اافصل الثامن
لُبْنى
في مساء الجمعة ذهب طارقٌ إلى الحانة مرّة أُخرى لكي يرى صديقه فلم يجدْهُ. ولكنّه رأى هناك فتاة جميلة سمراء مع شابّ أبيض في العشرينات من العمر رغم اللّحية الّتي أطلقها. فعندما مرّ بها صاحت تقول "أهلاً دكتور، كيف حالُكَ؟"
إستغرب طارقٌ تلك التّحيّة إذ أنّه لم يميّز الفتاة في البداية ولكنّه ردّ التّحيّة.
"يظهر أنّك نسيتني يا دكتور. أنا لبنى زمان وقابلتكَ مرة في جامعة كارلتون يوم القيتَ بعض الشعر هناك وجئت إليك وتحدّثنا قليلآً. وهذا صديقي برايان."
"يسعدني أن أتعرّف عليك يا برايان. معذرةً يا لبنى لأنني نسيتكِ ولكن هذا لا يستغرب في هذا السّنّ. ولكن ذكّريني بموضوع القصيدة فقد قرأت الكثير منها."
"كانت عن حقوق الإنسان وضد الدكتاتوريّة."
"ضد الدّكتاتوريّة في العالم العربي؟"
"نعم. ولكن هل يعير الحكّام قصائدك أيّ إهتمام؟"
"لا أعتقد، لأنهم يحيطون أنفسهم بحلقة ضيّقة من الأذناب والمنتفعين المتملّقين فلا يسمعون سوى الإطراء والتّبجيل بما فيهم وزراءهم وسفراءهم."
"شيء مقزّز! متى سنستطيع أن نخلص منهم."
"هذه الأمور تتطلّب سنيناً طويلة وتضحياتٍ كثيرة."
"كيف ستحدث هذه التغييرات في رأيك؟ أنا دائماً أتساءل."
"إسمحي لي أن أشتري شراباً في الأول لي ولكما أيضاً."
"شكراً ولكن ما زالت معنا كميّة كافية من البيرة" أجاب برايان.
توجّهَ طارق إلى البار حيث تقف سمانثا كل يوم ولكنّها لم تكن موجودة بل كان فِدِريكو يقوم بعملها ذلك المساء وأخبر طارقاً أنّها كانت مدعوّة الى مكان ما ذلك المساء. فعاد طارق الى طاولة لبنى حاملاً كأساً من النبيذ الأحمر ليستأنف النّقاش.
بدأ طارق"قبل أن اجيب على سؤالك يا لبنى أريدك أنتِِ بصفتك طالبة جامعية في العلوم السّياسيّة أن تقترحي حلاً للمشكلة."
"لا أدري ولكني آمل أن الضغوط الّتي توجهها الدّول الغربيّة سترغم هذه الحكومات على التغيير المنشود."
"هذه الفكرة تبدو سليمة في الأول ولكن دعيني أبيّن لكِ لماذا لن يحدث ما تقولين. السؤال الّذي يطرح نفسه هو ’ما الّذي يرغم الحكومات على أي عمل؟’"
"مصالحها طبعاً ومصالح الشعب كما نرجو."
"صح! هي لا تفعل شيئا لمصلحة دولة أخرى أي دولة ثالثة. الدّولة المتطوّرة المانحة لدولة فقيرة أو متخلّفة تعمل ما في صالحها. إتّفقنا؟"
"أنا معك."
"إذا كانت الدولة المانحة ديمقراطيّة حقّا ستكون المعونات لصالح جميع السكّان، ولكن كثيراً ما تكون لصالح الصناعت العسكريّة أو شركات الزراعة الضخمة. وعندئذٍ تكون هذه المعونات لشراء آسلحة من الدول الصّناعيّة وهذه لا تريد حلول السلام في المنطقة بل تريد الحروب المتواصلة الّتي تدر الأرباح المتراكمة من بيع الأسلحة."
"وهنا في كندا؟"
"في كندا، من اين تأتي مصروفات الحكومة؟"
"من الضّرائب."
" وما يفعل الشعب عندما تسيء الحكومة استعمال أموال الشعب؟"
"يستطيع الشعب أن يطيح بالحكومة أثناء الإنتخابات التّالية."
"ولكن إذا كانت لدى الدّولة أموال البترول وليست بحاجة الى أموال الضرائب فهي تستطيع أن تفعل ما تريد ويمكن للحاكم أن يتواطأ مع دولة كبرى فهي تحميه وهو يتقاسم ثروات البلاد معها."
"يا دكتور فهمك لهذه الأمور مذهل."
"لبنى، هل تعرفين اسم دولة قامت فيها حكومة ديمقراطيّة قوّضتها دولة غربيّة تتمشدق بالديمقراطيّة وحقوق الإنسان؟"
"مع الأسف لا أعرف!"
"منذ عشرات السّنين قامت في إيران دولة ديمقراطيّة محبوبة وأطاحت بسلطة شاه أيران وأمّمت النفط لصالح الشعب فما كان من بريطانيا إلاّ أن أطاحت بمصدّق! يمكنك أن تقرأي التفاصيل في مكتبة الجامعة."
"لا بدّ لي أن أدرس هذه الأمور بعمق."
"أرجو أن تتذكّري دائماً ما قاله غاندي."
