الفصل الحادي عشر
وزير الأمن القومي
في العاشرة صباحاً وصل عبدالله مع والد زوجته الى مبنى وزارة الأمن القومي لمقابلة مع الوزير لمْ تكنْ تتمّ لولا واسطة وزير الصّحّة. لم يصل الوزير بعد فانتظر الرّجُلان وصوله بقلق واضح وصمْتٍ عميق. كان كل الموظفين في مكتب الأستقبال يلبسون الزّيّ العسكري مع اختلاف عدد النجوم والأشرطة الملوّنة على أكتافهم. لم تكنْ هناك إمرأةٌ واحدة. ولكن كان هناك رجلٌ مدني يلبس الفوطة الشّائعة في الجنوب والكوفيّة الجنوبيّة وحذائين مطّاطيين أكلَ عليهما الدّهرُ وشَرِب، وكانت مهمّته تزويد الموظّفين الكثيرين بالشاي طوال النّهار في كؤوس صغيرة جدّا ينقلها من مكتب موظّفٍ إلى آخر في صينيّة من الألمنيوم تسبح في الشاي المراق عليها والّذي هبطت عليه عشرات من الذباب.
وفجأت سُمِعَ هرْج ٌ ومرْجٌ عند باب الوزارة فوقف جميع الموظفين وقفة عسكريّةً لاستقبال الوزير الّذي دخل مُسرعاً وارتقى سلّماّ قصيراً مفروشاً بالسّجاد الى الدّور الأوّل حيث يوجَدُ مكتبهُ. وتبعته شرذمة من الضبّاط الكبارفقط للتحيّة الشّخصيّة ولتأكيد الولاء كما يفعلون كلّ صباح. وكان صاحب الشاي في مؤخّرة المجموعة يهرع الى أعلى السّلّم بكأس خاصٍّ كبير يليقُ بوزير.
بعد عشرين دقيقة بدأ الضبّاط الكبار في العودة الى مكاتبهمْ وأومأ أحدهم لفاروق وأبي بكر بالصعود إلى مكتب الوزير. عندما دخل الإثنان كان الوزير يجلس على كرسيّ كبيرٍ فاخر خلف مكتب ضخم من الخشب المصقول شبه مغطّى بعدد من الملفّات، وبجانبه الى اليسار وقف مساعده الخاص برتبة ملازم أوّل.
بعد التحيّات المكرّرة وهما ما زالا واقفين، طلبَ الوزير من فاروق الأكبر سنّا أن يقول قوله فبدأ فاروق بعد أن تنحنح كثيراً "سعادة الوزير والله نحن نريدُ أوّلاً أن نشكركم من أعماق قلوبنا لأنّكم منحتمونا هذه المقابلة بالرّغم من مشاغلكم الكثيرة ونحن نعرف سمعتكم الّتي وصلت إلى جميع أطراف البلاد وهيَ سمعة الرحمة والعدالة ونصرة المظلوم الّذي لا ينصُرُه إلاّ الله وأنتم. ونحنُ ما جئنا اليوم إلاّ ونحن على ثقةٍ في عدلكم وإنصافكم."
كان الوزير في تلك الأثناء يقلّب صفحات ملفٍّ أزرق قديم ولكن يده كانت تغطّي جزأً من عنوان الملف ولم يظهر لفاروق ما كُتِبَ على الغلاف سوا حرفين هما "فا". عند ذلك قال الوزير"يا فاروق وصّلنا الى طلبك لو سمحت!"
"هذه مسألة محرجه وخاصّة جدّاً و كنّا نأمل أن نتحدث معكم بصورة خاصّة."
"قلْ ما تريد نحن هنا مثل الأسرة الواحده." قالها وهو ينظر الى الملازم الأول بجانبه.
"معالي الوزير الموضوع يخصّ الشرف... شرف إمرأة."
"نحن في القوّات المسلّحة نؤمن بالشرف بل ونبذل أرواحنا للدفاع عن الشّرف."
