خيوطُ العنكبوت.. ودموعُ العجز
عاد زين إلى القصر، لكنه لم يعد بطلاً منتصراً رغم إنقاذ نور وتطهير الفندق. كان يمشي بخطوات ثقيلة، وجرح يده قد انفتح تماماً ليلطخ معطفه باللون القرمزي القاتم. خلفه كان رعد ومروان ينكسون رؤوسهم، ففشلهم في حماية "ياسين" كان وصمة عار في عرف عائلة لا تقهر.
بمجرد دخوله الردهة، ركضت حبيبة نحوه، وجهها كان شاحباً وعيناها محتقنتان من البكاء. لم تنظر لجرحه هذه المرة، بل صرخت بصوت مزقه القلق:
"ياسين! أين أخي يا زين؟ أخبرني أنه معك.. أخبرني أنك وجدته!"
توقف زين أمامها، ولم يستطع النظر في عينيها. ساد صمت موحش لم يقطعه إلا صوت أنفاس رعد الثقيلة.
"لقد هرب من النافذة يا حبيبة.." قال زين بصوت منخفض ومحطم، "الغراب كان ينتظره بالخارج. لقد أخذه."
انهارت حبيبة على الأرض، وأطلقت صرخة مكتومة وهي تغطي وجهها بيديها. اقتربت منها ماما فاطمة وحضنتها بقوة، بينما كان زين يقف فوقها كتمثال من رخام، يشعر بالعجز لأول مرة في حياته. العجز الذي يذبح القادة أكثر من الرصاص.
"لماذا؟" همست حبيبة من بين شهقاتها، "لقد وثقتُ بك.. قلتَ لي إنه بأمان هنا! أخبرتني أنك تحمينا!"
نزل زين على ركبتيه أمامها، وبالرغم من ألم يده الذي لا يُطاق، أمسك بكتفها بيده السليمة:
"سأعيده يا حبيبة.. أقسم لكِ بعزة جلال الله، وبحياة كل من في هذا البيت، أنني سأعيد ياسين، وسأجعل الغراب يتمنى لو أنه لم يولد قط."
في هذه الأثناء، في "برج الصمت"، وهو مبنى مهجور يشرف على المدينة من أعلى نقطة، كان ياسين مقيداً إلى كرسي حديدي. لم يكن هناك ضرب أو تعذيب، بل كان الغراب يجلس أمامه بهدوء، يرتشف الشاي وينظر إليه بنظرة "الأب الحكيم".
"أنت شاب شجاع يا ياسين،" قال الغراب بنبرة ناعمة، "لكنك وضعت ثقتك في الشخص الخطأ. زين الموت هو سبب كل خرائب هذه المدينة. هل تعرف لماذا أخذتُك؟ ليس لأقتلك، بل لأحميك منه."
بصق ياسين على الأرض بصعوبة:
"أنت مجرم.. أختي قالت لي إنك شيطان يرتدي بدلة."
ضحك الغراب ببرود:
"أختك مسكينة، لقد سحرها زين بماله وقوته. هل تعرف أن زين هو من تسبب في حرق يديه في الميناء ليس لينقذ أحداً، بل ليثبت نفوذه؟ هو يستخدم الناس كدروع بشرية. انظر لي يا ياسين.. أنا سأعيدك لأختك، لكن بشرط واحد.. أن تساعدني في 'تطهير' المدينة من هذا الوباء."
كان الغراب يبدأ في غسل دماغ ياسين، مستغلاً كرهه الفطري لأسلوب حياة زين، ورغبته في حماية أخته.
بالعودة إلى القصر، تحول المكان إلى "غرفة عمليات" حربية. آسر لم يترك شاشاته، ومروان بدأ في استجواب كل من كان حول القصر.
"زين، وصلتنا رسالة.." قال آسر وهو يوجه الشاشة لزين.
كان مقطع فيديو قصيراً لياسين وهو جالس، والغراب يقف خلفه ويضع ريشة سوداء على كتفه. لم يكن هناك طلب فدية، فقط رسالة مكتوبة أسفل الفيديو: "العدل لا يحتاج لرصاص، يحتاج فقط لقرار. سلمنا 'مفاتيح الميناء' وصكوك ملكية الفندق، ونحن سنعيد لك 'اللعبة' التي فقدتها."
"يريد تدميري مالياً وتجريدي من نفوذي مقابل الولد،" قال زين وهو يضغط على قبضة يده حتى ابيضت مفاصله.
"لن تفعل ذلك يا زين!" صرخت نور، "إذا سلمت الميناء، ستدخل المخدرات والسموم للمدينة، وسنموت جميعاً!"
نظر زين نحو الغرفة التي تبكي فيها حبيبة، ثم نظر لإخوته:
"الغراب يظن أنه يملك الأوراق الرابحة. هو لا يعرف أنني عندما أفقد كل شيء، أصبح أخطر بكثير."
التفت لآسر وقال بلهجة حادة:
"آسر، تواصل مع العقرب."
صعق الجميع. رعد صرخ: "العقرب؟ لقد حاول قتل نور منذ ساعات!"
"العقرب حشرة طماعة،" قال زين بذكاء الشوارع، "والغراب يستخدمه كخادم. سأعرض على العقرب ما لا يمكنه رفضه.. سأعرض عليه رأس الغراب مقابل أن يخبرني بمكان ياسين. الخونة دائماً يبيعون من يشغلهم إذا كان الثمن مجزياً."
في وقت متأخر من الليل، تسلل زين لغرفة حبيبة. وجدها جالسة تنظر للقمر. لم يقل شيئاً، فقط جلس بجانبها.
"هل ستقتله؟" سألت حبيبة دون أن تلتفت إليه.
"من؟ الغراب؟"
"لا.. أقصد، هل ستضحي بأخي من أجل إمبراطوريتك؟"
أمسك زين وجهها بيده ووجهه نحوه، كانت عيناه تحملان صدقاً مرعباً:
"إمبراطوريتي بنيتها من أجل عائلتي.. وأنتِ الآن عائلتي. سأحضر ياسين، حتى لو كان الثمن أن أحرق القصر والفندق والميناء.. وحتى لو كان الثمن حياتي أنا."
في تلك اللحظة، رن هاتف زين. كان المتصل هو "العقرب".
"لقد وصلتني رسالتك يا زين الموت.. عرضك مغرٍ جداً. الغراب في 'برج الصمت'.. لكن احذر، فالفخ ليس لياسين فقط، بل لك أنت أيضاً."