"ماذا قال؟"
"قال إنه كلّما يصيبه اليأس يذكّر نفسه أنّ كلّ هذه الأمبراطوريّات كانت في وقت من الأوقات تعتبر أنّها باقية ومسيطرة إلى الأبد، ولكنّها في النهاية تنتهي وتزول – دائماً أبداً. ولذلك فالأمبراطورية الأمريكيّة بدأت تتدهور وهي في طريقها إلى الزّوال. الناس يحتملون الكثير ولكن عندما يرَون أطفالهم بدون رعاية صحّيّة وبدون مدرسة وبدون أكل وماء سينزلون إلى الشوارع في ثورة عارمة تغيّر مجرى التّاريخ. نعم الكثيرون سيقتلون في الشّواع ولكن البقيّة سوف تنتصر وسيفرّ هؤلاء الحكّام في طائرات محمّلة بالذهب لأنّ الأمبراطورية الأمريكيّة لن تستطيع أن تحميهم من غضب شعوبهم."
"كم أتمنّى أن أرى ذلك اليوم!"
"ولكن ماذا تعملين هنا؟ أنا كثير التردد على هذه الحانة ولكن هذه أوّل مرّة أراك فيها."
"صديقي براين يسكن في هذه المنطقة."
"وماذا عن أسرتك؟ هل من جديد؟"
"الأخبارسيّئة مع الأسف. لقد اصطدمت معهم وتركت المنزل لأسكن مع براين."
"يا لحسن حظّ براين!"
"تقصد أنك لا تستنكر ما فعلتُ حين تركت أسرتي؟"
"وكيف أستنكر؟ أنت فتاة متعلّمة وذكيّة والقرار قراركِ أنتِ."
"لكن والدي ووالدتي لا يتّفقان معكْ. وخاصّةً والدي الّذي يعتبر أنني جلبت العار على الأسرة وحتى على كل الجاليّة المسلمة هنا. نحن من بانجلاديش. ومرة من المرّات خفت أن يتطوّر الغيظ الى عنف. وقد إستعان بعمّتي لكي تقنعني بالتخلّي عن براين. وسلّط أخي عليّ ولكن أخي يخرج مع صاحباته ولذلك لا يستطيع أن ينصحني بالتخلي عن براين. ومع الأسف أمّي توافقه على كل شيء لأنها تحت سيطرته الكاملة."
"أصبري عليه يا لبنى لأنّه قد يغيّر من رأيه مع مرور الزمن. لا تنسي أنّه أعتاد على عُرف ونظام مختلف في بلاده ثمّ يهاجر إلى كندا ويكتشف فجأة أنه فقد السلطة في هذه الأسرة خاصّة أمام النّساء فيها ومن الصعب أن يتقبّل ذلك."
"ولكننا لسنا في بنجلاديش الآن. هل تعلم أنني جئت الى هنا في عمر سنتين فقط في الوقت الّذي بدأت فيه الكلام. أنت مسلم يا دكتور فكيف لا تستنكز؟
"بصراحة ليس لدي بنات, ربّما لن أكون متفتّحاً لو كنت اباً لبنات."
"النكتة هي أنه يشرب, كما ٍانه يتباها بأن القرآن يحثنا على احترام الآخرين وعندما يخرج أخي مع صديقته البيضاء لا يستطيع أن يحتج وعندما ياتي الوقت المناسب يستطيع أخي أن يتزوّج من يريد."
"نعم لقد عدنا الى ازدواجية معاييربعض المسلمين وربّما بقيّة الأديان الّتي لا أعرفها. ما رأيكَ أنتَ يا برايَن؟"
"كُلَّ ما يهمّني هو سعادة لبنى" قالها وهو يمدّ ذراعه ليلمس يدها فوق الطاولة.
فاستمر طارقٌ مخاطباً لبنى"أبوكِ وأمّكِ لا يريدان أن تنتمي إبنتهما الوحيدة إلى فئة وثقافة أخرى وهذا امرٌ طبيعي. أنا أتمنّى لك الخير في كلّ الأحوال."
"أيّ ثقافة أخرى؟ نحن هنا أصبحنا كنديين وسوف نحيا ونموت هنا. ومن قال إن الثقافة والعادات في بنجلاديش أفضل من هنا؟ هناك حيث المرأة تعتبر درجة ثانيه وحيث تضرب وتغتصب ، هناك في بلاد الفقر والجوع!"
"ولكن في نفس الوقت علينا أن نعترف بمزايا العالم الإسلامي كالصداقة والكرم والتقاليد واحترام الكبار. حتى الأوربيين أنفسهم معجبون بهذه الصّفات الشرقيّة. ويغبطون الشرق وجود الأسَر المتماسكة وعنايتها بالمسنّين بينهم واللذين يموتون بين أهلهم. علينا أن نعترف لهم بهذه الصفات الجميلة. ولماذا لا نقتبس بعضها ولماذا لا نقبل بالحلّ الوسط؟ ألا تتفقين معي على ذلك؟"
"صحيح أن المجتمع في بنجلاديش له ميزات جيّدة ولكن ليس للمرأة"
"أتّفق معكِ يا لبنى أن ما يفرّق بين المجتمعين في أكثر ألأحوال يخص معاملة المرأة وخياراتها الجنسيّة وهذا لا بدّ أن يتغيّر. ولكن أي تغيير لن يحدث ألاّ بمشاركة الشّابّات مثلك للمحافظة على الحقوق و الحرّيّات ولن يفعلَ الآخرون ذلك. حتى أُمّكِ لن تدافع عن حقوقكِ لأنها مرّت بعمليّة غسل دماغ أقنعها أن المرأة أقل مرتبة من الرّجل في كلّ شيء. علينا نحن المسلمين أن نصرخ من أعالي المنائر ان الجرائم الّتي ترتكب باسم شرف المرأة وعرضها غير مقبولة وضد مبادئنا وأن نتبرّأ منها. طبعاً الغرب لا يرى عيوبه هو أيضاً ولكنه مشغول باستنكار عيوبنا."
