خاصّةً الى الخليج. قد يكون هناك بعض زملاء الدّراسة ولكني لست على اتّصال بهم."
"انت تكذب يا بروفسور!"
"أبداً، لقد قلت لك الصّدق وليست هناك أسرار أريد أن أخفيها."
"هكذا؟ وماذا عن صديقك فاروق؟"
"عفوا عفواً نسيت أن أذكره لأنّه ليس صديقا بمعنى الكلمة. بالنسبة لي الصّديق هوالشخص الّذي يبادلك الزيارات بانتظام والّذي يزورك في بيتك. أمّا فاروق فلم أجتمع به منذ أيّام المدرسة يعني منذ أربعين سنة."
"ولكنّكَ قابلته منذ يومين وقابلت أبنته أيضاً. أليس صديقاً هذا؟"
"لقد رأيت إبنته في إستشارة طبّيّةٍ. أحْرَجَني وتوسّل إليّ فلم أستطع أن أرفض وليتني لم أفعل!"
"هذا يعني أنّك تمارس المهنة في اليمن بدور ترخيص من الوزارة؟"
"إعطاء رأي واحد لا يمكن أن يعتبر ممارسة مهنة!"
"ولكنّك ارتكبت جريمة في اليمن. هل يحقّ لي مثلاً أن أذهب إلى كندا غداً وأن أعمل أستشارة طبّيّة حتى لمريض واحد؟"
"لا ولكنك لستَ طبيباً."
"لا لست طبيباً بالضبطً."
"ولكنّ احد زملائي من جامعة إدنبره يأتي الى صنعاء بانتظام ليفحص المرضى لمدة أسبوع فقط."
"هذا يختلف. هو ياتي بدعوة من المستشفى أو من كلّيّة الطّب."
"أنت على حق يا أستاذ طه. أعِدُكَ بأنني لنْ أُكَرّرَ هذا الخطأ مستقبلاّ. الحقيقه هي أنني لن أعود أبدا الى اليمن."
"ولماذا تركتها؟ كنت هنا منذ عشرين عاماً. ولكن تركتَ بعد ثلاث سنين فقط. لماذا؟"
"لم آتِ إلاّ لأنني كنت أتصوّر أنني ساتمكن من مساعدة كلّيّة الطب في الوقوف على قدميها. أعتقد أنّ أكثر الناس يمرون بمرحلة تسمى أزمة منتصف العمر حين تساورهم الشكوك حول الحياة والغرض منها."
"ولكنّك كنتَ ناجحاً في مهنتك حتى أنّ البعض كانوا يقولون إنّك أشطر أطبّاء المدينه!"
"ربما لأن المستوى لم يكن مرتفعاً آنذاك؟"
"وتمّ تعيينك في الجامعة برتبة أستاذ مشارك؟"
"كيف عرفت ذلك؟"
"نحن نعرف كلّ شيء عنك – وعن غيرك. هناك معلومات خياليّه على الإنترنت و فيس بوك وغير ذلك – حتى أشعارك موجودة هناك."
"ولكن تلك الفترة لم تكن مفروشة بالورود."
"ماذا تقصُد؟"
"هل تدرك أنّ مشروع هذا التّعيين في الجامعة الّذي كان يجب أن يتمّ في شهرين أو أقل أستغرق سنتين؟ لماذا؟ لأنّ العراقيل كانت تزرع مع كل خطوة قي هيكل نظام عاجزٍ وفاسد."
"ولكن لماذا لم تقم بكل الترتيبات اللازمة من الخارج وقبل المجيء؟"
"أوّلاً لأن هذا كان قبل عشرين سنة وأهم من ذلك هل يمكن ترتيب أي شيء في اليمن؟ هذا ضحكٌ على الذقون!"
"حتى تدبر أمورك في هذه البلاد لا بدّ لك أن تتعرّف على من هم في المناصب الحسّاسة."
