رصاصة وياسمينة - رقصة الفولاذ.. وعمودُ الملح - بقلم أحمد سعيد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: رصاصة وياسمينة
المؤلف / الكاتب: أحمد سعيد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: رقصة الفولاذ.. وعمودُ الملح

رقصة الفولاذ.. وعمودُ الملح

كانت النسمات البحرية في رصيف الميناء رقم 9 قد تحولت إلى رياح عاتية تلطم وجوه الرجال وتجعل الأقمشة المشمعة فوق الحاويات تصدر أصواتاً تشبه طلقات الرصاص. وقف زين في مواجهة الرافعة العملاقة التي كانت تبدو في الظلام كوحش حديدي من عصور ما قبل التاريخ. عيناه لم تتحركا عن "الأستاذ شاكر" المعلق كذبيحة في الهواء، يترجح مع الرياح، وصيحاته المكتومة خلف الشريط اللاصق تضيع في صخب الموج. "رعد.. لا تتحرك إلا بإشارتي." همس زين في اللاسلكي وهو يبدأ في تسلق السلم المعدني الأول. كانت يداه تقبضان على القضبان الباردة، وفي كل خطوة كان يشعر بمدى هشاشة الموقف. على الجانب الآخر، داخل الفندق، كانت الأجواء لا تقل توتراً. حبيبة كانت تجلس في مكتب نور، وأمامها خرائط الميناء الهندسية التي استخرجها آسر من قاعدة بياناته. كان صوت آسر يأتي عبر مكبر الهاتف، لاهثاً، وهو يصف ما يراه عبر الكاميرات الحرارية: "زين بدأ التسلق.. لكن اللعنة! الغراب ليس وحده، هناك قناص في البرج الشمالي، ورعد لا يستطيع كشفه بسبب زاوية الرؤية." انتفضت حبيبة، اقتربت من الهاتف وصرخت: "آسر! انظر إلى المخطط (B-104) الخاص بالرافعة. هناك محرك طوارئ يعمل بالضغط الهيدروليكي، الغراب يتحكم في البكرة الرئيسية، لكنه لا يستطيع التحكم في 'صمام الأمان اليدوي'. إنه يقع في نهاية المنصة الثالثة، لون المقبض أحمر. إذا سحبه زين، سيتجمد الحبل في مكانه ولن يسقط شاكر حتى لو انفجر المحرك!" بالعودة للميناء، وصل زين للمنصة الثالثة. كان جسده معلقاً بين السماء والأرض. وفجأة، انبعث صوت الغراب عبر مكبرات الصوت، لكنه هذه المرة كان قريباً.. خلفه مباشرة. "توقيت مثالي يا زين.." التفت زين ببطء، ليجد الغراب يقف على جسر مشاة موازٍ للرافعة، يمسك بجهاز تحكم صغير في يده، والابتسامة على وجهه لم تكن ابتسامة بشر، بل كانت قناعاً من الجليد. "الغراب.." نطق زين الاسم بصوت يحمل وعيداً يتجاوز حدود البشر، "أنت تضيع وقتك. شاكر لن يموت الليلة." ضحك الغراب وهو يضغط على زر صغير في جهازه، ليبدأ الحبل في الارتخاء ببطء مرعب: "شاكر هو مجرد 'طُعم' يا زين. أنا أريد أن أرى كيف سيتصرف القائد العظيم عندما يضطر للاختيار بين يديه وبين حياة رجل عجوز. انظر للأسفل.. رعد ومروان محاصرون، وأنت هنا وحدك، بلا مخالب." لم ينطق زين بكلمة. كانت عيناه تتفحصان المنصة كما أخبرته حبيبة عبر آسر. "صمام الأمان الأحمر". كان هناك، خلف صندوق التروس، يبعد عنه مسافة قفزة انتحارية. "آسر! هل تسمعني؟" همس زين. جاء صوت آسر المتقطع: "نعم يا زعيم.. حبيبة تقول اسحب الصمام فوراً!" في تلك اللحظة، ضغط الغراب على زر "التحرير الكلي". صرخ شاكر صرخة مكتومة وهو يهوي بسرعة البرق نحو الأرض. لم يفكر زين مرتين، ألقى بجسده في الهواء، لم يكن يهدف للإمساك بشاكر، بل للإمساك بالحبل نفسه! قبض زين على الحبل الفولاذي الخشن بيديه العاريتين. أصدر الحبل صوتاً مرعباً وهو يحتك بجلده، بدأت الدماء تسيل فوراً، واشتعلت أعصابه بنيران لا تحتمل. كان الحبل ينسحب ويأخذ معه قطعاً من لحم يده، لكن زين لم يفلته. استند بقدميه على حافة الرافعة، وبكل ما أوتيت من قوة يائسة، دفع جسده نحو الصمام الأحمر وركله بقدمه اليمنى بكل قوته. طق! صوت ميكانيكي حاد تردد صداه في الميناء. توقفت البكرة تماماً. شاكر كان يبعد عن الرصيف الإسمنتي مسافة ذراع واحدة فقط، يترنح في الهواء وهو مغمى عليه من الرعب. سقط زين على المنصة الحديدية، يلهث بجنون، يده كانت عبارة عن كتلة من الدماء واللحم الممزق. نظر نحو الغراب، الذي كان يقف بذهول لم يعهده. لم يكن يتوقع أن أحداً قد يضحي بسلامة يديه الدائمة من أجل مدير ميناء بسيط. "أنت.. أنت مجنون يا زين،" قال الغراب وهو يتراجع للخلف، "لقد أفسدت يدك من أجل لا شيء." "أفسدتها لأعلمك أنني لا أترك رجالي.." قال زين بصوت يخرج من أعماق جحيمه الشخصي، "والآن.. حان وقت الحساب." انطلقت رصاصة قناص من بعيد، أصابت الحديد بجانب رأس الغراب. كان مروان قد حدد موقع القناص المعادي وصفّاه، وبدأ رعد في التقدم كالإعصار نحو الرصيف. في الفندق، كانت حبيبة ونور في حالة من الصمت المطبق، حتى جاء صوت آسر عبر الهاتف: "لقد فعلها.. زين أنقذ شاكر. الصمام عمل يا حبيبة! زين أصيب في يده.. لكنه حي." انهمرت الدموع من عيني حبيبة دون إرادتها. لم تكن دموع فرح فقط، بل كانت دموع إدراك.. إدراك أنها أصبحت مرتبطة بهذا الرجل برباط أقوى من العمل. هي من أعطته المفتاح لينقذ الروح، وهو من دفع الثمن بدمه. انتهت المعركة بانسحاب رجال الغراب تحت غطاء دخاني كثيف. نزل زين من الرافعة، كان وجهه شاحباً، ويده يلفها رعد بقطعة قماش ملطخة بالدماء. نظر زين إلى الحاويات التي تحمل الأدوية، ثم نظر إلى شاكر الذي كان رجال الإسعاف الخاصين بالعصابة يسعفونه. "خذوا شاكر للمستشفى الخاص بنا.." قال زين وهو يترنح قليلاً، "آسر.. اتصل بنور. قل لها أن تأخذ حبيبة لمنزلها الآن.. ولا تخبرها بمدى سوء جرحي." ركب زين السيارة، وبينما كان يغمض عينيه من الألم، تذكر صوت حبيبة وهي تشرح مكان الصمام عبر آسر. ابتسم ابتسامة خفيفة، ونظر إلى يده المضممدة: "يبدو أن المهندسة بدأت تبني جسوراً في قلبي، لا في الفندق فقط."