حفل العزاء
جمعت آيريت أغراضها لترحل قبل فوات الأوان
ظل جورجيو ينظر لها و هي تجمعها ثم إبتسمت له عند رحيلها ثم قالت له : " أتمنى أن نلتقي مجددا يا جورجيو ألكويرتيزر "
" إنتظري "
" أهناك مشكل ما "
نظر لساعته : " أريدك أن تبقي "
رفعت حاجبها ثم قالت بابتسامة : " و هل يا جورجيو تريدهم أن يوقعو بي " تابعت بعد أن حدقت في السماء من نافذة مطولا : " بالإضافة إلى هذا ، أرسل لي ديڤيد رسالة … لدي ضحية جديدة ".
" آيريت " قالها و هو يحدث بحقيبتها ثم تابع : " سألحق بك ، لكن ليس الآن "
إبتسمت ثم قالت له :
" حقا ! ، أحببت رفقتك "
" ستذهبين لروسيا صحيح "
" صحيح "
" إذا سآتي لكن بعد أن أقوم ببعض الأعمال هنا "
" أتشوق لرؤيتك "
شعرآ بالحرج لوهلة ثم حاول جورجيو تشتيت الجو قائلا :
" من هي ضحيتك "
عضت شفتيها ثم قالت بنبرة تنبيهية ممازحة :
" أولم أقل لك يا جورجيو أنني أحفظ سرية أعمالي "
تابعت بعد أن رأت ابتسامة هادئة مرسومة على ممر شفتيه:
" أحد السياسيين الكبار ، سأطيح باسمه "
" أتق بك تستطيعين فعلها "
إقتربت منه ثم تجمدت تنظر نحو عينيه لتقترب منه أكثر و تلف ذراعيها حوله دون إكثرات ، بينما هو عقد ذراعيه حولها و إستنشق رائحتها ثم إبتعدت عنه ببطئ و قالت و هي تلوح بيدها له :
" سأذهب الأن "
" إنتظري سأحمل لك حقيبتك حتى تصلي لسيارتك "
حمل حقيبتها ثم وضعها في صندوق السيارة و أغلقه بهدوء ثم إستقلت آيريت السيارة و أدارت المحرك و فتحت النافذة لترى جورجيو يلوح لها بهدوء و ثبات
" إلى اللقاء يا ... ڤيتوريا "
قهقهت آيريت بصوت مرتفع ثم قالت و هي تحرك السيارة ببطئ :
" من المستحسن أن تناديني بذاك الإسم كي أكون رقيقة معك "
إبتعدت السيارة وسط نظرات جورجيو ثم هم ليعود للقصر بإبتساماته الخبيثة لأنه يفكر بشيئ ليس معتادا ثم قال بنبرة منخفضة مخيفة :
" و أنا أيضا يا ڤيتوريا سأطيح بأحد الأسماء "
فتحت له البوابة و دخل بغرور ثم أحضر قهوة من الخدم ، ليأخدها نحو مكتب الدون ريكاردو الذي إبتسم عند رؤيته
وضع جورجيو القهوة فوق المنضدة و جلس فوق الأريكة ثم أشار نحوها :
" سيدي الدون ريكاردو هل تريد القهوة الإسبانية "
إبتسم ريكاردو و حمل الكوب بين يديه ثم قال بهدوء :
" هل هناك خطب ما يا جورجيو "
" لا لاشيئ ، فقط أردت رؤيتك و الحديث بشأن لورينزو وش "
" و هل أحضرت أية معلومات عنه "
إنكمش وجهه مفكرا ثم قال بهدوء : " أه لا ، كل ما أعرفه أنه ليس بإيطاليا حاليا "
طرق ريكاردو الطاولة بأصابعه عدة مرات مفكرا ثم قال دون نظر نحو جورجيو : " إلى متى سيستمر بالهرب " أخرج سجارة فاخرة من جيبه ثم أشعلها بينما جورجيو ينظر نحوه بصمت حتى نفت الدخان للمرة الأولى و قال جورجيو بعد أن إرتشف رشفة من القهوة :
" أيها الدون ، التدخين في مثل سنك قد يودي بك للموت القريب "
" و هل تظنني مهتم "
قالها الدون ريكاردو ثم إرتشف رشفة من القهوة ثم تابع بعد فترة الصمت الطويل :
" ليورينزو وش وحده من يستحق الموت في كل هذا العالم ، هو من بدأ الحرب "
فرز جورجيو كلماته في عقله ثم ابتسم ابتسامة هادئة و قال :
" لا تؤكد كل شيئ لمصلحتك "
رفع الدون ريكاردو ناظريه لجورجيو و قال باستهزاء يجعل الغضب يسري في جورجيو : " و هل تشك في قدرتي يا جورجيو ، سأقتله و أكتر "
" نعم ستفعل يا أيها الدون "
قالها جورجيو محاولا كبت أعصابه ، ثم نهض من مقعده و هم ليغادر دون قول كلمة واحدة ، ألقى نظرة أخيرة نحو ريكاردو ثم إبتسم و أغلق الباب ثم تمتم :
" سنرى من سيموت أولا في هذه الحرب يا أيها الدون ريكاردو "
* * * * * * *
حل الليل 23:22
لونا مستلقية فوق الأريكة الصغيرة ...