"هذه بالضبط هي المشكلة – الوساطة – لماذا؟ إذا كنت مؤهلاً للتدريس لماذا تلزمُني الواسطه؟ هل تعلم أنني أضطررت أن أتوسّل رئيس الوزراء أن يتدخّل؟ طبعاً لم يفعل سوى أن ابتسم لي وقال إن شاء الله."
"ولكن من المهم أن نطمئن هنا أنّ الأستاذ الجامعي لن يؤثر على العقيدة السّياسيّة لدى طلبة الجامعة."
"تقصد ويجعلهم شيوعيين أو جهاديين أثناء دراسة تشريح الرئتين مثلاً؟"
"ليس أثناء التشريح ولكن فيما بعد – بعد أن يكون قد كسب ثقتهم واحترامهم."
"هؤلاء طلبة جامعه – وليس مدرسه – والمفروض أنّهم يستطيعون أن يفكروا لأنفسهم. لماذا لا نعطيهم الفرصة ليفعلوا ذلك؟ لماذا تصرؤن أنتم أصحاب الأمن القومي على غسل الدماغ وتلقينهم الصدق والحقائق كما تؤلفونها أنتم؟ هذه وسائل دكتاتوريّة وفاشيّة."
"أنت تتحدّث عن الغرب الّذي سبقنا بمئات السّنين."
"أنا معك أنّ العرب بحاجة اللحاق بالقافلة ولكننا كما قال شاعرنا شعبٌ بحمد الله يمشي للوراء! والفارق أصبح يتفاقم بدلاً من أن ينكمش مثل الفرق بين الغني والفقير."
"لاحظت من مقالاتك المنشورة أنّك اشتراكي المبادئ؟"
"وهل تعتبرُ ذلك جريمة؟ أي شخص يرى الفقر المدقع جنبا الى جنب البذخ المقزز في صنعاء يتحوّلُ فوراً الى إشتراكي."
"خرجنا قليلآً من الموضوع. قل لي ماذا صار في موضوع تعيينك في الجامعة؟"
"ألم تقلْ لي إنّكم تعرفون كل شيءعن كل شخص يا أصحاب الأمن القومي؟"
"لا تحاول أن تتشاطر عليّ يا دكتور نحن نعرف كيف نرغمك أن تعترف."
"هذه أصبحت قصّة قديمة الآن ولكن إجابةً على سؤاك، كان هناك نظام إرسال تفاصيل السيرة الشخصيّة لمن يطلب ألإلتحاق بالجامعة الى جهات أكاديميّة محايدة في الخارج لأنّها لا تعرف المتقدّم اليمني، وكانت آنذاك في مصر والسّودان والأردُنّ. وأرْسِلتْ أوراقي الى هذه الجهات ولكن بدلاً من سؤال مفتوح مثلاً ’ما هي الدرجة الجامعيّة الّتي تليق بالدكتور فلان؟’ كان السّؤال ’هل يستحق الدكتور فلان رتبة مدرس؟’ وهي الدرجة الثالثة بعد أستاذ و استاذ مساعد في نظام صنعاء. فردّت الجامعة الأولى بنعم. ولكن الجامعة الثانية أصرّت من تلقاء نفسها على رتبة أستاذ مساعد. أمّا الثالثة فنصحت برتبة أستاذ مساعد أيضا ولكن أضافت أو أستاذ مؤسس كامل بالرغم من السؤال المخطئ الذي أرسل من صنعاء. فما كان من العميد ألآّ ان عيّنني برتبة مدرّس مثل الثلاثة المتقدّمين الآخرين."
"لماذا؟"
"السؤال سيبقي متروكاً للعميد ومدير الجامعة ولكن السؤال الآخر هو كيف تم تعيين العميد نفسه برتبة أستاذ مساعد في الوقت الّذي كان له مؤلف طبّيّ واحدٌ فقط نشر في مجلّة علميّة يمنيّة غير عالميّة."
"ولكنّه عزا ذلك الى خبرته الجامعيّة في كلّيّة العلوم."
