شروخ في الصمت.. وبداية العاصفة
مرت ثلاثة أيام على حصار الفندق، كانت المدينة خلالها تغلي تحت السطح، لكن بالنسبة لـ حبيبة، كانت هذه الأيام هي الأكثر غرابة في حياتها. لم تعد تعود إلى منزلها المتواضع إلا بحراسة مشددة يوفرها الفندق، وأصبح "زين" يفرض وجوده في تفاصيل يومها دون أن يقتحم خصوصيتها بشكل فج، كأنه ظل يحميها من بعيد.
في صباح يومٍ شتويٍ هادئ، كانت حبيبة تجلس في مكتبها الجديد بـ "L'Éclat Palace"، تراجع مخططات ترميم الطابق الذي تضرر من الانفجار. كانت تحاول جاهدة التركيز، لكن صورة زين وهو يطلق النار ببرود أمامها لا تفارق مخيلتها. فجأة، انفتح الباب دون استئذان. دخل "آسر"، الأخ الذي يمثل "عقل" الإمبراطورية ومحلل بياناتها.
كان آسر يرتدي نظارته الطبية ويحمل جهازاً محمولاً، جلس بهدوء وقال بنبرة مثقفة ورزينة:
"زين أخبرني أنكِ بارعة في الهندسة المعمارية، لكنني جئت لأرى إن كنتِ بارعة في 'الهندسة البشرية' أيضاً. مروان لا يتوقف عن الحديث عن شجاعتكِ وكيف أنقذتِ حياته."
ابتسمت حبيبة بخجل يشوبه القلق:
"كان تصرفاً تلقائياً يا آسر، لم أفكر في العواقب، كنت فقط أحاول منع وقوع كارثة."
هز آسر رأسه ببطء، وعيناه تفحصان ردود فعلها:
"في عالمنا، التلقائية هي ما يبقيكِ حية. زين يثق بكِ، وهذا أمر نادر جداً. هل تعرفين أن زين لا يثق في 'الغرباء' بسهولة؟ لقد علمتنا الشوارع أن اليد التي تمتد إليك قد تحمل خنجراً خلف ظهرها."
سألت حبيبة بفضول وهي تغلق مخططاتها:
"هل هذا هو السبب الذي يجعل زين يكره الخيانة بهذا الشكل؟ وكأنها عدوه الشخصي الأول؟"
تنهد آسر وأسند ظهره للمقعد:
"الخيانة بالنسبة لزين هي الوباء الذي دمّر طفولته. نحن الأربعة؛ هو ورعد ومروان وأنا، تعاهدنا أسفل كوبري متهالك أن نكون جداراً واحداً. مروان هو العين، رعد هو الدرع، أنا العقل.. وزين؟ زين هو الروح التي تحركنا جميعاً. إذا انكسر هو، انكسرنا نحن الثلاثة خلفه."
في المساء، وبينما كانت الشمس تغرب وتلون سماء المدينة باللون القرمزي، طلب زين من حبيبة مرافقته إلى "سطح الفندق" (Roof) لمناقشة بعض التعديلات الأمنية في المبنى. كان الهواء بارداً وقاصماً، وكان زين يقف بقميصه الأسود، يدخن سيجارته وينظر للأفق البعيد حيث تلمع أضواء المدينة التي يسيطر عليها.
عندما اقتربت منه حبيبة، لم يلتفت، بل سألها بصوت هادئ يحمل بحة غامضة:
"هل أخبركِ آسر عن عهدنا القديم؟"
"تحدث قليلاً.." أجابت وهي تقف بجانبه، تاركة مسافة آمنة بينهما، "لماذا لم تحاول البحث عن والديك يا زين؟ ألم تشعر يوماً بالرغبة في معرفة لماذا تركوك وأنت في الثالثة؟"
هنا، التفت زين إليها، وكانت عيناه تحت أضواء القمر تحملان لمعة من الحزن القديم الذي يغلفه بالقسوة:
"السبب لا يهم يا حبيبة. من يترك طفلاً في الثالثة من عمره أمام باب موصد في ليلة شتاء، لا يستحق عناء البحث. هم بالنسبة لي أموات، والملجأ كان هو القبر الذي ولدتُ فيه من جديد. هناك تعلمت أن القوة هي الحق الوحيد، وأن الدم الذي نسفكه لحماية بعضنا أطهر من الدم الذي يربطنا بأهل تخلوا عنا."
