تحالفُ الشياطين.. وصيدُ الغراب
ساد سكونٌ حذر في مكتب زين. كان رعد ومروان يقفان بأسلحتهما المجهزة، وعيونهما لا تفارق الشاشة التي تعرض موقع "العقرب". تحالف زين مع العقرب كان كمن يمسك جمرة نار بيد عارية، لكن زين كان يعلم أن "الغراب" لن يسقط إلا بخيانة من الداخل.
"العقرب وافق على المقابلة في 'مصنع الحديد القديم' يا زين،" قال آسر وهو يغلق جهازه. "يقول إنه سيأتي وحده، لكننا نعرف أنه كاذب."
"ليأتِ بجيشه كله،" رد زين وهو يلف يده بضمادة جديدة مشدودة بقوة. "رعد، مروان.. ستكونون في المحيط الخارجي. إذا رأيتم غدراً، لا تتركوا أحداً يتنفس."
التفت زين ليرى حبيبة تقف عند الباب. كانت ملامحها قد تغيرت؛ اختفت نظرة الضعف وحل مكانها برودٌ ناتج عن الصدمة.
"سأذهب معك،" قالت حبيبة بنبرة قاطعة.
"مستحيل!" رد زين بحدة. "هذا مكان للموت، لا للحديث."
"ياسين هناك بسبب ضعفي يا زين. وأنا أعرف مداخل المصنع القديم، لقد قمتُ بعمل مسح هندسي له العام الماضي لمشروع تطوير. أعرف أين توجد الممرات التي لا يراها الحراس."
نظر زين لآسر، الذي أومأ برأسه مؤكداً. تنهد زين بعمق واقترب من حبيبة:
"ستكونين في السيارة المصفحة مع مروان، لن تنزلي منها إلا بأمري. هل هذا مفهوم؟"
هزت حبيبة رأسها بالموافقة، رغم أنها كانت تخفي في جيبها شيئاً لم يعرفه أحد.. "خريطة ورقية" مفصلة للمخارج السرية للمصنع.
في "برج الصمت"، كان الغراب يراقب تحركات زين عبر عملاء سريين. كان يعلم بلقاء العقرب، وكان يبتسم ببرود وهو يداعب ريشته السوداء.
"العقرب يظن أنه سيبيعني لزين.." قال الغراب لرجاله. "دعوه يذهب. أريدهم جميعاً في مكان واحد. الليلة، سنغلق كتاب 'زين الموت' وإلى الأبد."
المعركة النارية: جحيم مصنع الحديد
وصل زين إلى المصنع القديم عند منتصف الليل. كانت النيران المشتعلة في بعض براميل الزيت القديمة تعكس ظلالاً مرعبة على الجدران الصدئة. ظهر العقرب من خلف إحدى الماكينات الضخمة، وجهه المشوه يلمع تحت ضوء القمر.
"أهلاً بالزعيم،" قال العقرب بخبث. "ياسين موجود في الطابق العلوي من البرج، الغراب هناك مع عشرة من نخبة قناصته."
"أين المعلومات التي وعدتني بها عن مداخل البرج؟" سأل زين وهو يقبض على سلاحه.
وقبل أن يرد العقرب، انطلقت رصاصة قناص مجهولة أصابت كتف العقرب! سقط العقرب صامداً وهو يصرخ من الألم. لم تكن الرصاصة من رجال زين، بل كانت من رجال الغراب الذين كانوا يراقبون المكان من البداية.
"إنه فخ!" صرخ مروان عبر اللاسلكي.
في تلك اللحظة، انفجرت النوافذ العلوية للمصنع، وانهمر الرصاص كالمطر. تحول المصنع إلى ساحة حرب مدمرة. رعد كان يحصد المهاجمين بمدفعه الرشاش وهو يتقدم لتأمين زين، بينما كان مروان يشتبك في قتال متلاحم مع رجال العقرب الذين ظنوا أن زين هو من خانهم.
