رصيف رقم 9.. وبرودة الغراب
كان الميناء في هذا الوقت من الليل يشبه المقبرة؛ حاويات ضخمة مكدسة فوق بعضها كالتوابيت، وصوت ارتطام أمواج البحر بالأرصفة الإسمنتية يصدر دوياً رزيناً يزيد من وحشة المكان. وصل زين بسيارته، وخلفه سيارتان تحملان رعد وآسر. لم تكن هناك أضواء سوى كشافات الميناء البعيدة التي تترنح مع الرياح.
ترجل زين من السيارة، كان معطفه الطويل يرفرف خلفه وهو يتقدم نحو مروان الذي كان يقف خلف حاوية زرقاء، ممسكاً بمنظاره الليلي.
"أين هم؟" سأل زين بصوت خفيض.
أشار مروان نحو الرصيف التاسع: "الشحنة هناك، محاطة برجال يرتدون زي أمن الميناء، لكنهم ليسوا أمن الميناء يا زين.. حركتهم، وقفتهم، وتوزيعهم يوحي بأنهم مرتزقة محترفون. والغراب.. الغراب لم يظهر وجهه بعد، لكن ريشته السوداء كانت معلقة على باب مكتب الجمارك."
تقدم زين بضع خطوات في الظل، وعيناه تمسحان المكان بدقة الصقر. لم يكن يريد "مجزرة" هذه المرة، فالشحنة تحتوي على أدوية ومعدات حساسة للمستشفى الخيري الذي يموله سرًا، وأي رصاصة طائشة قد تدمر كل شيء.
"رعد.. آسر.." نادى زين إخوته ببرود، "رعد، أريدك أن تلتف من خلف الحاويات وتقطع عليهم طريق التراجع. آسر، ادخل على نظام كاميرات الميناء وعطل تسجيلاتهم.. أريد أن نكون أشباحاً الليلة."
في هذه الأثناء، في "ليكلات بالاس"، كانت نور تجلس مع حبيبة في جناح خاص. كانت نور تحاول تهدئة حبيبة التي كانت تمسك بدفتر رسوماتها بقلق.
"لا تقلقي يا حبيبة، زين ورجاله مروا بأصعب من هذا بكثير." قالت نور وهي ترتشف قهوتها ببرود اعتادته من سنوات الخطر.
نظرت حبيبة إليها وسألت: "نور.. هل تشعرين بالخوف عليه دائماً؟ أقصد.. كيف تعيشون هكذا وكل ليلة قد تكون الأخيرة؟"
ابتسمت نور مرارة: "في البداية كنتُ أبكي كلما خرجوا. لكن زين علمني شيئاً.. قال لي إن الخوف هو السجن الوحيد الذي لا قضبان له. نحن لا نعيش لننتظر الموت، نحن نعيش لنجعل الموت يخاف منا."
فتحت حبيبة دفترها وأرت نور الرسمة التي كانت تعمل عليها: "نور، أثناء معاينتي لخرائط الفندق، وجدت أن الممر الذي يؤدي للمخازن الخلفية فيه ثغرة هندسية. أي شخص يعرف في المعمار يمكنه تفجير جدار معين ليسقط المبنى جزئياً ويغلق المداخل. يجب أن نخبر زين ليقوي هذا الجدار."
نظرت نور للرسمة بذهول: "أنتِ لم تكتفي بكونك مهندسة.. أنتِ بدأتِ تفكرين كعضو في العصابة يا حبيبة."
بالعودة إلى الميناء، بدأت العملية.
تحرك زين بهدوء يحبس الأنفاس. وفجأة، انبعث صوت هادئ عبر مكبرات الصوت الخاصة بالميناء، صوت واثق، مثقف، وبارد جداً.
"أهلاً بك يا زين.. كنت أعلم أنك لن تتأخر عن 'واجبك الخيري'."
توقف زين في مكانه. كان هذا صوت الغراب.
"اظهر يا غراب.." رد زين وهو يخرج مسدسه ببطء، "لا أحب التحدث مع الأشباح عبر الميكروفونات."
ضحك الغراب ضحكة خفيفة: "الأشباح هم من تصنعهم أنت بيدك يا زين. انظر إلى الرافعة رقم 4."
رفع زين عينه، ليرى رجلاً معلقاً من قدميه فوق الهاوية، كان هو مدير الميناء، الرجل الذي سهل لزين دخول الشحنات الخيرية لسنوات.
"الغراب يقتل بالصمت، تذكر ذلك.." استمر الصوت، "الشحنة ملكك، يمكنك أخذها. لكن الثمن هو حياة هذا الرجل.. أو، يمكنك تركه يسقط وتأخذ أدويتك. الخيار لك؛ هل ستكون 'المجرم' الذي يضحي بالأبرياء من أجل أهدافه، أم 'البطل' الذي يخسر كل شيء لإنقاذ شخص واحد؟"
كانت هذه هي لعبة الغراب؛ ضرب صورة زين أمام نفسه وأمام إخوته.
تصلبت يد زين على السلاح. رعد ومروان كانوا ينتظرون الإشارة لإطلاق النار، لكن زين رفع يده ليوقفهم. كان يعلم أن أي تحرك خاطئ سيعني سقوط الرجل وموته فوراً.
"آسر! هل تستطيع التحكم في الرافعة؟" همس زين في اللاسلكي.
جاء رد آسر متوتراً: "النظام مشفر بتشفير عسكري يا زين.. أحتاج خمس دقائق على الأقل."
"ليس لدينا خمس دقائق!" رد زين بصوت مكتوم.
ثم، وبحركة انتحارية، وضع زين مسدسه في غمده، وبدأ يركض نحو السلم الحديدي للرافعة تحت أنظار رجال الغراب الذين لم يطلقوا النار.. فالغراب أراد أن يرى "العرض" حتى النهاية.
بينما كان زين يتسلق، كان الغراب يراقبه من نافذة مكتب بعيد، ويقول لنفسه: "اركض يا زين.. كلما ارتفعت أكثر، كان سقوطك أجمل."
في تلك اللحظة، وفي الفندق، شعرت حبيبة بانقباض في قلبها. لم تكن تعلم ما يحدث في الميناء، لكنها شعرت أن زين في خطر لم يواجهه من قبل. أمسكت بقلمها وكتبت في طرف الصفحة: "كن بخير يا زين.. فالعالم بدون قسوتك النبيلة سيكون مكاناً مظلماً جداً."