"هذه قصّته هوَ. إذا كانت آراء الخبراء في مصر والسودان والأردن لن تُحتَرَمَ إذنْ لمذا أُرسِلتْ الأوراق الى هناك؟"
"سؤال آخر: ما هي السّفارات الّتي زرتها هنا؟"
"كنت أحضر بعض الحفلات بدعوة خاصّة مع زوجتي الاسكتلنديّة مثل سفارة بريطانيا وفرنسا وأمريكا والهند."
"يعني أنك تنسى الإشتراكيّة عندما تستلم مثل هذه الدّعوات؟ طيّب والسّفارات العربيّه؟"
"حسب ذاكرتي كانت الوحيدة هي سفارة الإمارات العربيّة المتّحده."
"أنا مضطرّ أن أترك الأن ولكنّي سأعود غدا لنكمل الأستجواب."
"لقد أجبت على كلّ أسئلتك بكلّ أمانة. ماذا تريد منّي بعد هذا؟"
"هناك أسئلة أخرى كثيرة ومُهِمّة."
"لو سمحت يا رائد طه، كم تنوون أن تحتجزونني في هذه الزّنزانة القذرة؟"
"ستبقى هنا حسبما نقرر نحن!" وترك الزنزانة فوراً.
قضى طارقٌ ليلة مضطربةً فشعر بإرهاق شديد في صباح اليوم التّالي بعد أحلامٍ مزعجةٍ لم يتذكّرْ تفاصيلها ولو أنه تذكّرَ تفاصيل الحلم القصير الّذي رأى فيه جيتا مستلقيةً على الرمل على شاطئ البحر في عدن حيث كان يذهب للسباحة في عطلة نهاية الأسبوع. كانت في منتهى الجمال وفي منتهى السعادة لرؤيته فرفع كلٌّ منهما ذراعيه وركض نحو الآخر ولكن قبل أن يلمسها تغيّرت فجأةً الى منى الّتي كانت تبكي بحرارة لأن طفلها الصغير كان قد غرق في البحر. عندها أفاق طارقٌ من نومه وقد أسرع نبضهُ وهو يتصبب عرَقاً. وبدأ يتذكّر قصّة الأم البريطانية الّتي قتلها سمك القرش في ساحل عدن عندما حاولت أن تنقذ طفلها الصغير منه عندما كان الطفل واقفاً في ماء البحر حتّى صدره.
لطعام الفطور إحضر الحارس علي أحمد كأساً زجاجيّاً كبيراً من الشاي المحضّر بالحليب والسّكّر والهيل. وعندما سأله طارق عن الكُحّة أستطاع أن يطمئن الطّبيب أنّها تحسّنت بالدّواء. واضاف قائلاً أنّ هناك شاباً يسأل عن أحوال طارق ويعمل كموظّفٍ في فندق البحر الأحمر وانه وعد هذا الشاب أن يبلّغ رسالته بالرّغم من أنه ممنوع من حمل أي رسائل الى المعتقلين. وفي التاسعة عاد طه من جديد ولكنّه كان أقل لطفاً من اليوم السّابق.
"كنت أقرأُ عنك في الإنترنت لساعات طويلة بعد أن إعترفت بعلاقاتك مع السّفارات الأجنبيّة. قرأت أنّك تحضر الكنائس والمعابد البوذية وحتّى اليهوديّه، ولكنّي لم أقرأ عن أي علاقات مع المساجد. فهل غيّرت ديانتك؟ لا شك أنّك تعرف ما هي عقوبة المرتد في الإسلام؟"
"أوّلاً دعني أطمئنك أنني لم أرتد ولكني أؤمن أن كلّ الأديان السماوية تدعو إلى الخير وإلى السّلام. هناك مليار ونصف مسلم في هذا العالم ونفس العدد من الهندوس والبوذيين والكاثوليك وأكثر قليلاً من المسيحيين غير الكاثوليك وعدد أصغر بكثير من اليهود. وإذا كانت هذد الأعداد الضخمة كلّها تؤمن بكلّ هذه الديانات والمذاهب المختلفة فلا شك أنّ هناك قدراّ كبيراً من التوافق بينهم. المشكلة تطرأ عندما يصر أتباع كلّ دين على تفوّق دينهم على ألأديان الأخرى."
