جنة وسط الجحيم
انطلقت سيارة "البلاك فانتوم" عبر البوابة الحديدية الضخمة التي تحمل شعار (Z) المتداخل مع سيفين، لتعبر حديقة غناء تفوح منها رائحة الياسمين والتراب المبلل، وصولاً إلى قصر يجمع بين العظمة المعمارية والغموض. كان القصر يقع في منطقة معزولة، محاطاً بحراسة مشددة لا ترى بالعين المجردة، حراسة يعرف الجميع أن الاقتراب منها يعني "الفناء".
نزل زين من سيارته، خلع نظارته السوداء رغم الليل، ونظر إلى الأعلى حيث كانت أضواء الطابق الثاني خافتة. تنفس بعمق، وكأنه يخلع رداء "زين الموت" على أعتاب هذا الباب ليصبح "زين" الإنسان فقط.
بمجرد دخوله الردهة الواسعة، استقبلته رائحة "بخور العود" الممزوجة برائحة طعام منزلي شهي، رائحة لا تجدها في الفنادق الفاخرة، بل في البيوت التي تسكنها البركة.
"تأخرت يا ولدي.. قلبي كان يحدثني أن المطر سيعيقك."
جاء الصوت حنوناً، هادئاً، يمتص كل ذرة غضب أو قسوة بداخل زين. كانت "ماما فاطمة"، السيدة التي يركع تحت قدميها أقوى رجال المدينة. كانت ترتدي ثوباً أبيضاً بسيطاً، وعلى وجهها تجاعيد تحكي قصصاً من الصبر والوجع قبل أن يخلصها زين من براثن "دار المسنين".
اقترب زين منها، وانحنى ليقبل يدها بخشوع تام:
"حقكِ عليَّ يا أمي، كان هناك بعض العمل العالق. هل اجتمع الإخوة؟"
ابتسمت فاطمة وهي تمسح على شعره المبلل:
"نعم، رعد ومروان وآسر ونور بالداخل، لم يجرؤ أحد على لمس الطعام حتى تأتي. هيا، بدل ثيابك المبللة والحق بنا."
في غرفة الطعام الكبيرة، كانت المائدة عامرة بما لذ وطاب، لكن المشهد لم يكن تقليدياً. كان "رعد" يقوم بشحذ نصل صغير ببرود، بينما "آسر" يتابع بورصة الذهب على حاسوبه، و "مروان" يراجع تقارير أمنية، أما "نور"، فكانت تجلس بأناقتها المعهودة كمديرة لفندق "ليكلات بالاس"، تراجع قائمة المدعوين لحفلة الغد.
دخل زين الغرفة، فنهض الجميع فوراً. لم يكن نهوض "خوف"، بل نهوض "احترام" للأخ الأكبر والقائد الذي صنع من شتاتهم قوة.
"اجلسوا.." قال زين بصوت هادئ وهو يأخذ مكانه في رأس الطاولة.
جلست ماما فاطمة بجانبه، وبدأت توزع الطعام عليهم وكأنهم أطفالها الذين أنجبتهم، وليسوا أباطرة يحكمون المدينة. ساد الصمت لبرهة قبل أن تكسره نور:
"زين.. رعد أخبرني أنك سترسل فتاة غداً للمقابلة؟"
نظر زين إلى طبق الطعام وقال ببرود:
"نعم.. فتاة تدعى حبيبة. مهندسة، لكن الدنيا ضاقت بها حتى كادت تعمل كخادمة غرف. أريدكِ أن تختبريها، إذا كانت كفؤاً، أريدها في القسم الهندسي أو إدارة الصيانة.. المهم أن تأخذ مكانها الطبيعي."
تبادل الإخوة نظرات سريعة، فزين نادراً ما يتدخل في تفاصيل التوظيف الصغيرة. غمز مروان لآسر، لكن نظرة واحدة حادة من زين جعلت الجميع يعود لطبقه بصمت.
تحدثت ماما فاطمة بحنان:
"بارك الله فيك يا بني. من يحمي عرض الناس ويسترهم، يستر الله طريقه. الشوارع قاسية يا ولدي، ونحن أكثر من يعلم ذلك."
شرد زين قليلاً في كلمات فاطمة. تذكر اللحظة التي وجدها فيها منذ ثلاث سنوات، كانت تجلس على رصيف بارد أمام دار المسنين، تبكي بصمت وهي تمسك بشنطة بلاستيكية فيها كل ما تبقى من حياتها، بعد أن رماها ابنها الوحيد هناك إرضاءً لزوجته. يومها، لم يسألها زين عن اسمها، بل قال لها جملة واحدة: "أنا وإخوتي فقدنا أماً منذ سنين، فهل تقبلين أن نكون أبناءكِ؟"
منذ ذلك اليوم، تحول القصر من "قلعة عسكرية" إلى "بيت".
بعد العشاء، اجتمع الإخوة في "غرفة المكتب" الخاصة بزين. تغيرت الأجواء فوراً لتصبح مشحونة بالجدية.
"الزعيم.." نطق رعد بصوت رخيم، "ضاحي وصل لرسالتك، لكن المعلومات تقول إن عصابة 'العقرب' في الشمال لم يعجبهم ما حدث. هم يعتبرون منعك للمخدرات إعلاناً للحرب على أرباحهم."
شعل زين سيجاره، ونفث الدخان ببطء وهو ينظر للخريطة المعلقة على الحائط:
"العقرب؟ دعهم يتحركون. أنا لا أبدأ بالهجوم، لكن إذا خطت قدم أحدهم حدود منطقتي، لن يجدوا جثثاً ليدفنوها. مروان، أريد عيوناً في كل زقاق. آسر، راقب حساباتهم البنكية، أريد أن أعرف من يمولهم."
ثم التفت إلى نور:
"نور، الفندق غداً يجب أن يكون تحت حراسة مشددة غير مرئية. مقابلة حبيبة يجب أن تمر بهدوء، لا أريدها أن تشعر أننا في حالة حرب."
قالت نور بذكاء:
"لا تقلق يا أخي. سأهتم بها بنفسي. لكن.. هل هذه الفتاة مختلفة؟"
نظر زين إلى النافذة، حيث كان المطر لا يزال يهطل، وتذكر عيني حبيبة المليئة بالكبرياء:
"هي فقط تذكرني بنا يا نور.. تذكرني بأيام لم نكن نجد فيها من يفتح لنا باب سيارة أو يعرض علينا وظيفة."
في تلك اللحظة، في مكان آخر من المدينة، كانت "حبيبة" تجلس بجانب والدتها المريضة، تقص عليها ما حدث مع "الرجل الغامض" الذي أنقذها من المطر. لم تكن تعلم أن "زين" الذي وهبها الأمل، هو نفسه "زين الموت" الذي يرتعد لذكر اسمه كبار الرجال. كانت تلمس معطفه الذي نسيت أن تعيده له، وتشعر بدفء لم تألفه من قبل، بينما كان أخوها الصغير "ياسين" نائماً بعمق بجانبها، يحلم بغدٍ أفضل.