رصاصة وياسمينة - جدرانُ الحصن.. وزائرُ الفجر - بقلم أحمد سعيد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: رصاصة وياسمينة
المؤلف / الكاتب: أحمد سعيد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: جدرانُ الحصن.. وزائرُ الفجر

جدرانُ الحصن.. وزائرُ الفجر

أشرقت شمس الصباح على قصر "آل زين" كما يلقبونه في الحي، لكنه لم يكن صباحاً عادياً. استيقظت حبيبة على صوت زقزقة العصافير في الحديقة الواسعة، ورائحة خبز طازج تنبعث من الطابق السفلي. نظرت حولها في الغرفة الفاخرة؛ كل شيء هنا كان ينم عن ذوق رفيع وقوة هادئة. نزلت حبيبة الدرج بتردد، لتجد ماما فاطمة في المطبخ الكبير، تشرف على إعداد الفطور. كانت فاطمة ترتدي ثوباً من الكتان المريح، ووجهها يشع بطيبة غريبة لا تتناسب مع عالم السلاح الذي تعيش فيه. "صباح الخير يا ابنتي.. هل نمتِ جيداً؟" سألت فاطمة بابتسامة وهي تضع طبقاً من الفطائر الساخنة. "صباح النور يا طنط.. نعم، المكان هادئ جداً هنا، شكراً لكِ على ضيافتك." "نادي لي 'ماما فاطمة' يا حبيبة، فكل من في هذا البيت أولادي. زين لا يزال نائماً، الطبيب أعطاه مهدئاً قوياً ليتمكن من تحمل ألم الحرق." في تلك اللحظة، دخل رعد وآسر. رعد كان يرتدي ملابسه الرياضية ويبدو عليه الإرهاق، بينما كان آسر ممسكاً بجهازه اللوحي كالعادة. رحبوا بحبيبة بوقار، وجلسوا جميعاً حول المائدة الكبيرة. سألت حبيبة باهتمام: "آسر.. هل هناك أخبار عن الغراب؟" توقف آسر عن الأكل ونظر إليها بجدية: "الغراب اختفى تماماً من الميناء، لكنه ترك رسائل مشفرة في 'الشبكة المظلمة'. هو لا ينوي التوقف، وحادثة الميناء كانت مجرد جس نبض لزين. الغراب يريد شيئاً أكبر من الشحنات، يريد 'السيطرة المطلقة'." في منتصف النهار، استيقظ زين. خرج من غرفته وهو يلف كتفه بوشاح، ويده اليمنى مغطاة بضمادة نظيفة. كانت ملامحه حادة لكن عينيه كانت تبحث عن شيء ما.. أو شخص ما. حين رأى حبيبة تجلس في الحديقة مع نور، توجه نحوهما ببطء. "كيف حال يدك اليوم؟" سألت حبيبة وهي تقف بمجرد رؤيته. "أفضل.. بفضل 'نصيحتك الهندسية' وبفضل دعوات أمي،" قال زين بصوت هادئ وهو يجلس بجانبهما، "حبيبة، لقد تم نقل والدتكِ وأخيكِ ياسين إلى الشقة المؤمنة التي أخبرتكِ عنها. ياسين كان معترضاً في البداية، لكن مروان أقنعه." تغيرت ملامح حبيبة: "ياسين شاب متهور يا زين، هو لا يفهم معنى العصابات والغراب.. أخاف أن يفعل شيئاً يورط نفسه ويورطك." "لا تقلقي.. ياسين الآن تحت حماية رعد الشخصية. لكن هناك زائر سيأتي اليوم، وأريدكِ أن تكوني موجودة." في المساء، وصلت سيارة سوداء فخمة. نزل منها رجل في الخمسينيات من عمره، يرتدي بدلة رسمية غالية الثمن، وبدا عليه الوقار