"الموضوع يخص إمرأة من أهلنا ... الحقيقة هيَ إبنتي فقد إعتدى عليها أحد ضُبّاطكم منذ أسابيع قليلة ومنذ ذلك الإعتداء أصبحتْ مريضةً ومصابةً بحالة الصّرَع."
هنا تغيّرت سحنة الوزير من إبتسامة مصطنعة إلى عبوسٍ في الوجه وتقطيبِ للحواجب وقال "لا لا هذا لا يمكن أبداً. لا يمكن لأحد من ضبّاط هذا الجيش أن يرتكب شياً مثل هذا. والله لو وجدته لقتلته بيدي. من هو هذا الضابط؟ ومن هو المدّعي؟ ومن هم الشّهود؟"
"سعادة الوزير بعد ألإذن، اسم الضابط هو القبطان فارس وهذا كل ما نعرف."
التفت الوزير الى مساعده وسأل "هل تعرف من هوَ؟"
"هناك ضابط واحدٌ فقط وهو القبطان فارس أحمد السّنفاني في قسم المباحث الجنائيّة."
"لا لا لا يمكن. ابن عمّي عنده ولد إسمه فارس ولكنّه رجلٌ شريف و نظيف ولو أنني التقيت به مرّةً واحدةً فقط في شهر رمضان منذ ثلاث سنوات. قل له ان ياتي الى مكتبي صباح الغد. من رأى هذه الجريمه؟ من هم الشهود؟"
"سعادة الوزير لم يشهد الجريمة أحد، بطبيعة الحال."
"وتتوقّع منّي أن أصدّق قصّة بنتٍ في العشرين، في اضطراب نفسي تدخّن السجائر ولا تلبس الحجاب؟ ولا أصدّق ضابطاً مهمّته أن يحمي أفراد الشعب بروحه؟"
"يشهد الله عليّ بأنني دائما أقول إن الجيش يحمي الشعب بدمه ولكن من حين الى آخر نجد تفاحَةً عاطبه في البرميل وقد يكون شُرْبُ الكحول قد أثّرعليه."
"اسمع يا فاروق، التّفّاحة العاطبة لا تأتي إلاّ من شجرة عاطبة . وأنت تعلم أن أسرتنا هي أنبل أسرة في صنعاء. ولا تنسَ أنّ المرأة بنصف عقل كما يقول علماؤنا و فقهاؤنا خاصّة أثناء العادة الشّهريّة وانّها ما هي إلاّ وعاء يصبّ فيه الرجُلُ بذره. ولذلك تجد أن الشّرع يعتبر شهادة المرأة بنصف شهادة الرّجُل. أوربّما أنّك لا تؤمن بالشّريعة والدين الحنيف؟"
"أستغفر الله. لا يمكن لمخلوق أن يشكّ في حكمة الله أو رسوله."
"ربما كان هناك التباس عمّا حدث في تلك الأمسيّة؟ ليس هناك من هو معصوم من الخطأ سوى الله سبحانه وتعالى. وأنا واثقٌ أنّك ما زلت تتذكر أخطاءك منذ خمس سنوات عندما كانت هناك اتّهامات رشوة واختلاس مليون ريال في قسمك في وزارة الصّحّة؟ أظن ان فترة السجن كانت ستكون خمسة عشر سنه. ذكّرني هل كانت التّهمة موجّهةً إليك أو إلى غيرك؟"
فهم فاروق من كلّ ذلك أن الملف الأزرق الّذي كان بين يدي الوزير لم يكن إلاّ الملف الخاص بالقضيّة الجنائيّة التي دخل فيها والّتي نجا منها قي آخر لحظة بعد تدخّل بعض الناس المهمّين ولذا بدأ يتمتم "اللهم أغفر لنا سيئاتنا واعفُ عنّا واهدنا الصراط المستقيم."
