رصاصة وياسمينة - أنيابٌ في الظل.. وصدام الأخوة - بقلم أحمد سعيد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: رصاصة وياسمينة
المؤلف / الكاتب: أحمد سعيد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: أنيابٌ في الظل.. وصدام الأخوة

أنيابٌ في الظل.. وصدام الأخوة

ساد وجوم ثقيل في ردهة القصر بعد كلمات زين القاسية لـ ياسين. كان الشاب الصغير يتنفس بسرعة، وعيناه تتنقلان بين أخته المذعورة وبين هذا الرجل الذي يقف أمامه بهيبة لا تُكسر رغم جرحه. "أنا لا أخاف منك يا زين!" صرخ ياسين وهو يحاول تحرير ذراعه من قبضة رعد. "أختي مهندسة محترمة، لا مكان لها وسط تجار السلاح والدماء." خطى زين خطوة واحدة نحو ياسين، مما جعل الشاب يتراجع لا إرادياً. نطق زين بصوت هادئ ومنخفض، وهو النوع الأخطر من أصواته: "احترام أختك هو ما أبقاك حياً حتى هذه اللحظة. رعد.. خذه إلى الغرفة العلوية وضع حراسة على بابه. لا أريد أن يخدش، لكن لا أريده أن يرى الشارع حتى أسمح أنا بذلك." "زين، أرجوك.. إنه متهور فقط،" تدخلت حبيبة وهي تمسك بذراع زين، لكنه لم يلتفت إليها، بل أشار لرعد بتنفيذ الأمر. سُحب ياسين وهو يصرخ ويتوعد، بينما بقيت حبيبة تنظر لزين بعتاب ممزوج بالخوف. قالت ماما فاطمة وهي تقترب من حبيبة وتضع يدها على كتفها: "اتركيه يا ابنتي.. زين يعلم ما يفعل. أخوكِ صغير ولا يدرك أن الذئاب لا تفرق بين المذنب والبريء. تعالي معي لنرتاح قليلاً." في تلك الأثناء، في مكان لا تصله الشمس، في مخبأ تحت الأرض يفوح برطوبة البحر، كان "العقرب" جالساً وأمامه خريطة لمدينة "زين". لم يكن وحده، بل كان معه رجل يرتدي بذلة رسمية أنيقة، مرسل من قِبل "الغراب". "زين منشغل الآن بتأمين القصر وحماية الفتاة،" قال مرسل الغراب ببرود. "هذه فرصتك يا عقرب لتستعيد هيبتك التي ضاعت في الميناء." ضحك العقرب ضحكة شوهاء، والندبة التي تشق وجهه تتقبض: "الغراب يريد اللعب بالسياسة والضغط النفسي.. أنا لا أفهم في هذه التفاهات. أنا أعرف شيئاً واحداً؛ زين الموت يحب إخوته، وإخوته هم نقاط ارتكازه. إذا سقط واحد، سقط الجميع. سأهجم على أضعف حلقة في السلسلة." "ومن هي أضعف حلقة؟" سأل الرجل. "ليس الإخوة المقاتلين.. بل 'نور'. هي الوحيدة التي تخرج للعلن يومياً لتدير الفندق. والآن، انضمت إليها تلك المهندسة. سأضرب عصفورين بحجر واحد، وسأجعل زين يركع ليطلب السماح." بالعودة إلى القصر، في وقت متأخر من الليل. كان زين يجلس في مكتبه، يراجع حسابات الفندق والتقارير الأمنية بيده اليسرى، بينما يده اليمنى المضممدة تستند على المكتب. دخلت حبيبة بهدوء وهي تحمل كوباً من الشاي المهدئ. وضعت الكوب أمامه وقالت بصوت خفيض: "ياسين رفض الأكل.. وهو غاضب جداً." لم يرفع زين عينيه عن الأوراق: "سيأكل عندما يجوع. الغضب رفاهية لا نملكها الآن يا حبيبة." تنهدت حبيبة وجلست على المقعد المقابل له: "زين.. هل تعتقد أننا سنظل هكذا للأبد؟ سجن خلف جدران فاخرة؟ ياسين له أحلام، وأنا كان حلمي أن أبني بيوتاً، لا أن أختبئ في أحدها." توقف زين عن الكتابة. رفع نظره إليها، وكان التعب قد رسم ظلالاً تحت عينيه: "أنا لا أسجنكِ.. أنا أشتري لكِ الوقت. العقرب لم يمت، والغراب بدأ يرسل ريشه الأسود في كل مكان. إذا خرجتِ الآن، فأنا لا أضمن عودتكِ." "ولماذا تهتم؟" سألت حبيبة فجأة بجرأة لم تتوقعها من نفسها. "لماذا تخاطر بيدك وبسمعتك وبحياتك من أجلنا؟" ساد صمت عميق، لم يقطعه إلا صوت عقارب الساعة الكبيرة في المكتب. اقترب زين بجسده نحوها، وبدت ملامحه أكثر ليونة تحت ضوء المصباح الخافت: "لأنكِ أول شيء نظيف يلمس حياتي منذ سنوات طويلة يا حبيبة. ولأنني اكتشفت أن بناء قصر لتعيش فيه امرأة مثلك، أهم عندي من هدم قصور أعدائي." احمرّ وجه حبيبة وارتبكت، لم تكن هذه كلمات "زين الموت" التي تسمع عنها، كانت كلمات رجل بدأ قلبه ينبض بعد تجمد طويل. وقبل أن ترد، انفتح الباب فجأة ودخل آسر وهو يحمل جهازاً لاسلكياً يشوش بقوة. "زين! هناك خرق أمني في الفندق! مروان يقول إن مجموعة مسلحة تابعة للعقرب شوهدت تقترب من المداخل الخلفية.. واللعنة! 'نور' لا تزال هناك، لقد تأخرت في مراجعة حسابات الرواتب!" انتفض زين من مقعده، متجاهلاً ألم يده: "العقرب؟ هل عاد هذا الحشرة للظهور؟ رعد! آسر! جهزوا السيارات. حبيبة، ابقي هنا بجانب ماما فاطمة ولا تتحركي مهما حدث." "زين، يدك!" صرخت حبيبة وهي تراه يسحب سلاحه ببراعة رغم الإصابة. التفت إليها عند الباب وقال بكلمات قاطعة: "يدي تكتفي بضغط الزناد.. وهذا كل ما أحتاجه الآن." انطلقت السيارات من القصر كطلقات الرصاص، مخلفة وراءها غباراً وقلقاً ينهش قلب حبيبة. لم تكن تعلم أن العقرب هذه المرة لم يذهب للفندق ليقتل.. بل ذهب ليختطف.