أنيابُ العقرب.. واختبار الدم
انطلقت السيارات المصفحة من القصر كالسياط التي تشق سكون الليل. كان زين يجلس في المقعد الخلفي، يضغط بيده اليسرى على جرح يده اليمنى الذي بدأ ينزف من جديد بسبب المجهود المفاجئ، لكن عينيه كانتا كالجمر المشتعل. بجانبه كان رعد يلقم سلاحه ببرود مرعب، وفي السيارة الأخرى كان آسر يتابع حركة الكاميرات في الفندق عبر جهازه.
"آسر، أعطني تقريراً!" صرخ زين عبر اللاسلكي.
جاء صوت آسر متوتراً: "زين، العقرب لم يدخل من الأبواب الرئيسية. لقد استخدم ممرات الخدمة التي كانت تحت الترميم. مروان يشتبك معهم الآن في الطابق الثالث، لكن نور محاصرة في مكتب الحسابات.. والعقرب نفسه يقف أمام بابها!"
"أسرع يا رعد!" زأر زين، لتنطلق السيارة بسرعة جنونية متجاوزة كل إشارات المرور.
في هذه الأثناء، في الطابق الثالث من الفندق، كان الرصاص يمزق اللوحات الفاخرة والجدران الرخامية. مروان كان يقاتل بضراوة خلف طاولة استقبال مغلوبة، يطلق النار بدقة ليمنع رجال العقرب من التقدم.
أما عند باب مكتب الحسابات، فكان "العقرب" يقف بهدوء مخيف، يمسك بيده خنجراً طويلاً، وباليد الأخرى مسدساً كاتماً للصوت. ركل الباب بقوة ليجده مغلقاً من الداخل.
"نور.. اخرجي بهدوء،" قال العقرب بصوته الأجش والندبة في وجهه تتراقص بوعيد، "أنا لا أريد قتل زين الآن، أريد فقط أن أرى وجهه وهو يفقد أغلى ما يملك."
في الداخل، كانت نور تمسك بمسدسها الصغير بيد ترتجف، وهي تتصل بزين لكن الخط كان يشوش بسبب أجهزة التشويش التي وضعها العقرب. صرخت بقوة:
"لن تأخذني حية يا عقرب! زين سيحرق المدينة بمن فيها إذا لمست شعرة مني!"
ضحك العقرب وبدأ بوضع عبوة متفجرة صغيرة على قفل الباب:
"زين مشغول بجرح يده وبالجميلة الجديدة.. لقد نسيكم يا نور."
في تلك اللحظة، وصلت سيارات زين إلى ساحة الفندق. لم ينتظر زين توقف السيارة تماماً، بل قفز منها وهو يسحب مسدسه. انطلق نحو الداخل، ورعد يتبعه كظله، يحصدان أي مقاومة تقابلهما.
"رعد، خذ الدرج الأيمن! مروان، غطِّ الطابق الثاني!" أمر زين وهو يتجه نحو المصعد الخاص.
وصل زين إلى الطابق الثالث، ليجد مروان مصاباً في كتفه لكنه لا يزال يقاتل. أشار له زين بالبقاء مكانه، وتقدم هو وحده نحو الممر الطويل المؤدي لمكتب نور.
رأى العقرب يقف هناك، يوشك على تفجير الباب.
"عقرب!" صرخ زين بصوت هز أرجاء الممر.
التفت العقرب ببطء، وابتسامة المنتصر على وجهه:
"زين الموت.. جئت في موعدك. انظر ليدك.. تبدو مثيرة للشفقة."
"يدي المصابة تكفي لإرسالك للقبر الذي هربت منه،" قال زين وهو يصوب مسدسه نحو قلب العقرب.
"لا أعتقد ذلك،" رد العقرب وهو يشير نحو الباب المفخخ، "إذا أطلقت النار، سأضغط على جهاز التفجير، ونور ستذهب معك للجحيم. ضع سلاحك أرضاً يا زين."
في القصر، كانت حبيبة واقفة خلف نافذة غرفتها، تراقب الطريق بقلب يكاد يتوقف. وفجأة، سمعت صوتاً من الغرفة المجاورة. كان صوتاً خافتاً.. صوت تحطم زجاج.
ركضت نحو غرفة ياسين، لتجد الغرفة خالية، والنافذة محطمة، وحبلاً مصنوعاً من أغطية السرير يتدلى نحو الحديقة.
"ياسين! لا.. يا إلهي!" صرخت حبيبة برعب.
لقد استغل ياسين انشغال الجميع بالهجوم على الفندق ليهرب، ظناً منه أنه سيذهب لإنقاذ أخته أو إثبات شجاعته، لكنه لم يكن يعلم أن هناك ريشاً أسود كان ينتظره خلف أسوار القصر.
بينما كان ياسين يركض في الظلام مبتعداً عن القصر، توقفت أمامه سيارة سوداء صامتة. خرج منها رجل يرتدي معطفاً رمادياً، ويحمل في يده ريشة سوداء.
"أهلاً بك يا ياسين.. كنت أنتظرك منذ وقت طويل،" قال الغراب بهدوء مرعب.
بالعودة للفندق، كان التوتر قد وصل لذروته. زين يقف في مواجهة العقرب، والباب على وشك الانفجار.
"عد للثلاثة يا زين،" قال العقرب بخبث، "واحد.. اثنان.."
وفجأة، انفجر ممر الخدمة الجانبي! لم يكن رعد، بل كان آسر الذي استطاع التحكم في نظام الحريق وتفجير كبسولات الغاز لإحداث ضباب كثيف.
وسط الضباب، انطلق زين كالسهم، متجاهلاً ألم يده، وارتمى فوق العقرب قبل أن يضغط على الزر. اشتبكا في صراع جسدي عنيف. العقرب يحاول غرز خنجه في كتف زين، وزين يضغط بكل قوته بيده السليمة على رقبة العقرب.
"لقد انتهيت يا حشرة!" زمجر زين وهو يوجه ضربة قوية برأسه لوجه العقرب، مما جعله يترنح.
انفتح باب المكتب وخرجت نور وهي تطلق النار نحو رجال العقرب الباقين، بينما استطاع رعد تأمين الممر. هرب العقرب وهو ينزف، مختفياً في ممرات الخدمة المظلمة، صرخ وهو يهرب:
"لم ينتهِ الأمر يا زين! اسأل عن أخو الفتاة!"
توقف زين مكانه، وانقبض قلبه. التقط جهازه اللاسلكي:
"آسر! اتصل بالقصر فوراً! تأكد من وجود ياسين وحبيبة!"
بعد لحظات، جاء صوت آسر المرتجف:
"زين.. حبيبة بخير، لكن ياسين هرب.. والغراب ترك ريشة سوداء على سريره."
سقط المسدس من يد زين المضممدة. نظر لنور ورعد، وكان وجهه يحمل تعبيراً لم يروه من قبل.. تعبير الرجل الذي أدرك أن اللعبة الآن لم تعد عن المال أو السلطة، بل عن الأرواح التي بدأت تضيع منه.