مدت حبيبة يدها بتردد، وكادت تلمس كفه التي تقبض على حافة السور، لكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة. شعرت بهيبة المكان وهيبة الرجل.
"ولكنك لست شريراً كما يدعون.." همست حبيبة، "أنا رأيتك مع أطفال الشوارع يوم أنقذتني، ورأيت نظرة الاحترام في عين كل عامل في هذا الفندق."
ضحك زين مرارة، ونفث دخان سيجارته في الهواء البارد:
"أنا شرير مع الأشرار فقط. لأحمي أولئك الأطفال الذين ليس لهم مأوى، عليَّ أن أكون الوحش الذي يخشاه الجزارون. لا يمكن لغابة أن تعيش بسلام دون أسد يحمي حدودها من الضباع."
في تلك اللحظة، رن هاتف زين بصوت حاد. كان "مروان" على الخط، وصوته يحمل نبرة قلق غير معتادة:
"زعيم.. هناك حركة غريبة في الميناء. شحنة 'الأدوات الطبية' التي طلبناها للمستشفى الخيري تم احتجازها من قِبل جهة غير معلومة.. والغراب شوهد يراقب الرصيف."
تصلبت ملامح زين فوراً، واختفت نظرة الهدوء لتعود ملامح "زين الموت".
"ابقَ مكانك يا مروان، لا تتدخل. سآتي الآن."
التفت زين لحبيبة، واقترب منها خطوة واحدة جعلتها تشعر بحرارة أنفاسه رغم برودة الجو. رفع يده ولمس طرف ذقنها بإبهامه برقة متناهية كانت غريبة على يده التي تضغط على الزناد:
"يجب أن أذهب. نور ستصطحبكِ بسيارتها المصفحة إلى منزلك. لا تخرجي غداً إلا مع الحراسة التي خصصتها لكِ، هل فهمتِ؟"
"زين.. هل هناك خطر كبير؟" سألت بخوف حقيقي بدأ ينمو في قلبها تجاهه.
"الخطر هو طعامي اليومي.. لا تقلقي. لكن الغراب ليس كالعقرب، الغراب يقتل بالصمت، وأنا أحب أن أعيد له صمته للأبد."
بينما كان زين ينطلق بسيارته كالبرق نحو الميناء، كان هناك شخص يجلس في سيارة سوداء مظللة يراقب الفندق من بعيد. كان يرتدي قفازات جلدية سوداء، ويحمل في يده "ريشة سوداء" حقيقية يقلبها بين أصابعه ببرود مخيف.
كان هذا هو "الغراب". رجل أنيق، يبدو وكأنه دكتور جامعي أو دبلوماسي، لكن عينيه كانتا خاليتين من أي ذرة رحمة. تحدث في ميكروفون صغير مثبت في ياقته:
"الهدف غادر العرين. والجميلة باقية في الداخل. لا تلمسوها الآن.. أريد أن يرى زين مملكته تنهار قطعة قطعة قبل أن نأخذ منه قلبه."
كان الغراب يخطط لشيء أعمق من الهجوم المسلح؛ كان يخطط لـ "اغتيال معنوي" لزين، عن طريق ضرب سمعته في الأحياء التي يحميها وتجفيف منابع ماله قبل المواجهة النهائية.
وفي الوقت نفسه، كانت حبيبة في غرفتها بمنزلها، لا تستطيع إخراج كلمات زين عن الملجأ من رأسها. بدأت تشعر أنها لم تعد مجرد مهندسة أو فتاة تم إنقاذها، بل أصبحت خيطاً حيوياً في سترة نجاة هذا الرجل الغامض. فتحت دفتر ملاحظاتها، وبدأت ترسم تخطيطاً، ليس لمبنى، بل لخطة حماية لمدخل الفندق السري الذي اكتشفته أثناء عملها، قررت أنها ستساعده بعقل المهندسة، بعد أن أصبح قلبه هو اللغز الذي تريد حله.