رصاصة وياسمينة - ضريبة النُبل.. واقتحام العرين - بقلم أحمد سعيد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: رصاصة وياسمينة
المؤلف / الكاتب: أحمد سعيد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: ضريبة النُبل.. واقتحام العرين

ضريبة النُبل.. واقتحام العرين

كان الفجر يزحف ببطء مستحيًا فوق سماء المدينة، حين وصلت سيارة زين إلى مدني القصر. لم تكن الأضواء مطفأة، فـ "ماما فاطمة" لا تنام حتى يعود "أولادها". ترجل رعد وآسر من السيارة، يسندان زين الذي كان يرفض بشدة أن يظهر بمظهر العاجز، رغم أن لون وجهه أصبح كغسق الشتاء، ويده اليمنى كانت تنبض بألم يمزق أعصابه. "زين.. دعنا نذهب للمستشفى، الجرح عميق والنزيف لم يتوقف تماماً،" قال آسر بنبرة قلقة وهو يمسك بذراع أخيه. رد زين بصوت أجش ومتقطع: "لا.. ماما فاطمة ستنهار إذا رأت سيارات الإسعاف. ادخلوا بهدوء، ورعد.. اطلب طبيبنا الخاص فوراً ليأتي من الباب الخلفي." داخل القصر، كان الصمت يسيطر على الردهة الواسعة، حتى دخلوا. لم تمضِ ثوانٍ حتى ظهرت فاطمة من ممر الغرف، قلبها كان قد سبق قدميها. نظرت إلى يد زين المضممدة بالدماء، فشهقت ووضعت يدها على صدرها: "يا ويلي.. زين! ماذا فعلت بنفسك يا ولدي؟" ابتسم زين بوهن وهو يجلس على الأريكة الكبيرة: "خدش بسيط يا أمي.. لا تقلقي، شاكر بخير والشحنة وصلت." اقتربت فاطمة منه، ودموعها تنهمر بصمت وهي تلمس وجهه الشاحب: "أنت تبيع نفسك بالقطارة من أجلنا جميعاً.. بارك الله فيك وحفظك من كل سوء." في هذه الأثناء، في الطرف الآخر من المدينة، كانت حبيبة تجلس في شرفتها الصغيرة، تلتحف بمعطفها وتراقب الشارع الخالي. لم تستطع النوم. كلمات آسر عن إصابة زين كانت ترن في أذنيها كالجرس. "زين أصيب في يده". كانت تعلم أن الإصابة ليست عادية، فالرجل الذي يغامر بحياته فوق رافعة مهتزة لن يصاب بجرح طفيف. قامت حبيبة بحزم، ارتدت حجابها وسترتها، وقررت فعل شيء مجنون. لم تتصل بنور، بل اتصلت بـ "مروان" الذي كانت تملك رقمه منذ حادثة الفندق. "مروان.. أنا أريد أن أرى زين. الآن." "حبيبة؟ هل جننتِ؟ الساعة الرابعة فجراً، وزين في حال لا تسمح.." "مروان، أنا التي أخبرته بسحب الصمام، وأنا التي تسببت في حرق يده بشكل غير مباشر. لن أنام حتى أطمئن عليه. أرسل لي سيارة، أو سآتي سيراً على الأقدام." شعر مروان بصدق نبرتها وكبريائها الذي يشبه كبرياء زين: "حسناً يا حبيبة.. سيارة ستكون عندك خلال عشر دقائق. لكن احذري.. القصر له حرمة، وزين لا يحب أن يراه أحد في لحظات ضعفه." بعد نصف ساعة، كانت حبيبة تقف أمام البوابة الحديدية الضخمة للقصر. شعرت بالرهبة وهي تدخل هذا الحصن المنيع لأول مرة. رائحة البخور والهدوء المهيب جعلتها تشعر أنها في عالم آخر. استقبلها مروان عند الباب وأشار لها بالصمت، ثم قادها نحو غرفة المعيشة الكبيرة. هناك، رأت المشهد الذي لم تتخيله قط. زين الموت، الرجل