الشديد. كان هذا هو "اللواء جلال"، أحد كبار المسؤولين الذين تربطهم بزين علاقة قديمة ومعقدة. اجتمعوا في مكتب زين الخاص. كان اللواء جلال ينظر إلى زين بأسى: "لقد تماديت هذه المرة يا زين. المواجهة في الميناء وصلت أصداؤها لجهات عليا. الغراب ليس مجرد مجرم، إنه مدعوم من 'المجلس الأعلى' الذي يريد تنظيف المدينة من نفوذك ليزرعوا رجالهم." رد زين ببرود وهو يشعل سيجارة بيده اليسرى: "المدينة كانت غابة قبل أن أنظمها يا سيادة اللواء. الغراب ورجاله يريدون الفوضى ليتمكنوا من السرقة. أنا أحمي المصالح، وأحمي الناس." "ولكنهم يملكون ملفات ضدك يا زين.. ملفات قد تنهي إمبراطوريتك في ليلة واحدة. وهم يعرفون الآن أن هناك 'نقطة ضعف' جديدة في حياتك.." نظر اللواء نحو الباب حيث كانت حبيبة تقف بالصدفة لتجلب القهوة. خرج اللواء، وبقي زين وحبيبة وحدهما في المكتب. ساد صمت ثقيل، حتى قطعه زين: "سمعتِ ما قاله اللواء؟" "سمعت.." قالت حبيبة بصوت مرتعش، "أنا نقطة ضعفك يا زين؟ لماذا؟ أنا مجرد مهندسة دخلت حياتك بالصدفة." اقترب زين منها، ورغم جرحه، كانت هيبته تملأ المكان. نظر في عينيها بعمق لم تره من قبل: "في عالمي، الصدفة هي القدر يا حبيبة. الغراب يعرف أنني لا أهتم بالمال أو السلطة بقدر ما أهتم بمن أحب. وجودك هنا جعل قلبي في متناول يدهم.. وهذا ما يجعلكِ أغلى وأخطر شيء أملكه." لم تستطع حبيبة الرد، فمشاعرها كانت تتخبط بين الخوف من هذا العالم وبين الانجذاب لهذا الرجل الذي يرى فيها "قلبه". في تلك الليلة، وبينما كان القصر يغط في نوم عميق، تسلل شخص ما عبر الأسوار الخلفية. لم يكن من رجال الغراب، بل كان شاباً صغيراً، يحمل حقيبة ظهر ويبدو عليه التوتر الشديد. كان هو "ياسين"، أخو حبيبة. لقد هرب من الحراسة وأتى ليبحث عن أخته، لكنه لم يكن يعلم أن القصر مرصود من كل جانب. وفجأة، أحاطت به الأضواء الكاشفة من كل مكان، وظهر رعد من خلفه وهو يمسك بياقته: "إلى أين يا بطل؟ هل تظن أن قصر زين الموت نزهة؟" استيقظ الجميع على صوت الضجة. نزلت حبيبة وزين بسرعة. حين رأت حبيبة أخاها بين يدي رعد، صرخت: "ياسين! ماذا تفعل هنا؟" "أتيت لآخذكِ من هذا المكان يا حبيبة! هؤلاء مجرمون، والبيت الذي نعيش فيه الآن سجن!" صرخ ياسين بغضب. نظر زين إلى ياسين ببرود، ثم نظر إلى رعد: "اتركه يا رعد.. إنه لا يعرف مع من يتحدث." ثم التفت لياسين وقال بصوت حاد كالسيف: "يا ياسين.. الشارع الذي هربت منه الآن، كان فيه ثلاثة قناصة ينتظرون خروج أي شخص من هذا القصر ليقتلوه. لولا رجالي، لكان رأسك الآن تحت عجلات سيارة الغراب. إذا أردت أن تكون رجلاً، فتعلم أولاً من هو عدوك." حبس الجميع أنفاسهم، بينما كان ياسين ينظر لزين بتحدٍ ممزوج بالخوف.