"ولكنّ محمداً صلّى الله عليه وسلّم آخرُ الأنبياء أليسَ كذلك؟"
"نعم. ولكن قد يكون بين أتباع الأديان الأخرى من يشك أو يتحدّى ذلك."
"كيف تتجرّأ أن تقول ذلك؟ هذا كفرٌ."
"أرجوك! لا تحاول أن تتقوّل عليّ. الّذي أريد أن أبيّنه للناس من العقائد المختلفة هو أنّ إحترام العقائد المتباينة ضروري للسلام بين الشعوب. المسيحي واثق تماماً أن عيسى المسيح صُلِبَ لينقذ تابعيه من ذنوبهم ومن الهلاك يوم القيامة، فإذا قلتُ له أنّ هذا هراء وأن المسيح لم يصلبْ وإنّما ’شُبِّه لهُم’ فقد ينتقم ويدّعي أن محمّداً صلّى الله عليه وسلّم دجّالٌ يميل إلى الإكثار من الزواج لولعه بالنّساء! أنا أعترف بأنني لا أفهم الفقه والدّين، كلّ ما أقول هو أننا لو قضينا العمر في تبادل الإتهامات بدلاً من أحترام الرأي والدّين الآخر لخربت الدنيا ولتطاحن البشر إلى ما لا نهايه."
"وقرأت أيضاً أنّك بدأت نادي حوار مع اليهود في كندا؟"
"صحيح. وأعتقد أنه من أحسن ما حققت، لا لأنني غيّرت العالم ولكن لأنني غيّرت مفاهيم الّذين شاركوا في تلك الإجتماعات. ومن صالح اليهود بالذّات أن يعُمّ السلام لأنّ عددهم ضئيل جدّا بالنّسبة للأديان الأخرى وأرجو أن يدركوا ذلك."
"وهل زرتَ إسرائيل؟"
"لا"
"هل لديك النّيّة؟"
"أنا واثقٌ في قرارة نفسي أن سيأتي يوم يعمّ فيه السّلام في منطقة فلسطين وعند ذلك ستكون الزّيارة ممتعة جدّاً."
"ومتى سيأتي ذلك اليوم؟"
"عندما لن تجد إسرائيل المبرر لتدّعي أنها الدولة الديمقراطيّة الوحيدة في المنطقة."
"نحنُ هنا لدينا دولة ديمقراطيّة وأنتهينا من أنتخابات منذ أسابيع."
"قلتُ ديمقراطية حقيقيّة مع احترام القانون وحقوق الإنسان. الإنتخابات لوحدها ليست الديمقراطيّة خاصّة عندما تسفر عن رئاسة شخصٍ واحدٍ لمدة ثلاثة عقود! الرئاسة لفرد لا يمكن أن تستمر أكثر من فترتين وأين الصّحافة الحُرّة وأين منظّمة حقوق الإنسان ومنظّمة العفو الدّوليّة الّتي تشرف على استجواب المعتقلين؟"
"قل لي يا بروفسور هل هذه المنظّمات تشرف على هذه الأمور في جوانتانمو؟ أو في جوانتانمو الشمال، عندكم هناك في كندا؟"
"هذا يجب أن يكون دور هذه النظمات في كلّ الدّوَل."
"جاي تتفلسف علينا؟ روح أتفلسف عليهم هناك، أو تعال هنا وحاول أن تحسّن الوضع من الدّاخل."
"كلام سليم والله. ولكن أنت تعلم أنني عدت الى هنا وحاولت وفشلت. في هذه البلاد القبَليّة معنا قبائل عدنان وقحطان وزعطان وفلتان وعلى الأخص سنحان. نحن نعيش هنا بقانون الغاب – القوي يأكل الضعيف."