"هل تعلم يا دكتور كم يسعدني حديثك؟ كم أتمنّى لو كنتَ أنتَ أبي! حتّى عيونكَ تشبهُ عيونه كثيراً. سوف أعتبركَ عمّي بعد الآن!"
"بالرغم مما قلناه الآن أرجو أن تأخذي بخاطر والدِكْ لأنه يقول ما يقول ويفعل ما يفعل حماية لكِ من الرّجال أللذين يريدون أغراء المرأة واستغلال عاطفتها وقلبها السليم لأطماعهم ولذّتهم الجنسيّة. وما رايك أنت يا براين؟"
"نعم أنا أتمنّى أن أحظى برضاه ولكنه رفض حتى أن يقابلني. وزيادة على ذلك أنا مستعدٌّ أن أعتنق الإسلام إذا طلبتْ لبنى منّي ذلك."
"في رأيي أن رفضه أن يقابلك ولو مرّةً واحدة يبشّر بالخير! أتدري لماذا؟ لأنّه يخشى إن قابلكَ أنّه سيُعجَبُ بِكَ ولن يجدَ بعد ذلك ألعذْرَ لكي يرفضَكَ. هذا هو العذر الّذي يستعمله البعض لكي يتجنبوا الحوار خوفا من الهزيمة فيقولون ’ليس هناك شريك للسّلام’ والكلّ يعلم أنّ هذه أعذار واهية. على كل حال أتمنّى لكما كل خير وحبّاً عميقاً ودائماً."
"ألأمر الوحيد الّذي يقلقني والّذي لن أوافق عليه هو الختان وقيل لي أنّه ضروري!"
"ومن قال لك هذا؟"
"صديقٌ تُركيٌّ مسلم." وحينها إحمرّ وجه لبنى خجلاً.
"سوف استشير صديقي الإمام لأنني لستُ متأكّداً من هذه النقطة. ولكن ربما أستطيع أن أساعدك إذا لزم الأمر لأنني تدرّبت على هذه العمليّة البسيطه. ويمكنني حتّى أن أعطيك شهادة طبّيّةً بذلك! هذه حالة إستثنائيّة يجوز فيها التّزوير في رأيي لأنني سأكون قد تسببت في سعادة حبيبين ولمْ أضُرْ أحداً."
"شكراً عمّو ربّنا يحفظك ويطيل عمرك!" قالت لبنى وهي تغادر الحانة شابكة أصابعها بأصابع براين، وحينها تلاحقت في مخيّلة طارق ذكريات غرامه الأول مع حبيبته الهولنديّة وظهرت بدايات الدموع في محجريه.
في مساء اليوم التّالي تقابلَ كولين و طارق في الحانة ووصف ألأخير ما حدث في زيارته لبولندا حاذفاً من ذلك ليلة أنسهِ مع جيتا. وعلى النّقيض كاد كولين أن يطفحَ بأخباره الغراميّة مع سمانثا أثناء سفر طارق. فقد التقى الإثنان في أوّل موعد لهما للشراب في مكان بعيد عن الحيّ وعندما سارت الأمور على ما يرام تقابلا للعشاء في مساء الجمعة ثمّ أنهيا ليلتهما الممتعه في السرير! وكان طارق وهو الطبيب المحنّك قد لاحظ تغييرا جذريّا على شخصيّة وسلوك كولين الذي عهده رجلآّ محافظاً قليل الكلام نادر المرح ففرح كثيراّ لصاحبه.
"أنا سعيد جدّاً لأخبارك المثيرة."
"تدري؟ أكتشفت في هذا العمر المتأخّر أنك لا تستطيع أن تتعرّف على الناس إلاّ إذا قضيت الوقت الكافي معهم وإذا أصغيت إلى ما يقولون وإذا تعاطفت مع همومهم. تصَوّر يا طارق أنني عرفت عن سمانثا في ليلة واحدةِ أكثر مما عرفت خلال سنين من شراء النبيذ منها في الحانه. أمّا هذا الحديث السّطحي ألّذي نستعمله في كل مكان وزمان فدَعْكَ منه."
"يظهر لي أنّك قد وقعتَ في الحُب!"
"ليس بهذه السّرعة! ولكنّي لن أستطيع أن أعاملها بنفس الطريقة القديمة بعد الآن أوأن أترك لها للبقشيش على الطّاولة."
"فهمتكَ ولكنْ أتصَوّر أنّها ستنتظر أن تبقشِشَها بطريقةٍ جديدة!"
"تحت هذه الهالةِ من وقار الطبيب، ما أنتَ إلاّ وغد ٌ ملعون! ومتى تسافر أيها الوغد؟"
"حقيبتي جاهزةٌ تقريباً وسوف آقابل بوريس في مطار فرانكفورت."
