الرحله الأخيرة من صنعاء - الفصل العاشر - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الرحله الأخيرة من صنعاء
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل العاشر

الفصل العاشر

إبنة زميل الدّراسة في ذلك المساء وحسب الإتفاق جاء سوّاق فاروق المدّي الى الفندق ليأخذه الى منزل فاروق حيث يفحص إبنته. تناول طارق وجبة العشاء في الفندق قبل ذهابه الى منزل فاروق علماً منه أن العشاء هناك سيكون متأخّرا جدّاً. إستقبله فاروق بحرارة عند الباب واصطحبه إلى غرفة الجلوس حيث جاء إبن فاروق بكأس مليء الى الآخر بعصير البرتقال ذكّره بزيارته للتاجر الليبي في أتاوا. بدا واضحاً لطارق أنّ زميله كان فخوراً جدّاٌ بالولدعندما عرّفه عليه قائلاً إنه ذكيٌّ جدّا ولذلك يريد أن يصبح طبيباً بعد الثانويّة. "ولكن دراسة الطّب لا تحتاج الى ذكاء خارق." "هذا تواضعٌ كبير منك يا دكتور فقد كنتَ دائما الأوّل في الفصل." "نعم ولكن صدّقني انّ دراسة الطب تحتاج الى ذاكرة قويّة لحفظ أسماء ومواقع مئات الشرايين والأعصاب والعضلات وتركيب المواد الكيمائية والعقاقير. الدكتور الذي لا بدّ له من ذكاء خارق هو الذي يدرس للدكتوراه مثلاً قي الكيمياء أو الفيزياء." بعد قليلٍ أخذ فاروقٌ ضيفه الى غرفة جلوس الأسرة حيث عرّفه على إبنته منى وطلب منها إن تتقدم لتحيي الدكتور معطيا لها بذلك الإذن في مصافحة طارق. ثم استدار وقال "وهذه هي الأُسره." متحدّثاٍ عن زوجته دون أن يقول اسمها ولكنه أضاف "كان والدها يصلحُ إطارات السّيارات بجانب سوق الخضار في عدن." وهزّ طارق رأسه من بعيد متظاهرا بأنّه تذكّر الرّجل ولكنه لم يصافحها خوفاً من أن تكون من اللواتي لا يصافحن الرّجال. ولكنّه لاحظ أن زوجة طارق لم تكن أكبر بكثير في العمر من إبنته! بعد فترة أدرك طارق أنها زوجة فاروق الثانية وليست أم منى. لم يتمكّن الدكتور أن يتحرى التّاريخ المرضي الكامل لدى منى خاصّة في حضور بقية أفراد الأسرة. فلم تستطع منى من القاء الضوء على سبب التشنّجات الصرعية التي تنتابها بشكل متكرر فلم تكن هناك علاقة بينها ووجبات الأكل أو أنواعه أو النوم أو أي أدوية تتعاطاها. وكانت النوبات تحدث معدّل مرة واحدة في الأسبوع وكانت النوبه تستمر حوالي عشر دقائق تشعر منى بعدها بارهاق. وكان فاروق قد استعار من أحد الأطبّاء بعض الآلات الطبيّة الّتي مكّنت الدكتور من الكشف على قعر العين فوجد كلّ شيء سليماً ولو أنّه لاحظ البؤس في نظراتها الخجولة. وعرف طارقٌ أن منى كانت متقدّمة في دراستها في السّنة الأخيرة في كلّيّة التربية في جامعة صنعاء وأنّها تزوّجت مؤخّراً من طالبٍ في نفس صفّها كان يحبّها ولو أن والدها كان غير راضٍ بهذا الزّواج في بداية الأمر ثمّ غيّر رأيه لسبب لم يطّلع عليه طارق. إقترح طارق أن تمر منى بفحص تخطيط المخ بالجهاز الجديد