لوين نائم فوق سريره ...
رافاييلا أنهت أعمالها و هاهي ذي تصعد لتنام ...
ريتشي نائم ...
جورجيو يجلس في الحديقة يتأمل ...
الجميع يمارس روتينه المعتاد و هو النوم ، بينما الدون ريكاردو ينازع الإختناق في غرفته وحده ثم أطلق صارخة منخفضة سمعها حراسه الشخصيين ، زاغت عيناه و هو يرى الموت أمام عيناه ، دخل حراسه بسرعة لإنقاده لكن من ماذا ، موته قد حان
غادر أحد الحراس الغرفة و اتجه إلى غرفة لوين و فتحها دون إنتظار الإذن ثم أعلمه بما يجري .
صعق لوين عندما سمع ذلك ثم قال بسرعة :
" ماذا تقول ، ينازع الإختناق ! "
أيقض صوت لوين المرتفع لونا من مكانها ثم نظرت نحوه و قالت :
" ماذا يجري "
ذهب لوين مسرعا نحو الباب و حذر لونا من مغادرت الغرفة و أغلقها ثم أسرع خلف الحارس وهو يركض حتى وصلا لغرفته
فتحها لوين على مصاريعها ثم إقترب من والده و هو يلهت من الركض و وضع يداه فوق صدره و أخد يضغطه بقوة و ثوتر ، كان ريكاردو ينتفض في الأرض و هو يحملق في الفراغ ، بينما لوين ينظر نحوه بصدمة لم يتوقعها يوماً ، كان يسعل الدم من فمه مرفوقا برغوة بيضاء ، قال ريكاردو بصعوبة :
" لوين ... أ... أقتل من..فعل...فعل هذا ...بي ..."
ظل لوين ينظر لوالده الذي يموت أمامه عاجزا عن إسعافه ، ظل شاردا فيه بحزن و هو يموت ، أراد أحد الحراس التدخل لكن لوين أشار له بالإبتعاد دون أن يزحزح عيناه عنه .
هدئت إنتفاضاته رويدا رويدا حتى بات ساكنا ، تأمله للحظة و هو شارد في وجهه ، ثم تمتم بحزن شديد أمام الحراس :
" إنه الوداع "
نهض مطأطأ الرأس و غادر المكان و غيمة من الحزن فوقه تمطر ، يستمد منها الطاقة السلبية و تعاسة لفراق والده المفاجئ ، لم يكن مستعدا لهذا البتة ، ثم قال في نفسه : " لما أنا حزين الآن ! لست معتادا على الحزن "
وصل لباب غرفته و تأمل زخرفاته لبعض الوقت ثم وضع جبينه عليه و أغمض عيناه و يحاول أن يتناسى الموضوع ، و في الجهة الأخرى من الباب كانت لونا تسند ظهرها على الباب أيضا تتسائل بحيرة و قلق عما يجري بالخارج ، فتح لوين الباب بسرعة لتسقط لونا فوق صدره إثر فتح الباب الذي كانت تتكئ عليه ، لم يعطها لوين بالا بل تجنبها و توجه نحو سريره و جلس فوقه بصمت مسندا رأسه بين يديه و هو شارد الذهن ، إقتربت منه لونا و سألته :
" ماذا هناك "
" لقد مات "
قالها بسرعة ثم أجابته متفاجئة :
" من مات "
" والدي "
" غير معقول "
شعرت بالأسى تجاهه ثم إقتربت منه و وضعت يدها فوق كتفه مواسية له لكنه ضرب يدها بقوة و صرخ في وجهها قائلا : " لا أحتاجك أن تشفقي علي أيتها الساقطة ! "
فتحت عيناها بصدمة مما قاله ثم صرخت في وجهه قائلة : " أيها الأحمق ، أنت فعلا لا تستحق الحياه "