"رحلةً موفقه!"
"أبلغني فوراً إذا كنت تريدني أن أعود مبكّراً لكي أحضرِ ألعرس!"
"أمض من هنا أيّها اليمَنيّ الّلعين!"
عودة إلى اليمن
إستغرقت الرّحلة من تورونتو إلى فرانكفورت سبع ساعات تقريباً واستطاع طارق أن ينام لمدّة ثلاث ساعات منها. كانت أفكاره مكتظّة بالتساؤلات عن اليمن وكيف سيجدها بعد ذاك الغياب الطّويل. فقد كان يزورها سنويّاً مع فريق طبّيّ أمريكي مكوّنٍ من اساتذة جامعيين أو إختصاصيين معروفين دعاه أحدُهم أن ينضمّ إليهم بسبب معرفته بالبلاد و عاداتها ومناطقها و خاصّة بلغتها وكيف لا وهو من مواليدها. وقد حقّقَ الفريقُ إنجازاتٍ كثيرة في البداية إلى أن دبّ الشقاق بين أعضاء الفريق ورئيسه الّذي بدأ يكرّسُ بعض جهوده في عمليّات المتاجرة بالخناجر اليمنيّة المميّزه والثمينة بسبب مقابضها المصنوعة من قرون الحيوان الأفريقي وحيد القرن.
وأصبح رئيس الفريق متشبثاً بمنصبه الّذي كان يعطيه صلاحيّات إضافيّة خاصّة أثناء التنقّلات الكثيرة بين المدن الكبرى وعبر الحدود وعبر الجمارك. وبدأ الرئيس يتخلّص من الأعضاء الّذين يتحدّون القرارات التي يتّخذها. واستحمل طارقً تلك المضايقات ريثما يحاول أن يخدم وطنه الأوّل ويدفع جزأ من الدَّين الّذي عليه. ولكنّه في النّهاية إضطُرّ أن يجابه الرئيس الّذي فصله من الفريق كما صنع مع الآخرين. واستبدله بيمنيّ آخر يعمل فنيّاً في قسم الأشعة ويسمّي نفسه دكتور كما يفعل عدد من الفنيين في صنعاء وهو نظام استوردَ من مصر قبل عدّة عقود. ثمّ ذكّر نفسهُ أن كلّ ذلك كان في المضي السّحيق وأن رحلتهُ قصيرة جدّاً وكل ما عليه هو أن يرافق بوريس الى اليمن وأن يتأكّد من صلاحية الأجهزة الطبّيّة الثّمينة ثم يعود إلي الروتين الكندي القديم.
كان بوريس في صالة الإقلاع في مطار فرانكفورت عندما دخلها طارق فما كان منه إلاّ أن قفز من مقعده وعانق الطبيب المستغرب كصديق قديم.
"هلْ انت متطلّعٌ الى زيارتك هذه لوطنك الأوّل؟"
"نعم ولكنّي متخَوّفٌ أيضاً لأنني كثيرا ما أشاهد ما لا أحبّ أن أرى هناك."
"مثلاً؟"
"في كلّ زيارةٍ أرى البؤس في وجوه الناس بسبب ما يقاسونه من فقر ومرض وإحباط أو كما قال الشاعر اليمني ’ما لليمانيين في نظراتهم بؤسٌ وفي إقدامهم إحجامُ؟’"
"ولكن هناك بالمقابل تَحَسُّن في الطرق والمواصلات و تطوّر كبير في استعمال ألموبايل بالإضافة إلى المعدّات الطبّيّة الّتى سنركّبُها في صنعاء هذا الأسبوع."
"كل النّاس يستعملون عدد أجهزة الموبايل كدليل على التطوّر! كيف يكون هذا تطوّرا بينما لا يتوفّر الأكل والماء والكهرباء؟ أنظر إلى بانجلاديش، كل شخص فيها يحمل موبايل! ماذا يستفيد المواطن المحروم من كل شيء سوى زيادة الكلام؟ أتّفق معك أنّ هذه المعدّات الطّبّيّة ستكون مفيدةً جدّاً ولكنْ صدّقني أنّها ستتوقّف عن العمل قريباّ لعدم وجود كوادر الصّيانة. النّاس هنا لا يدركون أهمّيّة الصيانة وبعضهم يعتقد أن الطبيب الأختصاصي في الأشعه هو أيضاً خبير في تصليح الجهاز إذا خرب!"
"قلْ لي هلْ لديكَ أقارب هناك؟"
"أكثرهم قد توفّوا الى رحمة الله وآخرون هاجروا إلى دولِ الخليج ولكن تبقى إبنة عم هنا متزوّجة من شخص في وزارة الإعلام أي الإعلام الذي يسمّى في اليمن الأكاذيب!"
كانت الرحلة في قسم رجال الأعمال مريحة جدّاً واهتمّت المضيفات إهتماماً خاصّاً بالمسافرين إذ قدّمن أنواع المشروبات وأشكال الأطباق اللذيذة وتمكّن طارقٌ وزميلهُ من الخلود إلى سويعاتٍ من النّوم المتقَطّع. وكانت عمليّة الهبوط في مطار صنعاء لطيفة كما كان منظر الجبال المحيطة بها خلاّبا ً ومعيداً للذكريات بالنّسبة لطارق.