الصخري، كان جالساً مغمض العينين، والطبيب يقص الضمادات الملتصقة بدمائه، بينما ماما فاطمة تمسك يده اليسرى وتقرأ آيات من القرآن بصوت خفيض. توقفت حبيبة عند مدخل الغرفة، وشعرت بغصة في حلقها حين رأت يده؛ كانت محترقة تماماً، والجلد ممزقاً بفعل احتكاك الفولاذ. شهقت حبيبة دون قصد، ليلتفت الجميع نحوها. فتح زين عينيه ببطء. كان التعب بادياً عليهما، لكن بريقهما الحاد لم يختفِ. نظر إليها بذهول: "حبيبة؟ ما الذي أتى بكِ إلى هنا وفي هذا الوقت؟" تقدمت حبيبة بخطوات مرتجفة حتى وقفت أمام أريكته، وتجاهلت نظرات رعد وآسر المستغربة. نظرت ليده ثم نظرت لعينه وقالت بصوت مخنوق: "أتيت لأرى نتيجة نصيحتي الهندسية.. لماذا فعلت ذلك يا زين؟ لماذا لم تترك الرجل؟ يدك قد لا تعود كما كانت!" حاول زين الابتسام رغم الألم، ونظر لماما فاطمة التي كانت تتأمل حبيبة بنظرات فاحصة وحنونة. قال زين: "المهندس الشاطر يعرف أن هناك أجزاء في الماكينة لا يمكن تعويضها.. والكرامة هي ذلك الجزء يا حبيبة. لو تركت شاكر يسقط، لم تكن يدي لتؤلمني، بل كان قلبي هو الذي سيحترق." هنا، تدخلت ماما فاطمة، ونهضت لتمسك يد حبيبة: "أهلاً بكِ يا ابنتي.. أنا فاطمة. لا تلوميه، هو خُلق ليكون درعاً للآخرين. تعالي يا حبيبة، اجلسي بجانبه، وجهكِ أصفر من التعب والقلق." جلست حبيبة بجانب زين، ولأول مرة، لم يكن هناك فندق ولا حراسة ولا رسميات. كان هناك فقط رجل مجروح وفتاة ممتنة. بدأت ماما فاطمة تتحدث مع حبيبة عن عائلتها وعن الهندسة، محاولة تلطيف الأجواء، بينما كان الطبيب ينهي تضميد الجرح. "زين.." همست حبيبة وهي تنظر ليده المضممدة بياض ناصع، "أنا آسفة." نظر إليها زين بعمق، ولأول مرة مد يده اليسرى (السليمة) ووضعها فوق يدها المرتجفة على طرف الأريكة: "لا تتأسفي.. أنتِ من أعطيتِني الوسيلة لأنقذ روحاً دون أن أزهق روحاً أخرى. الليلة، بفضلكِ، نامت عائلة شاكر وهي تعلم أن والدهم سيعود. وهذا يكفيني." ساد صمت دافئ في الغرفة، قطعته فاطمة وهي تقول: "حبيبة ستبيت معنا الليلة يا زين، الوقت متأخر والطريق غير آمن، وغرف القصر كثيرة." ترددت حبيبة، لكن زين ضغط برفق على يدها وقال: "اسمعي كلام أمي يا حبيبة.. القصر اليوم هو المكان الوحيد الذي سأشعر فيه أنكِ بأمان حقاً." في تلك الليلة، نامت حبيبة في غرفة فاخرة تطل على حديقة القصر، لكنها ظلت تفكر في "ماما فاطمة" وكيف حولت هذا الرجل المرعب إلى طفل بين يديها. وفي الغرفة المجاورة، كان زين ينظر للسقف، وبالرغم من الألم الذي ينهش يده، إلا أنه كان يشعر براحة غريبة.. فـ "حبيبة" الآن تنام تحت سقفه، وهذا كان أكبر انتصار حققه في تلك الليلة. لكن بعيداً عن القصر، في مكان مهجور، كان الغراب يضمد جرحاً في وجهه أصيب به أثناء الهروب، ويقول لرجاله: "زين أدخل الفتاة لقصره.. لقد كشف لنا عن نقطة ضعفه القاتلة. استعدوا.. فالهجوم القادم لن يكون على الميناء، بل على قلب البيت."