رصاصة الحقيقة.. ورقصة العقرب
لم تنم "حبيبة" تلك الليلة. كانت الرصاصة الفارغة المنقوش عليها حرف (Z) موضوعة على طاولة مكتبها الصغير، تلمع تحت ضوء المصباح الخافت وكأنها عين تراقبها. كانت تهمس لنفسها: "من أنت يا زين؟ هل أنت المنقذ الذي أرسله الله لي، أم أنت الشيطان الذي سيحرق ما تبقى من حياتي؟"
في الصباح، قررت حبيبة ألا تهرب. وضعت الرصاصة في حقيبتها، وذهبت إلى الفندق وهي تحمل في قلبها شجاعة لا تدري من أين أتت بها.
داخل الفندق، كانت الأجواء مشحونة بشكل غير معتاد. رجال الأمن في كل زاوية، والهمسات بين الموظفين لا تنقطع. توجهت حبيبة مباشرة نحو المصعد الخاص بالجناح الرئاسي، حيث مكتب زين. اعترضها حارسان ضخمان:
"ممنوع الدخول يا آنسة، الزعيم في اجتماع مغلق."
"أخبروه أن حبيبة هنا.. ومعها أمانة تخصه." قالتها بقوة جعلت الحراس يترددون.
بعد ثوانٍ، جاء صوت زين عبر الجهاز اللاسلكي: "اتركوها تدخل."
فتحت الأبواب الضخمة، لتجد زين جالساً خلف مكتبه، وأمامه "رعد" و**"مروان"** و**"آسر"**، وكانت الخرائط والأسلحة متناثرة فوق الطاولة. كان زين يرتدي قميصاً أسوداً شمر أكمامه، لتظهر عروق يده البارزة وأثر جرح قديم على ساعده.
رفع زين عينه إليها، وكانت نظرته باردة كالثلج:
"هل هناك مشكلة في العمل يا باشمهندسة؟ ألم تستلمي مكتبك بعد؟"
تقدمت حبيبة حتى وقفت أمام مكتبه مباشرة، وتجاهلت وجود إخوته تماماً. مدت يدها وفتحت راحة كفها، لتسقط الرصاصة فوق الطاولة الخشبية الفاخرة، فتحدث رنيناً أصاب الجميع بالصمت.
"وجدتُ هذه في معطفك.." قالت وصوتها يرتجف قليلاً، "ما هذا يا سيد زين؟ وهل 'نظافة المكان' التي كنت تتحدث عنها أمس في الهاتف لها علاقة بهذه الرصاصة؟"
تبادل الإخوة نظرات حادة، ووضع رعد يده على سلاحه تلقائياً، لكن إشارة صغيرة من إصبع زين جعلته يتراجع.
قام زين من مقعده ببطء شديد، ودار حول المكتب حتى أصبح أمامها مباشرة. التقط الرصاصة بيده، ورفعها أمام عينيها:
"هذه؟ هذه هي العملة الوحيدة التي يفهمها الناس في عالمي يا حبيبة. سألتِني من أنا؟ أنا الرجل الذي يمنع هذه الرصاصات من الوصول لصدور الناس أمثالكِ. أنا القاتل الذي يحميكِ من القتلة."
"ولكنني لا أريد حماية من هذا النوع!" صرخت حبيبة، "أنا أريد حياة نظيفة، لا أريد أن أكون مدينة برزقي لرجل يلطخ يديه بالدماء!"
اقترب زين منها، حتى شعرت بأنفاسه الساخنة:
"إذن ارحلي.. الباب أمامكِ. عودي لبيتكِ، وعودي لانتظار الحافلات في المطر، واتركي أخاكِ الصغير يموت من التعب في الورشة. لكن اعلمي شيئاً واحداً.. بمجرد خروجكِ من هذا الباب، لن تكوني تحت حمايتي، وعالم الخارج لن يرحمكِ كما فعلتُ أنا."
تجمدت حبيبة مكانها. كانت كلمات زين كالسياط، قاسية لكنها صادقة.
وفجأة، قطع هذه المواجهة دخول "نور" وهي تصرخ بجنون، وكان وجهها شاحباً كالموتى:
"زين! لقد فعلها.. العقرب فعلها!"
انتفض زين كأن صاعقة أصابته: "ماذا حدث؟"
"لقد اختطفوا شحنة الأدوية التي كنا نرسلها للملجأ.. وليس هذا فقط، لقد تركوا رسالة في القبو الخلفي للفندق.. مكتوب فيها 'العين بالعين.. والجميلة بالجميلة'."
في تلك اللحظة، أدرك زين الخطر. صرخ بصوت هز أركان القصر:
"رعد! آسر! أغلقوا الفندق بالكامل! مروان، نور لا تترك عينك.. العقرب لا يريد الأدوية، إنه يريد نور!"
بلمح البصر، تحول المكتب إلى غرفة عمليات حربية. حبيبة كانت تقف في الزاوية، تراقب هذا التحول المرعب. رأت زين وهو يسحب سلاحه الآلي من خزانة سرية خلف المكتب، ويوزع المهام ببراعة عسكرية مذهلة.
"زين!" صرخت حبيبة وهي تراه يتوجه نحو الباب، "إلى أين أنت ذاهب؟"
التفت إليها زين، وكان وجهه الآن هو وجه "زين الموت" الحقيقي، العينان جاحظتان والملامح متحجرة:
"سأذهب لأحرق الأرض ومن عليها. مروان، خذ حبيبة لمكان آمن داخل الفندق.. وإذا حدث لي شيء، نور هي المسؤول الأول عنكم جميعاً."
خرج زين وإخوته كالإعصار، تاركين حبيبة في حالة من الذهول والرعب. لم تكن تعلم أن "العقرب" قد نصب فخاً لزين، وأن المواجهة القادمة ستكون مجزرة حقيقية في أحياء المدينة القديمة.
في الخارج، كانت سيارات زين تنطلق بسرعة جنونية، بينما كان "العقرب" يراقبهم من فوق تلة قريبة، ممسكاً بجهازه اللاسلكي:
"لقد خرج الأسد من عرينه.. الآن، اهجموا على الفندق.. أريد 'نور' حية، وأريد الفتاة الجديدة أيضاً."
كانت الخيانة تأتي من الداخل، فالعقرب قد استطاع شراء أحد الحراس الشخصيين لزين.. الكارثة كانت تقترب، وحبيبة أصبحت الآن الهدف الثاني دون أن تدري.