ولكن الحالة تغيّرت إلى الأسوأ في قسم الإستقبال في عمارة المطار حيث تكوّن طابور طويل جدّاً من المسافرين اليمنيين والأجانب لأن ضبّاط الهجرة والجمارك لم يكونوا في أماكنهم مما سبّبَ تذمّراً لدى المسافرين المرهقين. وأخيرا سمع المسافرون أصواتاّ من خلف حائط الصالة وإذا بأثنين من الضبّاط يسيرون في أتّجاه مكاتبهم وهما شابكان أصابعهما في أصابع بعض بعدم اكتراث بطابور المسافرين الطويل. وحتى بعد أن بدأ الإثنان في فحص الجوازات إستمرّا في الحديث مع بعضهما عبر رؤوس المسافرين.
كان بوريس امام طارق في الطابور وعندما جاء دوره ختم الضابط جواز سفره البولندي ثم خاطب طارقاً بالإنجليزيّة:
"الجنسيّة؟"
"كندي"
"ولكنّك من مواليد اليمن؟"
"نعم أصلي يمني من عدن"
"أين الجواز اليمني؟"
"أنا لا أحمل جوازاّ يمنياً"
"لماذا؟"
"هكذا شاءت الظروف"
"كيف يمكن أن تكون يمنيّا دون جواز يمني؟"
"هذه قصة طويلة فأنا من الجنوب وهاجرت منذ عقود"
"يظهر أنك تخجل من أصولك؟"
"لم أقلْ ذلك أبداً"
"بل أنت خجلان من يمنيّتك بدليل أنّك لم تخاطبني باللغة العربيّة!"
"أنت الّذي سألتني بالإنجليزيّة فكان ردّي بها. أنا ضليع باللغتين وأكتب الشعر العربي أيضاً. هل تريد نسخةً من ديواني؟"
"أين هيَ؟"
"هنا في هذه الحقيبة – تفضّل!"
إشتدّ تذَمّرُ المسافرين خلال النّقاش الطويل وتدخّل الضابط الأخر وطلب من زميله أن يمرّرَ طارقاً بسرعة مما أنهى ذلك النقاش الطويل. وتساءل طارق في نفسه عن الفرق بين المعاملة التي لقيَها وتلك الّتي مرّ بها بوريس مرور الكرام.
كان بوريس قد عثر على حقيبته بين مئات الحقائب ووقف منتظراً زميله اليمني. وما أن وجد طارقٌ حقيبته حتى تجمعت حولهما عصابة من أولاد سودٍ صغار في عمر حوالي اثنتي عشر سنة وبدأوا في سحب الحقائب من الرّجُلين بعنفٍ وإصرار لحملها نحو التاكسي الّذي يتعاملون معه حسب ترتيباتٍ مسبقة. واضطرّ ألإثنان أن يسلّما الحقائب لتلك العصابة الصغيرة التي بدأت تنظّم عملها حالَما ظهرَ ولدٌ أسودٌ طويل وكان واضحا أنه الرئيسُ المطلق لتلك الحفنة من الأولاد. وحمّل الصبيان الحقائب داخل صندوق التاكسي وهم يتظاهرون بأن وزنها أكثر بكثير من الوزن الحقيقي طمعاً في بقشيش مضاعفٍ وكادوا أن يتصارعوا على الدولارات الأمريكيّة الّتي دفعها بوريس قبل أن يختطفها رئيسهم.
كان الإتفاق بين بوريس ووزارة الصّحّة أن يستقبلَ الضيوف في المطار ممثّلٌ للوزارة إلاّ أنّ أحداً لم يكنْ هناك عند وصول الطائرة حوالي الرابعة بعد الظّهر. واكتشف الإثنان فيما بعد أنّ مندوب الوزارة فضّلَ أن يشارك مجموعته في مضغ القات أي التّخزين اليمني المشهور ولو أنّه إدّعى وحلف الأيمان أنه ساق سيّارته من المفرج – حيث يُمضغ القات – إلى المطار ولكنّه وصلَ متأخّراً بدقائقَ إن لم يكن بثوانٍ حسب تقديره.
إستغرقت رحلت التاكسي حوالي عشرين دقيقة في اتجاه فندق البحر الأحمر حيث كان الحجز. وكان السائق يمتحن وجهي الراكبَين ويتحدّث ويسأل عشرات الأسئلة دون توقف بالرغم من انتفاخ خدَه الأيمن بالقات. وكانت الشوارع والأرصفة شبه مهجورة عدا أعداد ضئيلة من الأطفال الّذين كانوا يرفسون الكرة في ساحات رمليّة صغيرة.
قال بوريس "قلْ لي يا طارق لماذا نجد هذه المدينة – عاصمة البلاد – مهجورة هكذا على طول شارع المطار؟"
"لنفس سبب عدم مجيء مندوب الوزارة!"
"ماذا تقصد؟ هل حصل إنقلاب عسكري أو كارثة مناخيّة؟"
"لا أبداً، ولكن البلاد كلّها تمضغ أوراق القات من بعد وجبة الغداء حتى المغرب داخل غرف في البيوت تسمّى المفارج أو المبارز حسب المنطقة. وحتّى النساء أصبحن ماضغات القات!"
