الجسد الذي لم يكن له - الفصل الثاني: رجل القمار - بقلم اشرف مغليفي - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الجسد الذي لم يكن له
المؤلف / الكاتب: اشرف مغليفي
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثاني: رجل القمار

الفصل الثاني: رجل القمار

كان يعود دائمًا وفي يده شيء ناقص. ناقصة هي خطواته، ناقص هو نظره، وناقص دائمًا ذلك المال الذي يبتلعه الطاولة الخضراء ثم تلفظه فارغة. جلست قرب الحائط حين دخل، تراقب حركته بعينيها فقط. رمت نفسها في الزاوية التي تعلّمت أنها أكثر أمانًا، حيث لا تصل اليد بسرعة، وحيث الظلّ أرحم من الضوء. أخرج ما في جيبه، قلبه على الطاولة: قطع نقدية قليلة، أوراق مهترئة، ثم لا شيء. رفع رأسه نحوها، وابتسامته لم تكن فرحًا، بل سخرية. أشار بإصبعه إلى نفسه، ثم إلى الخارج، ثم إلى يدها. كانت الإشارة واضحة أكثر من أي كلام: المال. اقتربت ببطء، أخرجت من ثوبها كيسًا صغيرًا عقدته بعناية. هذا ما ادّخرته من بيع لوحة، من مساعدة عابرة، من تنازل صامت. مدّ يده وانتزعه دون أن ينظر في عينيها. فتح الكيس، عدّ المال، ثم قطّب جبينه. غير كافٍ. رفع رأسه فجأة. جسدها سبق عقلها، فانكمشت قبل أن يتحرك. كانت تعرف هذه اللحظة، لحظة الاتهام. أخذ يشير بعصبية، يحرك فمه بسرعة، صوته غاضب حتى دون أن يُسمع. هي تحاول الشرح: تشير إلى نفسها، ثم إلى اللوحات، ثم إلى السوق، ثم تهز رأسها نفيًا. لا مال أكثر. ضحك. ضحكة قصيرة، قاسية. ثم أدار ظهره لها، وخرج. بقي الباب مفتوحًا. الباب المفتوح عندها أخطر من المغلق. المفتوح يعني أنه سيعود فجأة. جلست على الأرض، وأخرجت من تحت السرير لوحًا خشبيًا صغيرًا، وألوانًا قديمة. الرسم لم يكن هواية، بل ملجأ. كانت ترسم حين يضيق صدرها، وحين يتسع خوفها. رسمت طاولة. حولها رجال بلا وجوه. وفي الزاوية، امرأة بلا فم. توقفت فجأة حين شعرت بظلّ يقف خلفها. التفتت ببطء. كان قد عاد. اقترب، نظر إلى اللوحة، ثم بصق على الأرض. أشار إليها بإهانة، ثم إلى اللوحة، ثم أدار يده كأنه يمسح شيئًا غير موجود. الفن عنده مضيعة، مثلها تمامًا. أخذ اللوحة، كسرها على ركبته، وأسقط القطع أمامها. جلست تنظر إليها دون دموع. الدموع تحتاج صوتًا، وهي تعبت من البكاء بصمت. خرج مرة أخرى، وعادت الرائحة التي تسبق القمار: رائحة توتر، ووعود كاذبة، وهزيمة قادمة. في تلك الليلة، عاد متأخرًا. لم يطلب عشاءً. لم يطلب مالًا. نام مباشرة، كما ينام من خسر كل شيء… إلا القسوة. تمدّدت بعيدًا عنه، ظهرها للحائط. وضعت يدها على صدرها، تحاول أن تهدئ خفقانًا لا يسمعه أحد. كانت تعرف أن الغد سيكون مثله، وأن القمار لا ينتهي، إلا حين ينتهي صاحبه. أغمضت عينيها، وفي رأسها صورة واحدة تتكرر: طاولة… رجال بلا وجوه… وامرأة تحاول أن تجمع نفسها من قطع مكسورة. ولم تكن تعلم أن تلك الطاولة نفسها ستكون سبب نهايته.