رفع رأسه و شرارة الغضب في عينيه ثم نهض من مكانه و إقترب منها ثم صرخ في وجهها و كان بنبرته غضب موحش :
" أحمق هاه ، أحمق ، سأكون أحمق و أقتلك الآن "
إرتعش جسد لونا من الخوف ثم إقترب منها عدة خطوات و هو يلهت كالحيوان المفترس بينما هي تتراجع للخلف و قد شعرت بصعقة كهرباء تسري في جسدها خوفا ، تراجعت قدر الإمكان حتى إصتدمت بالحائط خلفها ، لم تنكر لونا أنها قد رأت أن يداه ترتعشان غضبا ، بينما هي ترتعشان رعبا ، لكم أعلى صدرها بقوة حتى سعلت الدم ثم أحاط ذراعيه حول عنقها و ضغط بقوة جعلت لونا تشهق بصعوبة و تدرف دموعا و هي تمسك يداه و تحاول إبعادها ، كانت عيناها الخضراوتين خائفتين ، بينما عينا لوين الرماديتين غاضبتين.
شعر لوين بهدوء حركاتها ثم أبعد يداه عنها لتسقط في الأرض دون حراك ، ثم قال و هو يلهت :
" أخيرا ، تخلصت منك ، أنت ميتة "
جر جثتها نحو الشرفة ثم أغلقها و شعر بوخزات متثالية تغزو قلبه فجأة لقد كانت مزعجة جدا ثم أمسك صدره بقبضته متألما و سقط على ركبتيه و وجهه منكمش من الألم ، أصدر أنينا طويلا و هو يزحف نحو الخزانة ليفتح بابها ثم يأخد دواء المنوم من رفها و يبتلعه دون ماء ليسقط في الأرض بالكامل مستسلماً لنوم ثم تمتم بهمس موحش :
" إنتهي أيها الألم ، إنتهي ،إنتهي "
* * * * * *
صباحا 7:30
إستيقظ لوين في عجلة من أمره عندما سمع حضور الضيوف ثم إرتدى ملابسه و جهز أموره و إلتفت يبحت عن حذائه لتقع عيناه على جسد لونا في شرفة و قد شعر بشعور لم يشعر به من قبل ، لقد كانت عيناه مركزتان على لونا ، حاول إبعادها لكنه لم يستطع ، لم يستطع أن يزحزح عيناه عنها ، شعر بشعور أخر ثم قال عندما إستطاع تحليله :
" إنه الندم "
إستغرق في نظر نحوها و شعر بدغدغة صغيرة في خده و عندما أراد تحسسه ، إبتلت يده بقطرة من الدموع فرت من عينيه دون أن يدرك ، حدق بيديه لبرهة ثم قال بينه و بين نفسه :
" من أين هذا "
ردد بصوت أكتر إرتفاعا :
" ما بالي اليوم "
تراجع خطوات للخلف ثم فتح الباب و حاول إبعاد نظراته عنها ، لكنه لم يستطع ثم ردد بصوت مرتفع :
" إنها تقيدني!
أبعدوها عني !
دعيني و شأني أتسمعين !
أتركيني وحدي ! "
دخل حراسه الشخصيين الغرفة لكن لوين لم يبعد نظراته عنها ، إنها متجمدة عليها ، وضعوا البطانية في باب الشرفة ليحجبوها عنه استغل لوين تلك لحظة ثم إبتعد من الغرفة يفكر فقط في ما حدث ثم قال في نفسه : " ليث هناك دواء يجعلك تنسى "
أقيم حفل عزاء الدون ريكاردو بصباح يوم وفاته ، حضر مجموعة كبيرة من الحاضرين و من بينهم لوين الذي تأمل قبر والده و ألقى فوقه باقة من الأزهار ، ثم إنسحب يتأمل أجواء العزاء .