"ومن يقوم بالعمل في هذه الفترة؟"
"لا أحد، ولكن كلّ الأعمال والمسؤوليات و التجارة تؤجّل إلى المغرب. كما قلت من قبل، لو أرادت دولة أجنبية إحتلال اليمن بدون قتيل واحد او جريح فكلّ ما عليها هو ان تُنْزل الف جندي مظلّي في وسط العاصمة الساعة الرّابعة بعد الظهر."
كان بوريس ما زال يضحك عندما وصل التاكسي فندق البحر الأحمر فاستغرب عندما رأى ثلاثة من حرس الفندق يركضون نحو التاكسي لكي يفتحوا البابين من الجهتين والصندوق أيضاً بينما قام الحارس الرابع يصرخ في ثلاثتهم أوامره بفتح الأبواب المفتوحة ونقل الحقائب الّتي كان قد إختطفها الحمّالان الأثنان من مؤخّرة التاكسي! وبعد نقاش قصير حول أجرة التاكسي دخل الإثنان إلى بهو الفندق. وكان أوّل ما جلب أنتباه بوريس أنّ الموظفين كانوا هنوداً بينما كلّ الموظّفات كُنّ من الفليبين وكانوا جميعا في منتهى اللطف والإتقان في العمل.
صعد الإثنان الى غرفتيهما في الدور الأول وتبعهما حامل الحقائب اليمني وكان شاباّ قوياً كثير الإبتسام. وبعد أن سلَم بوريس حقيبته وصل إلى غرفة طارق بحقيبته هو الآخر مردداً الترحيب بطارق قائلاً حيّاك الله.
"أهلاً بكَ مرّة أخرى يا دكتور في بلادِك. أنتَ يمني؟"
"نعم ولكنّي هاجرت إلى كندا منذ زمن طويل، قبلَ أن تولدَ أنتَ."
"ولكن اليمني دائماً يبقى يمنياَ مهما تغرّب." قالها بفخر."ما زال أهل صنعاء يذكرونك بالخير وباعتزاز بما أنجزت هنا وما تنجز هناك."
"شكرا لك يا أخي. فعلت بقدر المسْتطاع في تلك الظّروف."ُ ثمّ أعطاه البقشيش.
أخذ طارق دوش كان بحاجة شديدة إليه وارتدي ملابسَ ملائمة للطقس هناك ثم فتح حقيبته بحذر وبدأ يبحث عن زجاجة بلاستيكية من الفودكا مدسوسة بين ملابسه الدّاخليّة وتنفّس الصّعداء عندما وجدها سليمة ووجد الملابس جافّةّ. وتذكّر كيف أنه عندما سافرقبل سنين الى السودان البلاد التي تمنع الكحول وتستهلك منه الأطنان, قرّر ان يلفّ زجاجة من النبيذ الأحمر في ملابسه الداخليَة وكيف أنّها بقيت حمراء لعدة أشهرٍ بعد ذلك! عندها صبّ بوصة واحدة في الكأس الّذي وجده في الحجرة وتذوّق الرشفات الصغيرة بارتياح كبير.
وعندها بدأت ذكريات الصّبا تتلاحق في مخيّلته ريثما يحين موعد العشاء مع رفيقه بوريس في السابعة. بدأت ذكريات الطّفولة في مدينته الحبيبة عدن وتذكّر الشقّة التي أعطاها جَدّهُ لأبيه كي يؤسسَ أسرته وكيف أنّه كان البَكر وكيف كانت أمّه فخورةً به. ثم رأى المدارس المختلفة التي قضى فيها سنيناً عديدةً وعرف عدداً من أصدقائه المخلصين الّذين تركهم في عدن عندما سافر الى بريطانيا في تلك الباخرة الضخمة التي جاءت من استراليا لكي تلتقطه من الميناء وتأخذه الى بريطانيا في رحلة لا تكاد توجد إلاّ في الأحلام سرعان ما أنسته أباه وأمّه وإخوته ورفاقه. هناك على متن تلك السفينة الجميلة وقع مسحوراّ في غرام شابّةٍ استراليّة في منتهى الجمال كانت تبتسم له كما تفعل لكلّ الركّاب الآخرين. وتذكّر كيف قضى ساعاتٍ طويلة يختلس النّظر الى تلك المساحات الواسعة من جلدتها الورديّة المكشوفة من ذراعيها وساقيها وفخذيها وبطنها وظهرها وهو يتخيّل أطراف أصابعه وهي تتنقّل من قطعة حرير إلى أخرى. كان في منتهى السذاجة في تلك الأيام وبدأ يضحك من نفسه وكيف لم يخطر بباله أنّ للمرأة شعراً كثيفاً في أسفل البطن إذ كان قد أقنع نفسه أنّه أمر مستحيل لأنّها بدون لحية!