"أرى أنّك واثقٌ جدّاً من نفسكَ ومن آرائك. هذا هو الغرور نفسه. كلمة الله هيَ العليا. عليك أن تقرأ القرأن أم أنكم طبقة المتفرنجين لا تلتزمون بالصلاة والصيام؟"
"أعترف بأنني لا ألتزم بالطقوس لآن الإسلام ليس في ممارسة هذه الطّقوس."
"يعني أصبحتَ تدلي بالفتاوي! ومن يحقّ له أن يقرّرَ من هو المسلم الحقيقي؟"
"هي نفس العمليّة التي تستعمل في تقرير من هو الأنسان الطّيّب أو الرجُل العادل أو المرأة الشريفة أو المدَرّس النّاجح. الناس الذين حوالينا هم الّذين يقررون كمجموعة."
هنا بدأ الكَلَلُ يظهر على طه الّذي لم يستطع أن يفحم أو أن يرعب طارق خلال كلّ النّقاش الطّويل. فهو معتاد أن يخضع المعتقل بالكلام والتهديد إلى الموافقة على آرائه والإذعان لأوامره في دقائق. لذا غيّر طه سير الحديث.
"دعنا نتحدث عن موضوع آخر. صديقك فاروق يقول إنّ أحد ضبّاط الأمن القومي إعتدى على إبنته واغتصبها. طبعاّ لم يكن هناك أيّ شهود ولذلك فالموضوع هو من منهما يقول الصّدق الضابط المحترم من أسرة مرموقة أو فتاة طائشة يعتبر وزن شهادتها في الشّرع الإسلامي بقدر نصف وزن شهادة الرّجُل؟"
"لا شك أن المحكمة ستقوم بالتقييم الكامل والعادل كما تفعل دائماً."
"الإغتصاب لا يحدث في اليمن. هذه جريمة كبرى تؤدّي الى أكبر فضيحة أخلاقية."
"يسعدُني أن أسمع ذلك ولو أنّي أشك فيما قلتَ يا رائد لأنها تحدث بكثرة في كلّ أنحاء العالم وحتى داخل الأسرة الواحدة. ولكن ما دخلي بهذا الموضوع؟"
"يدّعي فاروقٌ وزوج أبنته أبوبكر أنّكَ تستطيع أن تثبت الجريمة."
أدركَ طارقٌ أن تفاصيل الجريمة ودوره في تشخيصها قد أنتشرت على الأقل بين مسؤولي ألأمن في البلاد فكيف يستطيع أن يخلّص نفسه من المأزق؟
"وهل وصلت الشّكوى إلى المحكمة؟"
"لن تصل إلاّ إذا وجدت الأسرة من يستطيع أن يثبت ذلك عمليّاً."
"وإذا لم تجده؟"
"قد تجد الأسرة نفسها في قفص الإتهام ويطالبها الضابط المتهم بتعويضٍ كبير."
"يا طه اسمعني. أنا ما جئت هنا إلاّ للإشراف على تركيب الأجهزة الطّبّيّة وفعلاً أتممت هذه المهمة وكان المفروض أن أسافر قبل يوم. والآن أجد نفسي محتجزاً هنا لأنني ساعدت بنتاً مريضةً حسب القسَمِ الهبقراطي الّذي يؤديه جميع الأطباء – على الأقل في جامعات بريطانيا – عند التخرّج. لدينا بنت مصابة بنوبات صرعيّة أتّضح فيما بعد أنّها لأسباب نفسيّة. لكن الطبيب ملزمٌ بأن يتحرّى التّاريخ المرضي بالتفصيل ثم أن يفحص جسم المريض قبل أن يصل إلى التشخيص. أنت تعلمُ أنني لم أشاهد الإغتصاب بعيني ولكن هناك جرحاً واضحاً في الدّبر حيث أغتُصِبت البنت وكان من الواجب أن أعالج التقيّح في الجُرح قبل أن تنتشر الميكروبات إلى الدّم وتسبب التهاب السّحايا وهو مرضٌ قاتل."
