أنقاضُ الروح.. وعهدُ الشوارع
بينما كانت رائحة البارود لا تزال عالقة في ممرات "ليكلات بالاس"، كان هناك وجه آخر للمدينة لا يعرفه السياح؛ حي "الخربة"، حيث الأزقة ضيقة لدرجة أنها لا تسمح بمرور ضوء الشمس، هناك كان يختبئ "العقرب".
في قبوٍ مظلم، كان العقرب، وهو رجل ذو وجه مشوه بآثار حريق قديم، يكسر كأساً زجاجياً بيده من فرط الغضب.
"كيف؟ كيف استطاع زين الموت الوصول قبل أن يسحبوا 'نور'؟ ومن هذه الفتاة التي عطلت مروان؟"
رد أحد رجاله برعب: "إنها مهندسة جديدة يا سيدي.. يبدو أنها أصبحت ظله الجديد."
زمجر العقرب بصوت كفحيح الأفاعي: "زين يظن أنه انتصر.. لكنه لا يعلم أنني لست سوى مخلب لجسد أكبر بداخل الدولة. اتركوه يظن أنه حمى أخته، فالموت القادم لن يكون بالرصاص، بل بالسم الذي سيسري في عروق إمبراطوريته."
في اليوم التالي، لم يذهب زين للفندق. قرر أن يأخذ حبيبة في جولة، ليس بسيارته الفاخرة، بل بسيارة دفع رباعي قديمة ومموهة. كان الصمت سيد الموقف حتى وصلا إلى منطقة عشوائية خلف الكباري المتهالكة.
"لماذا أتيت بي إلى هنا؟" سألت حبيبة وهي تنظر للبيوت المبنية من الصفيح.
نظر زين إلى البعيد وقال: "هنا ولدتُ، وهنا سأدفن. 'ليكلات بالاس' هو واجهتنا أمام العالم، لكن قلبي ينبض هنا."
ترجل زين من السيارة، وبمجرد أن رآه الأطفال الذين يبيعون المناديل والذين يمسحون زجاج السيارات، ركضوا نحوه وهم يصرخون بفرح: "الزعيم! الزعيم حضر!"
تحول زين الموت إلى شخص آخر. انحنى لمستوى طفل صغير، مسح على رأسه، وأخرج من جيبه رزمة من المال أعطاها لأكبرهم قائلاً: "توزع بالتساوي.. ولا أريد أن أرى أحداً منكم يعمل في وقت المدرسة، هل فهمتم؟"
كانت حبيبة تراقب بذهول. رأت زين وهو يتحدث مع الأرامل، يسأل عن أحوال المرضى، ويأمر ببناء سقف لمنزل متهالك. لم تكن هذه شفقة، بل كان انتماءً.
جلس زين مع حبيبة على صخرة كبيرة تطل على النهر، وكان هذا هو الوقت ليبوح ببعض "الحكاية".
"هل سألتِ نفسكِ كيف أصبحنا إخوة وأنا لا أحمل اسمهم؟" بدأ زين كلامه وهو يشعل سيجارة.
"أنا، رعد، مروان، وآسر.. لسنا إخوة بالدم، بل بالوجع. عندما طردونا من الملجأ ونحن أطفال، تعاهدنا أسفل هذا الكوبري الذي ترينه هناك أن نكون جسداً واحداً."
أخذ نفساً عميقاً وأكمل:
"رعد كان الأقوى، كان يتلقى الضربات عني في الشوارع حتى لا أنكسر. آسر كان يسرق الكتب من المكتبات العامة لنتعلم منها تحت ضوء الشموع، كان عبقرياً في الحسابات منذ صغره. أما مروان، فكان هو 'الظلال'؛ يراقب من يتربص بنا ويحذرنا."
"ونور؟" سألت حبيبة بهدوء.
"نور وجدناها ملقاة بجانب حاوية قمامة، كانت في الرابعة عشرة، تائهة وخائفة. يومها، قتل رعد أول رجل في حياته لأنه حاول لمسها. من يومها، أصبحت هي العرض الذي نعيش لنحميه."
نظرت حبيبة ليد زين التي كانت تحمل ندوباً قديمة: "وأنت؟ من كنت بالنسبة لهم؟"
التفت إليها زين، وكانت نظراته في تلك اللحظة خالية من أي قناع: "كنتُ 'العقل'. كنتُ الذي يقرر متى نأكل ومتى نحارب. كنتُ الذي باع روحه للشيطان لكي يشتري لهم هذا القصر."
ساد الصمت، وقربت المسافة بينهما دون قصد. لم يعترف زين بحبه، لكن الطريقة التي أزاح بها خصلة شعر متمردة عن وجه حبيبة كانت تقول أكثر مما تقوله القصائد.
"حبيبة.. أنتِ لستِ مجرد مهندسة هنا. ما فعلتِه مع مروان جعلكِ جزءاً من هذا 'العهد'. لكنني لا أريدكِ أن تصبحي مثلي. أريدكِ أن تبقي 'النور' الذي نراه عندما تظلم الدنيا."
ابتسمت حبيبة بمرارة: "لقد تلطخت يداي بالفعل يا زين.. لكنني لست نادمة. إذا كان هذا هو الثمن لأفهم من أنت، فليكن."
في تلك الليلة، وبينما كان زين وحبيبة يعودان، كان هناك هاتف يرن في مكتب العقرب.
"سيدي.. العقرب فشل في المهمة."
رد صوت غامض ووقور من الطرف الآخر: "العقرب كان مجرد اختبار. إذا كان زين الموت يظن أنه سيطر على المدينة بمجرد قتل بعض المهربين، فإنه لا يعرف أن 'المجلس الأعلى' قد قرر تصفيته. أرسلوا له 'الغراب'.. لقد حان وقت القتال الحقيقي."
زين كان يعلم أن العقرب هو البداية فقط، وأن هناك وحوشاً أكبر تعيش في الظلال، وحوشاً ترتدي بدلات رسمية وتجلس في كراسي الحكم. لكنه في تلك الليلة، وهو ينظر لحبيبة وهي نائمة في السيارة بجانبه، شعر لأول مرة أن لديه شيئاً "يستحق" أن يحارب من أجله.. ليس فقط كبرياءه، بل قلبها.