عندها أفاق طارقٌ من أحلامهِ وبدأ يستعرض عودته من كندا إلى بلاده لكي يساعد في تأسيس كليّة الطّبّ في جامعة صنعاء. فقد كان يتمتّع بمهنته كطبيب إختصاصي معروف ويستلم دخلاّ سنويّا يحلم به أكثر الكنديين، فلماذا ترك ذلك الخير ولماذا تنكّر لتلك النّعمة؟ هل بسبب أصله وتراثه ودينه؟ هل لم يجد التقدير الكافي هناك؟ أليس من واجبه أن يعود لكي يدفع ضريبة الوطن ويقدم شيئاً لشعبٍ هُظِمَتْ حقوقهُ ونهبت أمواله وبات يرزح تحت وطئ الحهل و الفقر والجوع والمرض؟
وعاد يستعرض المشاكل والإحباطات الّتي واجهته في صنعاء عندما بدأ يحضّرُ أوراقه للتسجيل كطبيب وكيف أضطُرّ إلى ترجمة وتعميد شهاداته الستّ من الإنجليزية واللآّتينيّة الى اللّغة العربيّة في عدد من الدوائر الحكوميّة وبشرط الحصول على عشرات التّوقيعات إبتداءً بنائب الوزير الّذي كان لزاما عليه أن يكتب في ركن الصفحة "بحسب النظام" في بلادٍ ليس فيها نظام. وتمر الأوراق ببطء السلحفاة على أولائك الموظّفين وتنتهي مرّة أخرى على مكتب وكيل الوزارة بعد مضيّ عشرات الأسابيع وصرف ألوف الريالات.
وعاد طارق بمخيّلته فجأةً الى الحاضر مذكّراً نفسه أن كلّ تلك المشاكل كانت في الماضي السحيق وأن كلَّ ما تبقّى عليه هو أن يكمل مهمّة التفتيش خلال أيام معدودة ثمّ يعود أدراجه الى بلاده ومدينته وأصدقائه في أتاوا. ولكنّ الوحدة القاتلة كانت تشغل باله وتساءل في قرارة نفسه متى يقابل إمرأة تحبّه ويحبّها ويكرّس كل حياته في العناية بها؟ وشَطّ بهِ الخيالُ إلى ليلته الممتعة مع جيتا وتمنّى لو كانت معه في تلك اللحظات أو لو كان بوريس أمرأة بدلاً من رجل، ولكن ماذا تنفع كلُّ تلك التّمنّيات؟
شرب ما تبقّى من الفودكا في كأسه ثمّ نزل السُّلّمَ إلى مطعم الفندق حيث كان بوريس في انتظاره. لم يكن في المطعم المعدّ لثمانين سوى عشرة أشخاص بما في ذلك إمراة مغطّاة تماماً بالحجاب والنّقاب بحيث لا يرى المرء سوى عينيها. كانت تجلس مع رجُلٍ يفترض أن يكون زوجها لابسا القميص اليمني الأبيض الطويل ومعطفاً ضيّقاً وحزاماً عريضاً بألوانٍ زاهية يلمّ كرشه السّمين المتدلّي ويحمل في وسطِهِ الجنبية اليمنيّة المعروفة، بمقبضٍ جميلٍ يكاد يلمس ذقنه. كانا متقابلين ولكن الحديث المتقطع بينهما كان خافتاً. فالرّجل كان يأكلُ بنَهَمٍ شديد ويسببُ أصواتاً مزعجة متردّدَةً عند مضغ الطّعام وكان دائما يستعمل ظفر أصبعه الصغرى لإزالة خيوط اللحم العالقة بين أسنانه، بينما كانت المرأة ترفع النقاب بحَذّرٍ شديدٍ بما يكفي للملعقة أن تصل إلى فمها ثمّ تسدلها فوراً وتستأنف المضغ الصّامت. وفجأة سُمِعَ صوتُ تجشّئٍ من الرّجُل.
"كان هذا صوتاً مرتفعاّ، يا طارق. أرجو أن لا يستمر. هل كلّ اليمنيين هكذا؟"
"هذه عادةٌ شائعة."
"ولكنّها عادةٌ شاذّة، ألا توافقني؟"
"قد تكون ولكنّ الشعوب تختلف كثيراّ فيما يُعْتبرُ شاذّاً. دعني أبيّنُ لكَ ما أقصد. عندما كنت طالباً في إدنبره. سكنت هناك في شُقّةٍ مشتركةٍ مع طالب صومالي في كلّيّة الإقتصاد كان قد التحق بالجامعة قبلي بسنة واحده. قصّ علَيّ هذه القصّة الطريفة. قال: بعد مجيئي هنا كنت أتسوّق في المدينة وشعرت بعد فترةٍ بحاجة مُلحّة للتبوّل فدخلت احد الحمّامات المخصصة للرجال ووقفت أتبول مع عدد من الرجال البريطانيين فوق الحائط الأبيض المخصص للتبوَل والجميع يصوّبون عيونهم نحو الحائط ألّذي أمامهم. وفجأةً سمعت ضرطةً مرتفعة من خلفي فلم أتمالكْ نفسي من الضحك كما كنت معتاداً في بلادي. ولكنّ قهقهتي المرتفعة جذبتْ إنتباه كلّ الرجال في المكان فالتَفّت أعناقهم وصاروا ينظرون إليّ باستغراب واضحٍ وهم ما زالوا يتبوّلون في أماكنهم. فشعرت عندئذٍ أنهم يتّهمونني بأنّي صاحبُ تلك الضرطة المرتفعة ولذا كان عليّ أنْ أنفي تلك التّهمة الباطلة فصرخت مُعْلناً براءتي مردّداً ’مش أنا مش أنا’ وعندها انفجر المكان بقهقهة مرتفعةٍ لم أسمع مثلها بين البريطانيين قبل أو بعد تلك الحادثة. فكما ترى بين البريطانيين الضراط أمر عادي ووظيفة فيزيولوجية بينما التجشؤ إخلال بالآداب يثير التأفّف بينما العكس صحيح هنا!"