الّذي وصل قبل أيّامٍ من بولندا إلى المستشفى كما تبرع بفحص صور المخ بالرنين المغناطيسي فلربّما كانت به علّة فاتت الأطباء المحلّيين. وبعد الإنتهاء من تلك الإستشارة الطّبّيّة الطّويلة جاء ولد فاروق ليدعو الرّجُلين إلى طعام العشاء. وحاول طارق أن يقنع صديقه بأنّه قد تناول وجبة العشاء قبل الحضور ولكنّ فاروقاً أبدى إستياءً ثم إصراراً حتى اضْطُرّ طارق أن يتعشّى من جديد! في اليوم التالي أحضر سائق فاروق صور المخ بالرنين المغناطيسي الى فندق البحر الأحمر فلم يجد طارقٌ أي علّةٍ واستطاع أن يطمئن صديقه بذلك. وحُجِزَ تخطيط المخ لظُهر يوم السّبت وهو أوّل أيّام الأسبوع هناك. ولكنْ في العاشرة صباحاً من يوم السّبت أستلمَ طارق في فندقه مكالمة عاجلةً من فاروق يعلمه فيها أنّ ابنته نُقلتْ فجأةً الى غرفة الطّوارئ في تلك المستشفى في حالة خطيرة من التّشّنّج ويطلب منه أن يقابله هناك فوراً. فاستقلّ طارقٌ سيّارة تاكسي فوراً وفي باب المستشفى كانت أعداد المنتظرين دورهم في الدخول كبيرة جدّاً واحتار طارقٌ كيف يدخل. ولكن سائق التاكسي تدخّلَ بطريقة ذكيّة ونزل الى باب المستشفى وهو يصرخ مردداً "حالة طوارئ إفسحوا الطريق ، إفسحوا الطريق، الدكتور جاء من كندا لكي يعالج المريضة، المريضه في حالة خطر، عندها تشنُّجات!" وانطلت الحيلة وتدخّل الجندي المسلّح الّذي يقف عند باب كل مؤسسة حكوميّة في صنعاء وسمح للدكتور بالدّخول. استطاع طارقٌ أن يجد طريقه الى غرفة الطّوارئ حيث وجد أخيراً غرفة جانبيّةً فيها جهاز حديث لتخطيط الدّماغ بالقرب من سريرٍ نامت عليها منى وتدلّت من رأسها أسلاك طويلة تتصل بجهاز التخطيط الّذي كان يدور ببطئ بخطوط معرجنة كثيرة تسجّلها على ذلك الورق أقلام حبر معدنيّة مع ذبذبات سريعة تحدث عدّة مرّاتٍ في الثانية. وعندما رأى طارق تلك الذبذبات الطبيعيّة الّتي رآها لأوّل مرة في المستشفى الغربي في مدينة إدنبره صار واثقاً أن التشنّجات العضليّة ما هي إلاّ تشنّجات مفتعلة وليست حقيقيّة وعرف عندئذ أن منى ليست مصابة بالصّرّع ولكن بحالةٍ نفسيّة. وهناك في غرفة التخطيط كانت الممرضة الهنديّة تحاول جاهدةً أن توقف التقلّصات العضليّة خاصّة في ساقيها بالضغط عليهما وكانت منى مغمضة العينين وكان خدّها الأيمن يتقلّص بشبه إنتظام وهي مغمضة العينين. وعندما حاول طارقٌ أن يفتح عينها وجد أن بؤرة العين قد اتّجهت الى أعلى وهو ما يحدث عندما يتعمّد الشخصُ أن يغمضَ العين. قرر طارق أن يتأكّد من التشخيص وقال للمرّضة متعمّدا أنّه مضطرّ أن يلقي نظرةً تحت ملابسها ليعرف إن كانت قد تبوّلت في ملابسها وحالما فعل ذلك بدأت منى في مقاومة الدكتور مما أكّد له انّها واعية! ولكي لا يحرجها راح يقول للممرضة إنّ منى سوف تصحو قريباً بإذن الله. وبعد ثوانٍ قليلة فتحت منى عينيها وقالت بصوتٍ يدُلُّ على النعاس "ماذا يحدث؟ أين أنا؟" ثمّ تأكّد طارق من أنّ التخطيط لم يبيّن أيّا من الموجات البطيئة الّتي تتكوّن بعد نوبات الصّرع الحقيقيّة. عندها حمد طارق ربّه لأنّه وجد الفرصة ليتعلّم شيئاً عن موجات المخ أثناء دراسة الطّب في جامعة إدنبره. سمح طارق لفاروق أن يدخل الغرفة عندئذٍ وطمأنه على صحّة إبنته وانّ النوبات المتكررة لن تعود بإذن الله. وخمّن فاروقٌ أنّ السّبب يتعلّق بقلّة النوم وقرر أن يطلب من زوجته أن تنصح منى بزيادة ساعات النّوم. "فاروق: أريد أن أتحدّث على انفراد مع منى حول هذه النّوبات." "على انفراد؟ لماذا؟ ولكن أنا أبوها!" "إسمع يا فاروق. أنت طلبت مني أن اعالج ابنتك والأن اريدك أن تثق بي وأن تتركنا نتحدّث بمفردنا بدونك وإذا لن تسمح فأنا عائد فوراً إلى كندا." "لا لا يا دكتور نحنُ نثقُ فيك تماماً وانا مدين لك." "جميل. سآخذ منى الى الغرفة المجاورة لحديث منفرد وأنتَ ستعود إلى المنزل وأرجو أن ترسل لنا السّائق بعد نصف ساعة." في غرفة مجاورة نصف مُظلمة قعد طارق على كرسيّ أعرج أمام منى الَتي بدت قلقة جدّا وجلست تفرك يداً بأخرى مصَوّبةً نظرها نحو بلاط أرض الغرفة. "منى، الّذي أعرفه تماماً هو أنّكِ مررتِ بتجارب قاسية جدّاً وأريد أن أحاول أن أساعدك على تخطّي هذه المرحلة من حياتكِ قبل أن أعود إلى كندا. ولذلك أريدكِ أن تكوني صادقة وإن تفتحي لي قلبكِ. اتّفقنا؟" لم تقل شيئاً ولكن هزّت رأسها موافقةً. "أولاً عندي أخبار سارّه. صحّتك ممتازه ولستِ مصابة بمرض الصّرَع. وهذه النّوبات لن تتكرّرَ بعد اليوم." "كيف عرفت؟" "لأنني طبيب وهذا عملي." "ولكن الأطباء اليمنيين الآخرين لم يصلوا إلى نفس النتيجة!" "الأطبّاء كثيراً ما يختلفون في الرّأي. وفي نفس الوقت أنا شاهدتُ بعيني نوبة تشنّج في غرفة الطّوارئ مع تخطيط الدماغ واستطعت أن أقتنع بأنّ نوباتك ليست من اضطرابات المخ وإنّما من إضطرابٍ نفسي." "هذا يبرهن على مهارتك الطّبّيّة ولكن كيف عرفت؟" "لعدّة أسباب: أولاً وجدت صعوبة كبرى في فتح عينيك وعندما تمكنت من ذلك أخيرا كانت العين متّجهةً الى أعلى وهذا يحدث عندما يتعَمّدُ الشخص غمض العين. ثانياً كان وجهك يتقلّص في جهة واحدة فقط دون الجهة الأخرى ولكن تخطيط الدماغ لم يبيّن أي نوبات صرعيّة في الجهة المقابلة. ثالثاً بعد إنتهاء التشنّج لم أجد الموجات البطيئة في تخطيط الدماغ والّتي تتبع التّشَنّج دائماً." "تقصد أنني أفتعل هذه النّوبات؟" قالتها بانفعال. "لا، أنا لا أقصد ذلك وأنت فعلاً تشنّجتِ ولكن مصدر هذه الحركات ليس التهاب المخ أو سرطان المخ أو مرض الصرع الوراثي وإنّما حالة القلق النّفسي. وكما أنّ المرض الجسماني كالحمّى مثلاً يمكن أن يسبّبَ حالة نفسيّةً كالقلق والكآبه وعدم النّوم يمكن أيضا للمرض النفسي أن يسبب أضطراباتٍ جسميّة في العضلات أو القلب أو الأمعاء." "يا دكتور طارق، أنت تتحدث مع المريض بمنتهى اللطف والأحترام لشخصه. هنا في هذه البلاد كلّ ما يفعله الطّبيب هو أن يعطي أوامر ويكتب روشتات. أنت على حق فأنا في حالة يأس وفي قلق كبير- وليس لديّ من يسمتع لهمومي ولا حتى أمّي!" "لماذا؟ هل توفّيَت أمّكِ؟" "لا طلّقها أبي بعد خصام طويل ثمّ تزوّج زوجته الجديدة الصغيرة. ومنعني من أي إتّصال بأمّي ولا حتى في الأعياد والمناسبات. أشعر بأنني يتيمة. إنّه مليء بالحقد." "ولكن يبدو لي أنّه مهتمّ بصحّتك؟" "بصحّتي نعم ولكنه حاقد على أمّي." "وأنتِ تزوّجتِ مؤخَّراً حسبما سمعت منه؟ لا شكّ أنّها حضَرَت زواجك؟" "لا!" "مش معقول! كيف يجوز ذلك؟" تردّدت منى قبل أن تقول: "هذه قصّة طويلة ..." ولكنّ دموعها خانتها فأجهشت في البكاء. وأحرج طارق الّذي كان يريد أن يضمها إليه كما كان قد يفعل أبوها فاروق ولكنّه أحجم عن ذلك خوفاً من أي تهمةٍ أو فضيحة. وبعدما جفّفت دموعها، استأنفت منى قصّتها قائلةً "كنت مخطوبة لشاب إحببته كان يدرس معي في نفس الكلّيّة في جامعة صنعاء وكان والدي قد وافق على الخطوبة على مضضٍ لأنّه من أسرة متواضعة بالنسبة لأسرتنا. وفي ليلة العقد تجمّع في منزلنا خطيبي أبوبكر و والده طبعاً ثمّ حضَرَ الإمام وقام بمراسيم النكاح الى أن وصلوا إلى التوقيع وهناك طلب والدي من الإمام أن يضيف بنداً يشترط على زوجي أن يتعهّد بأن يمنع أمّي من زيارتي في منزله حيث سأنتقل أنا بعد عقد القران. ووافق خطيبي على مضض لأنه كان حريصاً على إكمال العقد، ولكنّ والده تصدّى لوالدي ورفض أن يسمحَ لخطيبي أن يوقّعَ لأنه حالما يتمّ الزّواج أصْبحُ أنا تحت تصرّف زوجي الكامل! عندئذٍ طار صواب والدي لأن اسرةً أقلّ منزلة من أسرتنا أصبحت تتحداه وأصرّ على هذا الشرط المُجْحِف ولم يستطع الإمام أن يجعله يعدِل عن شرطه. والغيَ الزواج عندما سحب والد خطيبي إبنه من الأحتفال المأساوي وغادر الإثنان بيتنا دون رجعة!" "ولكنّ الزواج تمّ فيما بعد كما يظهرُ لي؟" "بعد هذه الكارثة حاولت الأسرتان التكتّم عليها بسبب ولع اليمنيين بالفضائح. أما أنا قأصبت بانهيار عصبيّ كامل خاصّة لأنّ سبب إلغاء الزّواج لم يكنْ سوى حقد أبي على أمّي المسكينة والّتي كان يريد أن يعاقبها في من تحب الى ان تدخل القبر. وساءت العلاقة بيننا كثيراً وكنت أنا أتحدّاه في كل فرصة تسنح لي إضافة إلى رفضي لبس الحجاب وأكثرت من التّدخين والحديث مع الأولاد في صفّي. وفي مرّة من المرّات أخذت سيّارة أبي دون إذنٍ وسقتها لوحدي الى منطقة وادي ظهر الجميلة حيث يذهب السوّاح واليمنيون بانتظام. أوقفت السيارة هناك ورحت أدخّن سيجارة بعد أخرى أثناء غروب الشّمس وأنا أكاد أبكي من القهر والكمَدْ." "مسكينة أنتِ يا منى فقد مررت بأيّام قاسية." "وأثناء ما كنت هكذا في السيّارة جاء جنديّ الى النافذة اليسرى وآخرُ الى اليمنى