"ولكن الإحتمال طفيفٌ لأنّها من فصيلة إي كولاي الّتي تعيش في القولون."
"هذا صحيحٌ ... ولكن كيف تعرف أنت اسم هذه اليكروبات؟ هل يعْقَلُ أن تكون أنت طبيبا؟ إذا كنت حقّاً طبيباً إذن ستتعاطفُ مع ما فعلت ُ مع هذه البنت."
"كدتُ أن أتخرّج من كلّيّة الطّبّ ولكنّي لم أكملْ الدّراسة بسببكَ أنت!"
"أنا؟ وما دخلي أنا في ذلك؟ كيف حصلَ ذلك؟"
"لا تتذكّرُني الآن بعد عشرين سنة لأنك كنتَ استاذاً مشهوراً وكنت أنا لا شيء عندئذٍ ولكنْ العكس صحيحٌ الآن! سبحان مغيّر الأحوال!"
"يظهرُ أنّك تضْمرُ حقداً دفيناً عليّ. أليس من حقّ المتّهم أن يعرف التّهمة الموجّهة اليه على الأقلّ؟"
"أنت الّذي فشّلتني في الإمتحان الشّفوي لغلطة واحدة وهي عندما لم أتمكن من شرح أسباب الفُتور العضلي."
"واو! سبحان الله كيف يعود الماضي ليؤثّر في الحاضر والمستقبل! صدّقني يا طه اننا لا نفشّل أحداً بسبب غلطة واحدة. ثانيا نحن دائماً نصر أن يكون هناك أكثر من أستاذ ممتحن لكيلا تقع المسؤوليّة على شخصٍ واحد. على كلّ حال كان بإمكانكَ أن تعيد السّنة – كم فعلتُ أنا أثناء دراستي."
"نعم ولكن الممتحن الآخر كان مصريّاً ولا يمكن أن يتجرّأ على الإختلاف معكَ أنت اليمني في تقييم الطّالب. هؤلاء الأجانب يخافون على وظائفهم. ألا تتذكّر يوم رقّى العميدُ نفسه إلى درجة أستاذ كامل بدون أيّ مؤلّفات تُذكَر سوى المؤلف المشترك عن القات؟ ألمْ يصوّتْ لهُ جميع الأساتذة المجلوبين من الدّوَلِ العربيّة المجاورة؟ لماذا؟ لآنّه كان رئيسهم من ناحيةٍ إداريّة!"
"يظهر أنّك تتذكّرُ كلّ التّفاصيل المؤلمة. كيف أعتذر لك بعد مرورِ عشرينَ عاماً؟"
بدأ طارقٌ يشعر بأن عمليّة الإستجواب لم تقنع ألرّائد طه بالإفراج عنه فقرر أن يخاطب ضمير طه فقال "والله لقد قلتُ لك الصّدق وأنا واثق أنّك تعرف ذلك. والآن ما هو الحلّ؟ "
"عليكَ أن تعيد النّظر في التشخيص الّذي طلعتَ به."
"لا يمكن انك تقصد هذا. كيف يمكنني كطبيب أن أكذب وأن أُزوّرَ التشخيص؟"
"لا مناص من ذلك."