كان جورجيو يقف في الزاوية المظلمة بمفرده و هو يدخن و يفكر في الطريقة التي قتله بها ، كان يعلم أن وضع السم في شراب فكرة جبانة ،لكنه أراد التخلص منه بأي طريقة ، لتسهيل خطته أكثر
و الآن حان الوقت للحاق بآيريت لروسيا بعد إنجاز مهمة الإطاحة بإسم أحد أكبر زعماء المافيا ...
* * * * * *
كانت رافاييلا تتمشى حاملة لأكواب الماء حين أوقفها تجمع حارسان أمام باب غرفة لوين ، أرادت تفقد الوضع و أطلت .
إتسعت عيناها دهشة و سقطت الصينية من يديها ثم ركضت نحو جثة لونا و هي تبكي و أخدت تزعزعها و تقول بين شهقاتها :
" لونا إنهضي ، لونا ، لونا ، أنت لست ميتة صحيح "
قال أحد الحراس بنبرة منخفضة جعلت الخوف من المجهول يبت في قلب رافاييلا :
" لقد قتلها السيد لوين "
" مستحيل ، لقد وعدتها بالحياة لقد ضمنت لها الحياة ، هي الأن تشتمني"
وضعت أذناها في صدرها و أغلقت عيناها في هدوء قبل أن تتنهد تنهيدة طويلة و هي تقول لأحد الحراس :
" خداها لغرفتي "
عارضها قائلا :
" هل أنت مجنونة "
صاحت في وجهه قائلة :
" و هل تعتقد أن السيد لوين يريدها في غرفته كمزهرية "
" هل هي حية "
" إنها ميتة "
" و هل ستزينين بها غرفتك أنت التانية "
" إخرس و إفعل ما سأقوله لك و أعدك بسر كبير "
رفعها بين ذراعيه ثم أخداها لغرفتها ، هناك وضعهوها فوق سريرها ثم حاولت رافاييلا ضغط على صدرها و قالت للحارس الذي بجانبها بصوت منخفض:
" إنها حية ، لقد إكتشفت نبض قلبها عندما وضعت أذناي في صدرها "
إتسعت عينا الحارس ثم قال بنبرة قلقة :
" و ماذا ستفعلين إن إستيقظت "
فجأة قاطع حديثهما صوت أنين خفيف يصدر من فم لونا ، ثم إبتسمت رافاييلا إبتسامة دافئة و قالت :
" بهدوء إستيقظي يا عزيزتي ، ستنعمين بالحياة ، لا تقلقي "
فتحت لونا عيناها ببطئ ثم رأت رافاييلا تبتسم لها ثم قالت لونا و هي ترتعش خوفا :
" لقد قتلني ! "
" أنت بخير يا حبيبتى "
قالتها رافاييلا و هي تضع يدها على خدها بلطف ثم قالت لونا :
" لقد كان يقتلني "
مسحت رافاييلا دموعها و عانقتها ثم قالت لونا بنبرتها البريئة :
" لقد أخافني "
" أعلم أعلم يا لونا "
ظل الحارس يشاهدها و هو مندهش من نوعية حزن لونا ، فهي تحزن بشكل خافت جدا ، لا تصرخ لا تجن و لا تتصرف بطريقة مجنونة ، هي تستمر بالبكاء الصامت و بضع همسات خفيفة ، أيمكن أن يكون هذا سببه كثرة الكتمان ، إنها تخبئ كثيرا في قلبها الصغير ، قال الحارس أخيرا :
" يجب أن يعلم السيد لوين و إلا "
قاطعته رافاييلا صارخة :
" بماذا تتفوه أيها ال ---- "
وضعت لونا يدها فوق كتفها و قالت بهمس و هي تتحسس بيدها الأخرى عنقها :
" إنه محق "
" لكن ..."
" لكن يا رافاييلا لا أريد لك المتاعب … بالإضافة لهذا ، سيعلم يعني سيعلم عاجلا أم أجلا "
إقتنعت رافاييلا ثم أومأت برأسها بصمت حتى إبتسمت لها لونا بهدوء و قالت :
" أين هو على أية حال "
" إنه في حفلة عزاء والده ، إنها مُقامة بالأسفل "
" حسنا "
تأملت رافاييلا الأرض ثم قالت للونا :
" إبقي معي ثلاتة أيام هنا تم عودي عنده و أخبريه أنك كنتي فاقدة الوعي لمدة ثلاتة أيام ، أرجووووكي"
فكرت لونا قليلا قبل أن توافقها الرأي و تجلس بجانبها في هدوء .