وطلبا رخصة السّياقة ومع الأسف كنت أسوق بدون رخصة كما هو شائعُ جدّا في اليمن! ثمّ مررت بسين وجيم طويل ومفصّل عن كلّ شيء وعن الرجل الّذي كنت سأقابله في وادي ظهر فأقسمت لهما أنني كنت لوحدي ولم يكن هناك أيُّ ميعاد. لم يصدّقاني واتّهماني بالشّرمطة لأن البنات اليمنيّات المحترمات لا يخرجن من البيت لوحدهنّ وبدون رجُلٍ. عندها شتمتهما لقلة الأدب معي. عند ذلك فتح الجندي الأقرب باب السيّارة وسحبني بعنف الى خارجها وهو يضحك مع زميله، ثم خطف مفتاح السّيارة وأمرني بالذّهاب الى سيّارة عسكريّة كبيرة خلف سيّارتي حيث كان ينتظرني ضابط كبير. عندما سمعت ذلك شعرتُ بهلع كبير وتلاشت القوّة من عضلات رُكَبي وبدأت أصرخ ولكن صوتي كان خافتاً من الرّعب. عند ذلك وضع الجندي يده الضخمة على فمي وكبت أنفاسي محذّراً أن سيّارتي ستدفع وأنا بداخلها من قمّة التّلّ إلى الوادي وسيشاع في الأعلام أنني كنت قد سكرت من شرب الخمر. عندما دخلت السيّارة العسكريّة كان الضابط يشرب شيئاً من فم الزجاجة ويبتسم بسخريَة واضحةِ ويركّز نظره على صدري بالرغم من نظّاراته الشمسيّة السوداء. سألني عن أسمي وعن أبي وعندما سمع الإسم قال لي إنًه يعرف الكثير عنه وفعلاً ذكر تفاصيلاّ تدلّ على أنه لم يكذب بما في ذلك إسم خالتي زوجة أبي الثانية وأين يعمل وأين وُلِدَ في الجنوب. عندما سألته كيف يعرف كل هذه التّفاصيل قال بكلّ إعتداد انهم في المخابرات يعرفون كلّ شيء عن كلّ شخص خاصّة الجنوبيين. وفجأة شغّل السّيّارة بعد أن صعد اليها أحد الجنديين بينما ساق الآخر سيّارتي الى المنزل حيث ..." "لا داعي للتفاصيل يا منى. أستطيع أن أتصوّر ما حدث بعد ذلك." "نعم لقد اغتصبني ذلك النّذل ولكنّه أرغمني أوّلاً أن اشاركه في الشّرب من نفس الزّجاجة ولذلك كنت في درجة من السّكار عندما وضع فوهة مسدّسه على راسي ووعدني بالقتل إن تحدّثت عمّا حدث. أمرني بإن أقول أنني تأخّرت في العودة إلى المنزل لأنني نمت في السّيّارة ..." "كفى كفى يا منى لا داعي للبقيّة ..." "بلى! أريد العالم كلّه أن يعرف ما حدث وما يحصل لكثيرات من البنات في هذه البلاد الحقيرة. كنت أريد أن أقصها على إمرأة، على أمّي ولكن لم استطع. ابي سيقتلني إذا سمع القصّة. في هذه البلاد لا يعاقبون الجاني ولكن يعاقبون الضحيّة!" "ولكنْ بالرغم من كلّ ما حدثَ لكِ قال لي والدك أنّك تزوّجت مؤخّراً," "نعم، هو يقصّ الأجزاء الّتي تناسبه من القصّة ويطمس الأجزاء المحرجة. هو السبب الرئيسي فيما حصل." "كبف؟" "هو الّذي لم يقبل خطيبي لأنّه من أسرة فقيرة بالنسبة لنا. وهو الّذي عرقل اتفاق العقد لكي يعاقب أمّي ويحرمها من زيارة ابنتها. ولكن بعد إشاعة الإغتصاب وخطر الفضيحة قبل خطيبي بسرعة البرق وطبعاً أخفى تلك الإشاعات عنه." "وكيف عرفَ عن الإغتصاب؟" "أخبرته بأجزاء منها. كان كلّ همّه أن يعرف ما إذا كنت قد فقدت بكارتي فقلت له لا فهدأ قليلآ." "وكيف يجوز ذلك؟ أنت قلتِ لي أنّ ..." "الضابط الحقير بطحني على بطني ثم أغتصبني .. من وراء..يعني.." "فهمت فهمت." "أيوه هذا ما حصل ولذلك احتفظت ببكارتي ليلة العرس, ولكن اشعر بألم حادّ كلّ يوم عندما أدخل الحمّام لأفرغ ما في أمعائي." "سأطلبُ من أحدى الممرّضات أن تصطحبكِ بينما أفحص منطقة الدبر لأن الأعراض التي وصفتها تشير ألى انشقاق في الدبر." "لا لا أبداً لا أريد ممرّضه أو غيرها أن يسمع هذه القصّه. أرجوك، قُم بالفحص لوحدك. أنا واثقة فيك تماما."ً في الفحص الّذي تمّ وجد الدكتور انشقاقاً في الجلدة المحيطة بدبر منى بالإضافة إلى التهاب وبعض التقيّح فنصح منى بتنظيف المنطقة بعناية فائقة ثم بتجفيفها وطلاء مرهم مضاد الحيويّات اريثرومايسين على الجرح الّذي تحّسّن بعد أيّامٍ قليلة. أبوبكر كان سائق سيّارة فاروق منتظراً خارج باب المستشفى عندما انتهى الدكتور من الإستشارة الطّبّيّة مع منى فساقهما الى منزل منى حيث أنتقلت منذ زواجها من أبي بكر الّذي كان في إنتظار رأي الطّبيب الّذي إستقبله أبوبكر بحرارة مقدّماً له كأساّ من عصير الليمون بالثلج مع قليل من السّكّر الّذي كان طارق بحاجة ماسّةٍ اليه. أمّا منى فقد تجنّبت الحديث مع زوجها بالدخول الى غرفة النّوم ومن ثَمّ الى المطبخ حيث أنشغلت بتحضير الغداء. حاول طارق أن يبوح بأقلّ كمّيّة من التفاصيل مطمئنا الزوج أنّ النوبات ليست نابعة من مرض أو التهاب في المخ ولكن بسبب ضغوط نفسيّة. ولكنّ الخرّيج الجامعي أبوبكر لم يقتنع بذلك الشرح وسأل الدكتور كيف يحدث ذلك. "هذا أمر معروف في الطّبّ حين تسبب الحالة النفسية علامات عضويّة ملموسة." فرد عليه أبو بكر"كلّ اليمنيين مصابون بحالات نفسيّة، فكيف لا يتشنّجون؟" "ولكنّ زوجتك تعرضت لأكثر من الآخرين بكثير." "ماذا تقصد يا دكتور؟" "من رايي أن تسألها فيما بعد." "قد لا تخبرني. أنت تعرف كيف تتصرّف النّساء!" "انا آسفٌ جدّا يا أبوبكر ولكن لا يحق لي أن أقول شيئاً." "ماذا تقصد؟ أنا زوجها ومسؤؤل عنها ويجب أن أعرف كل شيء. هل نسيت ان ’الرجال قوّامون على النساء’ كما يقول الدين الحنيف؟" "أبوبكر في كندا لا يحق للطبيب أن يناقش أمور الزوجة الطبّيّة حتّى مع زوجها.." فصرخ أبوبكر مقاطعاً "نحن في اليمن مش في كندا!" "أنا عارف يا أبوبكر وأعرف التقاليد هنا. عندما كنت هنا كان الزوج يجيب على كلّ اسئلتي عن الصّداع والأوجاع أين ومتى وكم مرات في الأسبوع وكأن الصّداع في رأسه هوَ وليس في رأسها وكأنّ المرأة في منتهى الغباء بحيث لا تستطيع أن تشرح لي تفاصيل مرضها." "يظهر لي أنّك نسيت أو تتناسى عمداً أصولك اليمنيّة." "لا أبداً. ولكنّ الموضوع حَرِجٌ جِدّاً. إذا وافقتْ مُنى فسوف أشرح لك كلّ شيء." "منى! منى! تعالي! تعالي هنا حالاً." حضرت منى الى غرفة الجلوس بخطى متردّدة ووقفت امام الرّجُلين. "يا بنتَ المَدّي ماذا تخفين عنّي؟ من زوجك ؟ أنت حبلى؟ هل أنا تزوّجت أمرأة مريضه أو بها عاهة مزمنه؟" "لا إن شاء الله. كل شيء تمام." "قولي للدكتور يخبرني بما فيك من مشكله." عند ذلك بدأت الدموع تنحدر على خدّيها وهزّت راسها بالموافقة. أمّا طارق فقد ندمَ على اللحظة الّتي قبل فيها أن يعود الى اليمن ولكنّه بدأ يشرحُ الوضع. "أبوبكر عليك أن تراعي الظروف بالنّسبة لما حدث. وأن تتقبّل أنّ منى تعرّضت لضرر كبير." "ضرر كبير؟ هل وقعْتِ من أعلى السّلّم؟ " ولكن منى لم تردّ. وتدخّل طارق قائلاً "لا ضرر من نوع ٍ مختلف... إعتدى عليها رجُل ولم تستطع أن تقاومه. هذا ليس ذنبها." وجنّ جنون أبي بكر وراح يصرخ "يا ربّي! غشّوني الإثنين الزوجه وأبوها. أنت إمراة غير طاهرة، مغتصبه، مستعمله! كيف تتجرّأين على السكن في هذا البيت الطاهر؟" قال ذلك واسرع الخطى نحو التلفون, وبيد مرتعشة بدأ يختار أرقام منزل فاروق ولكنّه أخطَأ وعندما تأكّد من ذلك خبط التلفون وبدا يعيد الكرّة وعندئذٍ سمع صوت عمّه فارق فخاطبه دون مجاملات "يا فاروق المدّي: هل لديك ذرّة من حياء؟ زوّجتني بنتك وانت تعلم أنّها مغتصبة، ما عندك أي شرف! ولا كرامه! يا كذّاب يا غشّاش. الأن تعال خد ابنتك المطلّقه من بيتي!" وأغلق الجهاز دون انتظار الرّد. كان ذلك كلّه بمسمعٍ من منى التي لم تستطع أن تحبس دموعها الغزيرة عندما انهارت فوق السوفا الكبيره. ولاحظ طارق أن أنفعال ابي بكر وصراخه على التلفون هدّأ من ثورته العارمة وأدرك أنّ الفرصة سنحتْ للتدخُّل فبدأ بالحديث. "يا ابوبكر أستطيع إن أتصوّر كيف تشعر الآن وكيف تشعر أنك قد خدعت في هذا الزواج. إنّما اريد أن تسمح لي بكلمة قصيرة وبعدها سأترك البلاد ولن تراني لبقيّة العمر. خذ كلامي بعين الإعتبار على الأقل لأنني في عمر والدك." "أعرف ما ستقول. ستقول لي إنّها لم تستطع أن تدافع عن نفسها أمام رَجُلٍ قوي. وأنا سأقول كان بوسعها أن تصرخ بأعلى صوتها وأن تحمي نفسها بأظافرها وبأسنانها وحتّى لو قُتِلَتْ كانت ستموت وهي شريفة." "قلْ لي يا أبوبكر، لمذا نحن العرب نعتبر ان الشّرفَ هو ما يكمنُ بين فخذي المرأة ليس إلاّ؟ قلْ لي كيف أصبحت هذه المسكينة فجأةً بلا شرف ولكنها كانت في قمّة الشرف قبل أن يستبيحها ذلك الجبان؟" "القرآن يصِرُّ على الشرف." "ولكني أتذكّر الآية التي تحث المؤمنين والمؤمنات أن يحفظوا فروجهم مخاطبةً الأناث والذكور معاً. أليس كذلك؟" "أنا أعرف القرآن وألتزم بتعليمات الدّين." "إذن لماذا لا نصرّ على نفس السّلوك في حالة الرّجال؟" "يظهر لي أنّ الغربَ قد خرّبَ أفكارك ومعاييرك. هذه مبادئنا وتقاليدنا وسوف نحتفظ بها ونصرّ عليها الى يوم القيامة. قلْ لي يا دكتور: عندما تزوّجتَ أنتَ ألم تشترط أن تكون زوجتك عذراء؟" "لا، الحقيقة هي أنني لم أشترطْ ذلك." "مش معقول! هل كانت يمنيّةً؟" "لا، كانت من سكتلندا حيث كنت ادرس." "والله لو انت تقبل هذا الوضع بالرغم من مركزك في المجتمع وبالرّغم من أمولك، فهذا خيارك انت كما أنّ لي خياري أيضاً. هنا ستُعْتبر إمراة كهذه أمراة غير شريفه بل ستُعتبر شرموطه." "وما علاقة المركز الإجتماعي والمال بكون الزوجة عذراء أو غير عذراء؟ هذه الأمور تعتمد أكثر ما تعتمد على موقف ونظرة المجتمع الى حريّة الإختيار. ففي المجتمع الأوربي اليوم إذا أستعملنا المعيار اليمني ستكون الغالبيّة السّاحقة من النساء شراميط! هل تعتقد انّهُنّ شراميط؟ في وقت من الأوقات وقبل قرن وأكثر في أوربا نفسها كانت هناك نظرات مشابهة للوضع في اليمن بالنسبة للعذرة والحمل قبل الزّواج والسحاق واللواط." "اللواط؟ أرجو أن لا تكون من مشجّعيه؟" "لست من مشجّعيه أبداً ولكني لا أحتقر أو أشتم ممارسيه طالما أنّهم لا يضرّون أحداً مثل الأطفال الأبرياء." "يظهر أنّ هناك فروقاً كبرى بين الشرق والغرب. دعنا نتبع قوله تعالى لكم دينكم وليَ دين. وهنا في اليمن صدّقني أنّ المرأة الّتي تجازف بشرفها يمكن أن تتعرض للقتل." "هذا هو ما يخيفني. ولكن نحن في الحقيقة لا نتحدث هنا عن الشّرف وإنَما عن العذرة أي البكارة. دعنا نستبدل كلمة الشرف بكلمة البكارة. ونقطة أخيرة لو سمحت لي. اريدك أن تتصوّر أن هذا ألضابط الجبان عمل فيك أنت الرجُل نفس الشيء وإنت تعلم تماماً أن هذا يحصل أحيانا. هل كنت ستقاتل المغتصب المسلّح حتى الموت لكي تحمي شرفك؟ أمْ أنّك ستفضّل أن تعيش على الأقل لكي تحاول أن تحاكمه وتضعه في غياهب السّجون؟" هنا لأول مرة بدا أبوبكر في حالة تفكير عميق وقد زال أعتداده برأيه. "دكتور، أعدك أنني سافتش عن هذا الضابط المغتصب الجبان وسأقتله بنفسي." "لا تتهوّر يا صديقي فلن يكون ذلك من السّهل لأنّه محاط ٌ بمن يحميه بينما أنت لوحدك لا يحميك أحدٌ. " رنّ جرسُ الباب فدخل فاروقٌ الى الغرفة وهو ينظر نحو أبوبكر بخوف واضح. "عم فاروق: غداً سنذهب معاً الى وزارة ألأمن القومي لنبلغ عن هذا الجبان لدى رئيسه في الجيش. ما اسمه يا منى؟" "سمعت واحداً من الجنديين يخاطبه باسم القبطان فارس." "فارس من؟" "لا أدري. ربّنا سينتقم لي منه. هددني بالمسدّس أن سيقتلني إذا نشرت الخبر." "هذا نذلٌ حقير. سنبلغ الوزير نفسه. هل يظنّ أنّه ملك البلاد؟ والله إذا لزم الأمر ساذهب رأسا إلى الرئيس يحيى اليماني نفسه." أخيراً تجرّأ فاروق أن يدلي بدلوه فقال "وزير الصحّة صديقي الحميم. سأتّصل به لكي يرتّب لقاءً مع كبار الضبّاط. كلّهم يعرفون بعضهم بعضا." في اليوم التالي تحدّث فاروق مع وزير الصحة وطلب منه أن يدبّرَ إجتماعاً مع وزير الأمن القومي. وبالرغم من أن وزير الصحة لم يقل أكثر من عبارة أن شاء الله إلاّ أنه لم يخذل موظفه المطيع في هذه المرّة. .