"أوّلاً هذا ضد القانون. ثانياً ضميري لن يسمح لي بذلك. ثالثاً هذا ضد الإسلام نفسه فالرسول عليه الصّلاة والسلام قال من غشّنا فليس منّا. هل تتذكّر؟"
"عجيب أمرك! عندما تناسبك الظروف تتذكّر القرآن والحديث وعندما يناسبك أيضاً تقول إنّك علمانيٌ أو حتّى مُلحد. هذا بالرغم من اسرتك المسلمة المحافظة. متى كانت آخر زيارة لك في أيّ مسجد؟ ومتى حضرت إفطار رمضان؟ "
"لم أحضر لعدّة سنوات ولكنّي لا أشعر بالذنب لذلك. الإسلام أكثر بكثير من طقوس. هو أوّلاً وقبل كلّ شيء مبادئ وأخلاق وسلوك أتبعها أنا. أليس هذا أهمّ من الطقوس؟"
ولماذا لا تلتزم بالإثنين، المبادئ والطقوس؟"
"ما يفعله الإنسان هو بينه وبين ربّه. يجب أن لا نرغم المسلم على أداء الفروض وأن نترك له الخيار شخصيّاً. وكذلك لا يمكنك أن ترغمني على تعديل شهادتي الطّبّيّة."
"المطلوب منك هو أن تغيّر التشخيص وأن توقع على البيان الّذي سنحضّره لك غداً."
"وإذا رفضتُ؟"
"صدّقني أنك لن ترفض ولن تكون أوّل من غيّر رأيه!"
"أريد أن أتّصلَ بسفارتي."
"سفارتك؟ أي سفارة تقصد؟"
"السّفارة الكنديّة طبعاً."
"لا توجد سفارة كنديّة هنا."
"أعرف ذلك ولكنها موجودة في الرّياض والتلفون يمكن أن يوصّلنا اليها."
"ولكنّك يمني والقانون يقول بوضوح أنّك إذا ارتكبت جريمة في اليمن فالقانون اليمني يسري حتّى ولو كنت تحمل الجواز الكنَدي."
"جريمه! أي جريمة هذه؟ الّذي أرتكب الجريمة هوَ الضابط."
"جريمة التحريض على القوّات المسلّحة الباسلة بواسطة هذه الأدلّة الطبّيّة المغلوطة المستقاه من شهادة فتاة مختَلّة فحصتها بدون رخصةٍ لممارسة الطّبّ في اليمن. صدّقني أنه في الوقت الّذي تحين فيه المحاكمة سيكون الجرح في الدّبر قد التأم ولا شك أن ّ البنت وزوجها وحتى الأب سينقلبون ضِدّك."
"مستحيل!"
"انت تحلم يا عزيزي لأنّك ستعود إلى كندا ولكن الأسرة كلّها ستبقى هنا وستعيش هنا ... وستموت هنا!"
"لا يمكن. قد يفعل الرّجلان ذلك ولكن البنتَ لنْ تتنكّر لي بعد كلّ ما فعلت لها."
"والله أنا أعجبُ من سذاجة رجلٍ في علمكَ وذكائكَ ولكنّ الواضح هو أنّك قد غِبْتَ عن المجتمع اليمني فترةً طويلةً. هذه البنت في النّهاية ستفعل ما يرضي زوجها ولن تستطيع أن تتحدّى أسرتها ومجتمعها لكي تنقذكَ حتى لو أرادت ذلك. وعلى كل حال فشهادتها تساوي نصف شهادة الضابط لآنه رجُل وهذا حسب الشريعة و الأسلام."
"مسكين هذا الإسلام! تسيئون استعماله وتترجمونه حسبما تريدون أنتم وهو منكم براء. الإسلام الّذي أعرفه أنا سيعاقب الجاني بما يستحق."
"أنتم في بلاد الحضارة وحقوق الإنسان تصرّون على حق كلّ متّهمٍ في الدفاع عن نفسه يوم حضوره المحكمة و كذا بالنّسبة للضابط في وزارة العدل عندنا في اليمن."
"اليست هذه الوزارة التي أطلقَ عليها اليمنيّون أنفسهم إسم وزارة الظّلْم؟"
"ونفس هؤلاء اليمنيين سيطلقون عليك لقب الكافر والخائن وسيحدّدون العقوبة."
"يظهر أنّك قد برمجت كلّ شيء كما تريد."
"وهلْ كنتَ تظنّ نفسكَ العبقريّ الوحيدَ في هذه البلاد؟ غداً سوف توقّع على البيان."
l