وسط هذا الجحيم، لمحت حبيبة من نافذة السيارة ياسين وهو يُسحب نحو الطابق الأعلى. وبحركة انتحارية، فتحت باب السيارة وركضت نحو ممر جانبي كانت تعرفه من خرائطها، متجاهلة صراخ مروان خلفها.
دخل زين إلى قلب المعركة، يطلق النار بيده اليسرى بدقة مذهلة رغم جرح يده اليمنى. وصل إلى العقرب الذي كان ينزف بغزارة ويحاول الزحف.
"الغراب.. لقد غدر بنا جميعاً.." قال العقرب وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، "إنه في.. القبو.. تحت البرج.. ليس بالأعلى.."
نظر زين للعقرب، رأى في عينيه ندم اللحظة الأخيرة، أو ربما مجرد رعب من الموت. وبطلقة واحدة من رجال الغراب المتربصين، انتهت حياة العقرب للأبد، ليسقط أول الأعداء في هذه الحرب الضروس.
"رعد! مروان! العقرب انتهى!" صرخ زين. "الهدف هو الغراب في القبو! حبيبة.. أين حبيبة؟!"
جاء صوت مروان مذعوراً: "لقد نزلت من السيارة يا زين! دخلت من الممر الغربي!"
استشاط زين غضباً وخوفاً. ركض نحو الممر الغربي وسط انفجارات تنير ليل المصنع. وفي القبو المظلم، كانت حبيبة قد وصلت بالفعل، لتجد الغراب يقف وأمامه ياسين المقيد، وبجانبه براميل من المتفجرات.
"أهلاً بالمهندسة،" قال الغراب وهو يرفع مسدسه نحوها. "لقد جئتِ لتكملي العرض."
وفجأة، تحطم الباب الفولاذي، ودخل زين كالإعصار، الدماء تغطي وجهه ومعطفه ممزق، لكن عينيه كانت تحملان الموت الحقيقي.
"اتركها يا غراب،" قال زين بصوت هادئ ومخيف. "العقرب مات، ورجالك يُسحقون في الأعلى. أنت وحدك الآن."
ضحك الغراب وهو يضع إصبعه على زر التفجير: "إذا متُّ أنا، سنذهب جميعاً. ياسين، حبيبة، وأنت.. مملكتك ستنتهي هنا."
كانت اللحظة متجمدة.. حبيبة تنظر لزين، وزين ينظر للغراب، وياسين يرتجف بينهما. فجأة، تحركت حبيبة بسرعة، ليست نحو ياسين، بل نحو لوحة التحكم الكهربائية التي كانت خلفها، وقامت بقطع الأسلاك التي درستها في المخططات، مما أدى لتعطيل صاعق المتفجرات لثانية واحدة.
في تلك الثانية، أطلق زين النار.
ثلاث رصاصات في صدر الغراب. سقط الغراب للخلف، وعيناه متسعتان من الذهول، ريشته السوداء طارت في الهواء لتسقط في بركة من دمائه.
مات الغراب.
ركض زين نحو حبيبة وياسين، فك قيود ياسين وحضن حبيبة بقوة وهي تبكي. المعركة في الأعلى بدأت تهدأ مع انسحاب بقايا المرتزقة بعد مقتل قادتهم.
خرج زين من المصنع المحترق وهو يحمل ياسين المصاب في يده، ويمسك بحبيبة باليد الأخرى. نظر للقصر البعيد، ثم نظر لرجاله رعد ومروان وآسر الذين كانوا يجمعون جثث الأعداء.
"انتهى الأمر.." همست حبيبة وهي تسند رأسها على كتف زين.
نظر زين إلى الأفق، حيث بدأ خيط الفجر الأول يظهر:
"لا يا حبيبة.. لقد قتلتُ العقرب والغراب، لكن الرؤوس الكبيرة التي كانت تحركهم لا تزال حية. الليلة أغلقنا حساباً قديماً، لكننا فتحنا أبواب الجحيم على 'المجلس الأعلى'."