رمادُ الميناء.. وزئيرُ الأسد
كان دوي الانفجار في الميناء كفيلاً بهز أركان القصر. ركض زين نحو الشرفة، ليرى ألسنة اللهب تلتهم "المستودع رقم 7"؛ المكان الذي كان يضم الشحنات الطبية التي تثبت براءته. كان هذا هو غدر "المجلس الأعلى"؛ حرق الأدلة وتلفيق التهمة لزين بأنه هو من فجر الميناء لإخفاء "جرائمه".
"زين! الميناء ينهار!" صرخ رعد وهو يجهز سيارات الدفع الرباعي.
لكن زين لم يتحرك نحو الميناء. كان ينظر في الاتجاه المعاكس.. نحو "المدينة القديمة" حيث توجد حبيبة.
"الميناء مجرد حجارة يا رعد.. حبيبة هي الهدف الآن. المجلس الأعلى فجر الميناء ليصرف نظري عن المطاردة التي تجري في الأزقة. مروان، خذ رجالك للميناء وحاولوا السيطرة على الحريق. رعد.. أنت معي."
في المدينة القديمة، كان ياسين يقود حبيبة عبر ممرات ضيقة لا تتسع إلا لشخص واحد. كان صوت صافرات الإنذار يحاصرهم من كل جانب.
"ياسين، الحقيبة!" صرخت حبيبة وهي تتعثر. كانت الحقيبة تضم الوثائق الأصلية التي لم تكن في الميناء، بل كانت معها كنسخة احتياطية ذكية.
"تمسكي بي يا أختي! نحن على بعد شارعين من منزل اللواء جلال!"
وفجأة، سدت سيارتان سوداوان المخرج الأمامي، ونزل منها رجال يرتدون أقنعة سوداء، ليسوا شرطة، بل "فرقة الموت" التابعة للمجلس الأعلى.
"سلموا الحقيبة.. ولن نتأذى،" قال قائدهم ببرود.
ياسين دفع حبيبة خلفه وسحب سكيناً صغيراً بتهور: "على جثتي!"
وقبل أن يطلق القناص رصاصته، دوت صرخة إطارات سيارة مألوفة. سيارة زين المصفحة اقتحمت الزقاق محطمة كل ما في طريقها.
نزل زين من السيارة وهو يطلق النار بغضب لم يره رعد من قبل. لم يكن يطلق النار ليصيب، بل ليقتل. في ثوانٍ معدودة، كان رجال فرقة الموت جثثاً هامدة على الأرض.
ركض زين نحو حبيبة، أمسك بكتفيها بقوة كاد يحطمها:
"هل أنتِ بخير؟ هل لمسكِ أحد؟"
كانت حبيبة ترتجف، لكنها رفعت الحقيبة عالياً: "الوثائق معي يا زين.. الميناء احترق، لكن الحقيقة لا تزال هنا."
لم يذهب زين للقصر، بل اتجه مباشرة نحو "مبنى التلفزيون الرسمي".
"زين، ماذا تفعل؟ هذا انتحار!" صرخ رعد.
"السياسي الكبير يريد معركة قانونية؟ سأعطيه فضيحة عالمية،" رد زين وهو يلقم سلاحه الأخير.
اقتحم زين ورجاله مبنى التلفزيون في حركة لم يسبق لها مثيل. لم يقتلوا الحراس، بل شلوا حركتهم. دخل زين إلى غرفة البث المباشر أثناء نشرة الأخبار، وأجبر المخرج على وضعه على الهواء مباشرة.
ظهر وجه "زين الموت" على كل شاشة في المدينة. كان وجهه ملطخاً برماد الميناء، وعيناه تشعان بقوة مرعبة. وضع حبيبة بجانبه، والتي بدأت بعرض الوثائق أمام الكاميرا.
"يا أهل هذه المدينة،" بدأ زين بصوت هادئ هز القلوب، "أنا زين، الذي تسمونني 'الموت'. اليوم، المجلس الأعلى حرق الميناء وقتل الأبرياء ليخفي سرقاته. وهذه المهندسة، التي لا تملك سلاحاً إلا حقها، تملك الأدلة التي ستجعل رؤوس هؤلاء الساسة تحت أقدامكم."
بدأت حبيبة تسرد الأرقام والأسماء والتحويلات التي تثبت تورط "السياسي الكبير" في صفقات سلاح مشبوهة كان يحاول إلصاقها بزين. كانت المدينة كلها مشلولة تتابع هذا العرض التاريخي.
خلف الكواليس، كان "السياسي الكبير" يصرخ في هاتفه: "اقطعوا البث! اقتلوا الجميع في المبنى!"
لكن الوقت كان قد فات. الجماهير بدأت تتدفق نحو مبنى التلفزيون ليس لمهاجمة زين، بل لحمايته. تحول "المجرم" في نظرهم إلى "المخلص" الذي كشف السارق الحقيقي.
بعد انتهاء البث، وبينما كانت القوات الخاصة تحاصر المبنى، وقف زين وحبيبة خلف الزجاج العازل.
"لقد فعلناها يا حبيبة،" همس زين.
نظرت إليه حبيبة، وفي خضم هذا الدمار، اقتربت منه وأسندت رأسها على صدره. لم يهتم زين بالكاميرات أو بالجنود في الخارج، لف ذراعه السليمة حولها وضمها إليه بقوة، في مشهد رومانسي أسطوري وسط غبار الحرب.
"لن يتركوك حياً بعد هذا يا زين،" قالت وهي تبكي.
"فليحاولوا.. فاليوم، لم أعد أحارب وحدي. اليوم، المدينة كلها أصبحت جيشي، وأنتِ أصبحتِ قلبي الذي لا يُهزم."
وفجأة، انفتح باب غرفة البث، ودخل اللواء جلال ومعه قوات من الجيش الصادقة:
"زين.. اترك السلاح. ليس اعتقالاً، بل حماية. لقد أصدرت المحكمة العليا أمراً بالقبض على 'المجلس الأعلى' بناءً على ما عرضتموه."