كان العشاء في الفندق باسلوب البوفيه ولكن كانت هناك خيارات كثيرة ولذا وجد بوريس نفسه يملأ طبقه مرّة بعد أخرى رامياً محاولته لتخفيف وزنه الكبير عرض الحائط ثم أنّه لم يتمالك نفسه عندما ذاق طبق بنت الصّحن الغارق في العسل فعاد اليه مرّتين.
"الشيء الآخر الّذي قد تستغربه يا بوريس هو موضوع السّلام وطريقة التحيّة هنا. عندما نذهب لتفتيش الأجهزة غداً ستلاحظ الناس يتصافحون بكثرة سوف تدهشك. ستسمع عبارة السّلام عليكم عشرات المرّات وتتلوها المصافحة حتى إذا كنت لا تعرف الشخص الآخر ولن يخبرك بإسمه حتى بعد المصافحة! ولا توجد عادة تعريف شخص بشخص آخر من قبَلِ شخصٍ ثالث."
"هذا شيء غريب عندنا."
"وحتى لو سمعت إسم الشخص سيكون إسمه الأوّل مثل محمّد أو عبدالله في تسعين في المئة من الحالات ولن تسمع إسم الأسرة إلاّ نادراً. فمثلاً في السفارة اليمنيّة في كندا، في وقت من الأوقات, كان السفير ونائبه والملحق التجاري كلّهم يدعون عبدالله!"
"إذنْ كل ما عليّ إذا لم أعرف اسم الشخص هو أن أسمّيه عبدالله!" وضحكّ.
"والشّيء الّذي سيدهشك حقاّ هو أن كلّ الناس الّذين سوف تحتكّ بهم سيكونون رجالاً دون نساء."
"ولا حتى نساء على التلفون أو على الكمبيوتر؟"
"نادراً جدّاً."
"المشكلة هي أنّ البطالة منتشرة بين الرجال أنفسهم ثم أن هذا المجتمع يؤمن أن دورالمرأة يقتصر على تربية الأطفال وتحضير الوجبات للزوج والأطفال وخدمة الرجل ... ولو أن بعض التطوّرات الحديثة بدأت تطرأ على الجيل الجديد. فإذا كنت محظوظاً وقابلت امراة إحذرْ أن تمازحها أو حتّى أن تصافحها ألأّ إذا بادرتك هيَ ومدّت يدها إليك. على فكرة، إذا رأيت رجلين يمشيان معاً شابكين أصابعهما فلا تظن انّهما لوطيّان لأنّ هذه علامة صداقة فقط وليست علامة لواط كما نرى في الغرب. نحن هنا في العالم العربي في حالة إنكار دائم نقول إن اللواط لا يوجد بيننا، السّحاق لا يوجد ومرض الأيدز لا يوجد!"
"شكراً يا طارق, لقد تعلّمت الكثير منك هذا الأسبوع. ولكنّك لم تخبرني أين أشتري شيئا من النبيذ؟."
"لا أظنّ ذلك ممكناً عدا أن تكون أجنبيّا في أحد الفنادق العالميّة مثل شيراتون. وما هو القانون في حالة يمنيّ مسلم غير ملتزم بالشريعة؟ لاأدري ولكنَي أعرف أن كمّيّات هائلة من الخمور تستوَردُ ألى اليمن كلّ سنة واعرف أيضا أن الموزع الرئيسي للخمور في منطقة تعز كلّها أصبح يوما ما رئيس الدولة!"
"أفهم من كلامك أنّك لا تمارس طقوس الدّين كالصّلاة والصّوم في رمضان .. هل الإسم صحيح؟ هذا هو ما أنا بحاجة اليه – أقصد الصّوم – لكي أزيل كل هذا الشحم – ولكنّي لن أستطيع أن أمتنع عن البيرة!" قالها مقهقهاً.
"في رمضان ولمدّة شهرٍ كاملٍ يجب الإمتناع عن الطعام وعن الشّراب وحتّى عن ممارسة الجنس."
"حتّى الجنس؟ لماذا؟"
"الفكرة هي الإبتعاد عن الملذّات والشّهوات."
"وعلى ذكر الجنس يا طارق، كيف يمكنني أن أجدَ إمراةً لهذا الغرض؟ لديّ الفرصة السّانحة هنا لأنّ زوجتي في بولندا. كم أنت محظوظٌ لأنك عازب والفرصة أمامك دائماً وفي كلّ يوم أمّا أنا فأتحيّن الفرص عندما أسافر."
"لا أستظيع أن أفيدك لأنني لمْ أفعلْها هنا! ولكنّي اسمع أنّ نساءً من القرن الأفريقي يمارسن هذه المهنة ويتردّدن على الفنادق الكبرى – هكذا سمعتُ."
كانت ساعة الخلود الى النّوم قد حَلّتْ وبدأ الإثنان يتطلّعان للتّفتيش في اليوم التّالي فوقّعا على فاتورة المطعم واتّجها نحو الباب. وعندها وقع نظر طارق على المرأة وهي ترفع النقاب بحذرٍ شديد لكي تشرب رشفة من الشاي من الفنجان الّذي كان في يدها. وعندها تذكّر الدكتور طارق المرأة الخليجيّة المسنّة الّتي أصيبت بشلل الوجه النّصفي والّتي أصرّت على طلب العلاج منه لكن بدون أن تكشفَ عن أي جُزْءٍ من وجهها!