الجسد الذي لم يكن له - الفصل الأول: بيت الخوف - بقلم اشرف مغليفي - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الجسد الذي لم يكن له
المؤلف / الكاتب: اشرف مغليفي
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الأول: بيت الخوف

الفصل الأول: بيت الخوف

لم يكن للبيت صوت. الصمت فيه لم يكن هدوءًا، بل ثِقلًا يجثم على الجدران، كأن الهواء نفسه يخاف أن يتحرك. كانت تجلس قرب الموقد، تحدّق في القدر الصغير، تراقب البخار وهو يصعد ببطء، ثم يختفي، كما تختفي الأشياء الجميلة من حياتها دون أن تودّع. مدّت يدها تتحسس الوقت. الوقت عندها لا يُقاس بالساعات، بل بدرجة الخوف في صدرها. كلما طال الغليان، اقتربت الصفعة. وضعت طبقين على الطاولة الخشبية المتشققة. طبق كبير، نظيف نسبيًا، وفيه قطعة لحم واضحة، دسمة. وطبق أصغر، بالكاد يحمل ما تبقى من خضار رخيصة طُبخت أكثر مما يجب. لم تكن تحتاج أن ترى من سيأكل ماذا؛ الترتيب محفوظ، مثل ترتيب الإهانات. سمعت اهتزاز الأرض تحت قدميه حين دخل. لم تسمع الصوت، لكنها شعرت به، كما تشعر الزجاجة بالاهتزاز قبل أن تنكسر. لم تنظر إليه مباشرة، خفضت رأسها، ومدّت يديها بالإشارة المعتادة: العشاء جاهز. اقترب منها، فتوتر جسدها كله. كانت تعرف هذه المسافة… مسافة الخطر. نظر إلى الطبقين، ثم إلى وجهها، ثم ضرب الطاولة بيده. ارتجّ الصحن، وسقطت قطعة الخبز على الأرض. فتحت فمها دون صوت. حركت يديها بسرعة، تشرح، تبرر، تعتذر. كانت إشاراتها متكسرة، خائفة، كأنها تعتذر عن وجودها كله، لا عن العشاء فقط. لم يفهم. ولم يحاول. رفع يده. لم تصف الصفعة نفسها، لأن الألم لم يكن فيها، بل فيما بعدها: في سقوط الملعقة، في انحراف رأسها جانبًا، في الطنين الصامت الذي ملأ عينيها، وفي الإحساس القديم الذي عاد ليقول لها: أنتِ بلا قيمة. جلست على الأرض دون أن تدري كيف. رفعت بصرها نحوه، فرأته يأكل. يمضغ ببطء. يستمتع. مدّت يدها نحو طبقها بعد تردد طويل. الأكل كان بلا طعم، لكنه أرخص من الجوع، وأخف من الضرب. حين انتهى، مسح فمه بظهر يده، ثم أشار بعصبية نحو الباب. فهمت الإشارة فورًا. الأصدقاء قادمون. قلبها انقبض. تقدمت نحو النافذة، أغلقتها، ثم فتحتها قليلًا، ثم أغلقتها تمامًا. كانت تحاول أن تحمي نفسها من شيء تعرف أنه لن يُحمى. بعد قليل، امتلأ البيت برجال غرباء، بضحكات واسعة، بأفواه تتحرك كثيرًا. لم تكن تسمعهم، لكن الضحك له شكل، وكانت تراه بوضوح. أشار إليها زوجها بعنف. اقتربت. تجنبت العيون. خفضت رأسها. تحولت إلى ظلّ. أُغلق باب الغرفة. وبقي البيت بلا صوت… لكن ممتلئًا بكل ما لا يُقال. في تلك الليلة، جلست وحدها بعد رحيلهم، تضم ركبتيها، ترسم بأصبعها على الأرض خطوطًا غير مفهومة. كانت ترسم لأنها لا تستطيع الصراخ. وكان الرسم هو الشيء الوحيد الذي لم يمدّ يده ليكسره بعد. رفعت عينيها إلى السقف، وسألت سؤالًا لم تنطقه، لكن قلبها كان يعرفه جيدًا: هل يمكن لرجل أن يتغير؟ لم تكن تعلم أن الجواب… سيأتي قريبًا، لكن بثمن لم يخطر ببالها أبدًا.