"جميل أن تستغفر الله ولكن كيف تصدّق كلاماً مثل هذا الإتهام الباطل ضدّ أسرة عريقة وشريفة؟ هل رأيت الأغتصاب؟ هل فحصت البنت؟"
"يا معالي الوزير نحن أناسٌ بسطاء نحمد الله على نعمه ولا نعرف شيئاً عن الفحوص الللازمة في هذه الحالات ، ولكن لي صديق دراسة من عدن صار طبيبا في كندا وهو الّذي فحص البنت وتوصّلَ الى هذا التشخيص."
تفاجأ الجنرال بهذه المعلومات الجديدة فما كان منه ألاّ أن مد ّ ذراعه نحو قارورة الماء البلاستيكية ولكن الملازم سبقه اليها وملأ كاسه بالماء قائلاً لفاروق "أنظر كيف نغّصْت الحال على سعادة الوزير بكلّ هذه الإتهامات الباطله! الأنسان العاقل هو الّذي يتحرّى الأمور بدقّة قبل أن يتهوّر في الكلام. ولكن لحسن حظّكَ فسعادة الوزير معروف بقلبه الواسع وأذنه الصاغية."
وأضاف الوزير بعد أن شرب الماء "ومن هو هذا الدكتور؟ هل هو هناَ في صنعاء؟"
"إسمه الدكتور طارق حكيم في زيارة قصيرة من كندا. ولكنه من عدن وكان زميلي في المدرسة هناك."
"وماذا يصنع هنا؟ لماذا لا يبقى في كندا؟"
"جاء في مهمّةٍ قصيرةٍ ليشرف على عملية تركيب وتشغيل أجهزة طبّيّةٍ جديدة ولكنّه سيغادر في نهاية الأسبوع."
"هل نزل في بيت أهله في صنعاء؟ من هم إخوانه هنا؟ وهو من أي قبيلة؟"
"لا هوَ من عدن وليس لديه إخوة هنا. أظنه نزل في فندق البحر الأحمر."
"هؤلاء الأجانب يفضّلون الفنادق على أيّ حال حيث يمكنهم السّكار! على كلّ حال يا فاروق إذهب الآن أنت وزوج البنت ..." ثمّ نظر نحو أبي بكر وأضاف " هو لو كان أبو بكر قام بالواجب كل ليله مع البنت ما كانت دخلت البنت قي هذه القصص!"
بعد تلك الإهانة خرج الإثنان في حالة مزيج من الخزي والرّعب بعد أن إضطُرّ فاروق أن يشكر الوزير الجنرال سنفاني مرة أخرى على استقباله وحفاوته بعد أن تأكّد له أنّه لنْ يجد عدالة أو إنصافاً وبعد أن أدرك أنّ جريمة الإختلاس الّتي أرتكبها قبل سنين طويلة قد تبعثُ من قبرها في إيّ لحظة! خرج فاروقٌ وهُوَ يتمتمُ "لا حولَ ولا قُوّةَ إلاّ بالله."
في فندق البحر الأحمر تناول طارق عشاءه الأخير في صنعاء قبل سفره الى كندا في اليوم التّالي. كانت الحقيبة شبه ملآنة عدا البدلة التي أزمع أن يلبسها في قسم رجال ألأعمال من طائرة لفتهانزا. نزل الى بهو الفندق لكي يبشّر كولين بموعد وصوله لعلّه يستقبله في المطار، فتلفن رقم كولين الّذي لم يرد فترك رسالة مقتضبة ثمّ قرّرأن يتصل بالايميل ليخبره أن المهمّة كانت ناجحة وأنّه يتوق إلى كأس في حانة رويال كراون حال وصوله. فكانت مفاجأة سارةً عندما استلم ردًّاً من صديقه يبشّره قيه بإنَه قرَرَ الزّواج من سمانثا بعد أن وقع في غرامها. وفجأةً وبهذا الخبر الموجز بدأ طارقٌ يتخيّل نفسه في اتاوا ووعد نفسه أن يجد امرأة يحبّها ويقضي بقيّة العمر معها. وبينما كان مستلقياً على ظهره في السرير وبالرغم من أصوات السيّارات والبشر المرتفعة في صنعاء بدأ النومُ يداعب جفنيه.
ll