وجه العملة الآخر
انتهت المعركة الخاطفة في الزقاق الخلفي للفندق بنفس السرعة التي بدأت بها. لم يتبقَ من رجال "العقرب" إلا جثة واحدة سحبها "رعد" و"مروان" بلمح البصر إلى داخل سيارة نقل مغلقة، بينما اختفت السيارات الأخرى هاربة من جحيم "زين الموت". وقف زين في مكانه، عدّل ياقة قميصه، ونظر إلى يده؛ كانت هناك قطرة دماء صغيرة قد تطايرت على كمه الأبيض.
مسحها بمنديل ورقي وألقاه في النار المشتعلة في أحد البراميل القريبة، ثم التفت إلى رعد وقال بصوت أجش:
"نظفوا المكان جيداً.. لا أريد أن يشم أحد رائحة الموت هنا. سأصعد الآن لرؤية المهندسة."
في هذه الأثناء، كانت "حبيبة" قد انتهت من جولتها التعريفية في الفندق مع "نور". كانت مبهورة بنظام العمل، بالاحترام الذي يظهره الجميع لنور، وبالفخامة التي تجعل الشخص يشعر وكأنه في قصر ملكي.
"حبيبة، لقد قررنا تعيينكِ مسؤولة عن المكتب الهندسي لتطوير أجنحة الـ VIP. ستكونين مسؤولة عن مراجعة التصاميم والإشراف على التنفيذ." قالت نور وهي تبتسم لها.
"أنا.. أنا لا أعرف كيف أشكركِ يا سيدة نور. هذا الحلم لم أكن أتخيله."
وفجأة، انفتح باب المكتب الضخم. دخل "زين". لكنه لم يكن "زين" اللطيف الذي رأته تحت المطر. كان وجهه شاحباً، عيناه تحملان نظرة حادة وقاسية، وهالة من الخطر تحيط به لدرجة أن حبيبة شعرت برعشة في جسدها.
"كيف حال العمل يا نور؟" سأل زين وهو لا يوجه نظره لحبيبة مباشرة.
"كل شيء ممتاز يا سيدي. حبيبة استلمت مهامها اليوم." أجابت نور برسمية شديدة أمامها.
هنا، التفت زين نحو حبيبة. ساد صمت ثقيل في الغرفة. كانت حبيبة تنظر إليه بامتنان، لكنها لاحظت شيئاً غريباً؛ كانت هناك رائحة قوية تفوح منه.. رائحة بارود محترق، وشيء آخر يشبه رائحة "المطهرات" القوية.
"مبروك الوظيفة يا باشمهندسة." قال زين بنبرة جافة. "أتمنى أن تكوني عند حسن الظن، فندق 'ليكلات بالاس' لا يقبل الخطأ."
"شكراً لك يا سيد زين.. أنا ممتنة جداً لمساعدتك لي أمس." قالت حبيبة وهي تحاول أن تبتسم.
في تلك اللحظة، رن هاتف زين. أخرجه وضغط على زر مكبر الصوت وهو ينظر في عيني حبيبة بتحدٍ وكأنه يختبرها.
"تحدث يا مروان."
"سيدي.. الضيف الذي كان معنا في الخلف.. 'انتهى أمره'. ماذا نفعل به؟"
تجمدت الدماء في عروق حبيبة. "الضيف"؟ "انتهى أمره"؟ كانت الكلمات تبدو بريئة، لكن نبرة مروان كانت توحي بشيء مرعب.
رد زين ببرود قاتل وهو يراقب رد فعل حبيبة:
"أرسلوه لدار الحق.. لا أريد له أثراً في عالمنا. وانتهوا من تنظيف المكان بسرعة."
أغلق الهاتف، وساد الصمت مجدداً. كانت حبيبة تنظر لزين بذهول، وكأنها تراه لأول مرة. هل هذا هو الرجل الذي أعطاها معطفه؟ هل هذا هو المنقذ؟ أم أنه شيء آخر تماماً؟
"سيد زين.." همست حبيبة بصوت مرتجف، "هل هناك خطب ما؟ نبرة مساعدك.. كانت غريبة."
اقترب زين منها خطوة واحدة، فظهر الفارق الشاسع في الطول والقوة بينهما. انحنى قليلاً وهمس بجانب أذنها:
"في هذا المكان يا حبيبة، هناك أشياء يجب أن نقتلها لكي نعيش. العمل هنا يتطلب قلباً من حديد. اذهبي لمكتبكِ الآن، وابدئي عملكِ."
خرجت حبيبة من المكتب وهي تشعر بدوار. بدأت تتذكر هيبة الحراس، الطريقة التي نطق بها الموظفون اسمه "الزعيم"، وكيف أن كل شيء في هذا الفندق يتحرك بإشارة من يده.
بينما كانت تسير في الممر الطويل، رأت "رعد" يمر بجانبها، وكان يمسح يده بقطعة قماش ملطخة بشيء أحمر.. مسحت عينيها، وظنت أنها تتخيل من شدة التوتر، لكن الرعب كان قد بدأ يتسلل لقلبها.
في المساء، عاد زين للقصر. كانت "ماما فاطمة" تنتظره كالعادة.
"زين.. وجهك لا يعجبني اليوم. هل وقعت حرب أخرى؟"
جلس زين ووضع رأسه بين يديه:
"العقرب بدأ يتحرك يا أمي. واليوم.. حبيبة كانت في الفندق. رأيت في عينيها خوفاً لم يعجبني. لا أريدها أن تعرف من أنا حقاً.. على الأقل ليس الآن."
ضحكت فاطمة بحزن:
"القدر لا يستأذننا يا ولدي. أنت وضعتها في عرين الأسد، وتريدها ألا تسمع زئيره؟ إذا كنت تحب أن تبقى هذه الفتاة نقية، أبعدها عن عالم الموت الذي تعيش فيه."
"لا أستطيع.." قال زين وهو ينهض بصرامة، "لقد أصبحت الآن جزءاً من ممتلكات 'زين الموت'.. ومن يدخل عالمي، لا يخرج منه إلا بكفنه، أو بكلمتي."
في منزل حبيبة، كانت تقلب معطف زين بين يديها. وجدت في جيبه الصغير شيئاً لم تلحظه من قبل.. "رصاصة" فارغة، نُقش عليها حرف (Z).
سقطت الرصاصة من يدها على الأرض، وأصدرت رنيناً معدنياً كان هو البداية الحقيقية للكابوس.. أو ربما لأعظم قصة حب ستُكتب بالدماء.